21.4 C
Cairo
الخميس, أبريل 30, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيأول دعوى قضائية ضد الله !(11) مرض أيوب

أول دعوى قضائية ضد الله !(11) مرض أيوب

أ.د. أماني ألبرت

أصيب أيوب بمرض غريب إذ “ضُرب بقرح رديء من باطن قدمه إلى هامته” (أي 7:2)، ربما “جرب” أو حكة فأخذ شقفة يحك بها جسده أو فخاره لكشط بقايا الجلد وجلس بين الرماد، كانت القروح تشبه “الدمامل” وإذ يحكها كانت تتفتح ويسيل منها القيح، ثم يسدها بالتراب فتملأها الديدان، ويصاب بالسخونة، “أنا مغطى باليرقات والجرب. يصبح جلدي متقشرًا وقاسيًا، ثم يفرز منه القيح” (5:7). ويبدو أنها دورة مستمرة من تحلل الجلد وتصلبه ثم ظهوره مرة أخرى، واسود جلده من المرض وجسده كان محمومًا (30:28، 30) وقشعريرة كست جلده (21:6) وتحول جلده لبقع سوداء وزرقاء “يضربني من عمود إلى عمود، ويضربني، باللون الأسود والأزرق” (17:9)، ويقول عن الله: “يجعلني أشعر بالمرض” (7:6).

• أصيب بالهزال أو ضمور العضلات

أصيب أيوب بالضعف الشديد لدرجة أن الهزال ظهر علي وجهه “هُزالي يُجاوب في وجهي” (8:16)، “أضعفتني فَصار ضعفي يشهد ضدي، وأهزلتني فقام هزالي يتهمني في وجهي”.

ولصقت عظامه بجلده ولحمه “لستُ سوى كيس من العظام. حياتي معلقة بخيط رفيع، سُلخ جلدي حيًا” (19: 20)، وتلاشى جسده لدرجة أنه لا يمكن رؤيته، وبرزت عظامه التي لم تُرَ (21:33).

• أصيب بألم وتنميل أو خلل في الإحساس

عذاب لا يُحتمل (6: 10) كان الوجع ينخر فيه لا يهدأ (17:30) وجلده أسود وعظامه تحترق بالحرارة (30: 30) وكان الوجع دائمًا (33: 19) وضعف الإحساس بأعضائه “أعضائي كلها كالظل” وعيناه أصيبتا بالكلل (17: 7).

• أعراض في الجهاز الهضمي

القيء: “شق كليتي ولم يشفق. سكب مرارتي على الأرض” (16: 13)، وضعف الشهية: “فتكره حياته خبزًا، ونفسه الطعام الشهي” (33: 20) ورائحة الفم الكريهة: “نكهتي مكروهة عند امرأتي، وخممت عند أبناء أحشائي”) 19: 17).

ويبدو أنه وصف له طعام بلا ملح: “هل يؤكل المسيخ بلا ملح، أو يوجد طعم في مرق البقلة؟ ما عافت نفسي أن تمسها، هذه صارت مثل خبزي الكريه!” (6:6-7) وهو أول نظام غذائي بدون الصوديوم في التاريخ.

• كانت لديه هلوسة بصرية:

فعندما يقول: “سريري يعزيني ويخفف شكواي” يقول: “فإنك تخيفني بالأحلام وترعبني بالرؤى” (13:7-14) مع حالة من التغيرات البصرية وكأن عليه ظلام لا يرى (22: 11) وظلام كثيف يغطي وجهه (23: 17).

• أعراض الاكتئاب

تمنى الموت (3: 11) وبكى (16: 20) وأعلن عن نوحه وجلوسه في التراب مهزومًا (16: 15) وخوفه (30: 15)، لدرجة أنه قال “أنا كشجرة أكلها السوس، وكثوبٍ أتلفه العث” (13: 28) وتحطمت روحه وحفر قبره منتظرًا (17: 1) ويبدو أن حالته ساءت لدرجة أن أصحابه لم يتعرفوا عليه (2: 12).

ومن ألمه قال عن الله: “بقوة عظيمة يمسك ملابسي، يمسكني من ياقة ردائي. ويرميني في الوحل، فاصير ترابًا ورمادًا” (30: 18 و19).

