كثيرًا ما نبتعد، ولكن ليس بإرادتنا، فنجد أنفسنا ثابتين في محبتنا، رغم أن الظروف الخارجية تبعدنا وتصرّ على إبعادنا، ولكن قلبك يظل متمسكًا، لأن له جذورًا مع من تحب، فانغرست في كل عضو داخلك، فلا يكون لغيره مكان، ولا يوجد مجال لسواه.
فليس كل تركٍ يكون بإرادتنا، وليس كل بُعدٍ عداوة، بل بالعكس، قد يكون حبًا أعمق لا يعرفه إلا من انغرست في قلوبهم محبةٌ نقية، تخلو من الأنانية ومحبة المادة والمصالح المتبادلة. فهناك حبٌّ للروح، حبٌّ لكل شيء يحيط بالآخر، حبٌّ لا تجده إلا عندما تتذوق طعم البعد عن محبوبك الحقيقي.
فلا يوجد حب أعظم من هذا، حين تتمنى له كل الخير، وتتبع خطواته حيثما يذهب، وتنظر إليه بعينه وعينك، وتقول في داخلك: “أنت معي، ولا شيء يتغير في قلبي تجاه حبك الثابت.”
الذي تغيّر هو مكاني المادي البعيد عنك، أما مكاني في قلبك وفي قلبي، فهو قريب، بل أقرب إلى روحي، ثابت كالصخرة، وفي الوقت ذاته قريب جدًا إليك أيضًا. فلا شيء يخفّ من حرارة حبي لك، بل يزداد لهفتي، ويترك كل كياني بصماته ورائحته في كل نفسٍ أتنفسه.
أجد دموعي تنهمر من عينيّ، لتشتعل نارُ لهفتي، ولكن من يدري بي؟ ومن يعرف أنني أحببتها أكثر من نفسي؟ لا أجد شيئًا يشبهها، ولا أحدًا يرتقي مثلها في قلبي. فأجد تكريس قلبي لها هو الدليل القاطع على ارتقاء وثبات حبي لها.
لقد قطعتُ العهد ألا أتركها أبدًا، فأكلم ربي وأقول: “هل ستجمعني بها من جديد؟ وهل ستتغير الظروف من حالٍ إلى حالٍ أفضل؟”
هل هذا ممكن؟
كل شيء مستطاع عند الله.
وهنا أتوقف قليلًا متأملًا قدرة الله، وحبها الذي زرعه في قلبي، حبًّا ثابتًا يقوى على كل الظروف الداخلية، مهما كانت الظروف الخارجية التي تبعدنا.
فالله قادر أن يقرب كل حبيب إلى حبيبته، بقلبٍ واحدٍ ومكانٍ واحد، مهما كانت المسافة أو البعد.