• اضطرابات النوم

لم يستطع النوم (3: 26) أشبع قلقًا حتى الصبح (7: 4) واحمر وجهه من البكاء وامتلأ وجهه بالتجاعيد وكست الظلال السوداء تحت عينه (16: 8، 16) “ملأت وجهي بالتجاعيد، احمر وجهي من البكاء، وبدت حول عيني دوائر سوداء”.

ويعتقد العلماء أن مرض أيوب:

• إما متلازمة فرط الجلوبولين المناعي، وهو مرض وراثي نادر يسبب مشاكل في الجلد والجيوب الأنفية والرئتين والعظام والأسنان بما في ذلك الكسور. يعاني الأشخاص المصابون بهذه الحالة من التهابات جلدية حادة وطويلة الأمد. وسُمي لاحقًا على اسم أيوب، الذي أصيب بالقروح والبثور والخراريج النازفة في الجلد.

• ويقال إن المرض الذي عانى منه أيوب كان داء الفيل، أو الجذام الأسود، وهو رأي قديم جدًا، ويؤيده العلماء في العصر الحديث، وتشير المقاطع الكتابية للمرض إلى حرق الجلد من رأسه إلى قدمه، والهرش، وإلى كونها مغطاة بالتعفن وأنها تكون تارة صلبة، وتارة أخرى تتشقق وتخرج السوائل، وفي الهزال العام وفي كراهية شديدة للطعام.

على كومة الرماد

يقول الكتاب إن أيوب جلس “فِي وَسَطِ الرَّمَادِ” (8:2)، وهو ما يفسره البعض لا على أنه حداد فقط كما جرت العادة قديمًا، ولكنها كمحاولة لتبريد جراحه الملتهبة.

على كومة الرماد، جلس أيوب يعاني من الألم الشديد والقلق وربما الارتباك من عدم فهم ما يحدث، فقدرته على استيعاب الموقف من منظور الله منعدمة، وهكذا كان أصدقاؤه رغم حكمتهم، وعامةً تبقى المعرفة البشرية غير كاملة ومشوهة، لا تزيد عن كونها إصدار أحكام جزئية أو غير صحيحة حول الله أو حول أيوب.

على كومة الرماد، الوضع محير والقضايا إنسانية ومؤلمة للغاية، عرف أيوب مشاعر لم يختبرها من قبل، شعر إنه وحيد، متروك، متألم، معذب، مرتبك، غاضب، متحير، ثائر، ساخط.

على كومة الرماد، بدا أن أيوب ضحية للأحداث وللوقت، وبدا أن الشيطان مهيمن على الموقف، ولكن فوق بقعة الأرض تلك كان هناك مشهد آخر في السموات، يبدو فيه أيوب البطل في مسرحية أخلاقية موجهة من الله إلى الأرض، وبينما أيوب متأكد أن الله اختفى من المشهد وتوقف عن حمايته وتركه في يد الشيطان، كان الله يعاين أيوب ويعينه في تجربته، كان منخرطًا بعمق في حياة أيوب في هذه اللحظة بالذات، ربما لا تمثل اللحظات المنفردة لأيوب سوى الألم ولكن إجمالي هذه اللحظات بالتأكيد يعني شيئًا.

على كومة الرماد، جلس أيوب يشكو وينوح ويتحدى الله، بينما كان الله يريد جعل إيمانه كاملًا. نعم، كان لديه إيمان كبير بيهوه الله قبل تجاربه، إلا أدرك لاحقًا أنما عرفه عنه مجرد سمع الأذن، وبعد ما مر به قال: “والآن رأتك عيني”، وهذا هو التأثير الذي حققه عمل الله في حياة أيوب من خلال السماح له بالتجارب. كثيرًا ما تجعلنا النكسات والإخفاقات نسيء فهم إرادة الله، بل ونشتكي منه، وهذا لأننا لا نفهم معنى تجاربنا، ولكن إن فهمنا معناها وما يود الله تحقيقه منها فسنعرف أن هذه التجارب المؤلمة هي بالضبط الطريق الذي يجب على كل مؤمن أن يسافر فيه ليخوض معركته مع عدو الخير وينتصر فيها، وما زالت كلمة الله وإيماننا وطاعتنا وتسليمنا لله هو ما سيجعلنا نواجه كل التجارب المؤلمة بشجاعة.

#يتبع

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا