هل تعلمون لماذا تزداد الجرائم في مصر؟

9

مدحت بشاي

عبر عرض هام وبديع لأحداث 3 جرائم بشعة، كان المقال الافتتاحي لمدير تحرير جريدتنا الرائعة “الطريق والحق” للكاتب والباحث الرائع “د. ثروت صموئيل”.. وعن محيط جغرافيا تلك الجرائم، ذكر مندهشًا وقوعها في مصر وسوريا وباراجوي، وجميعها تقع في نطاق أسري “جرائم العنف الأسري”.. اغتصاب وبيع للأبناء، ودفن في محيط البيت، وتقطيع أجساد أطفال، إلى حد استهلال الكاتب مقاله بتحذير القراء ضعاف القلوب من الإقدام على قراءة المقال!!

وقد ألقى الكاتب باللائمة على مؤسسات الأسرة والمؤسسة التربوية والتعليمية والدولة بمؤسساتها التشريعية والاجتماعية.. وفي الواقع إن إشارات الكاتب لأدوار تلك المؤسسات التي ينبغي أن تلعبها للتعامل مع ظواهر ممارسة العنف الأسري هي إشارات هامة وينبغي أن تتسارع الخطى للتعامل مع تبعات تلك الظاهرة..

إن التغيير يحدث في نمط الجريمة نفسها، وذلك بعد زيادة نسبة العنف منذ ثورة 25 يناير حتى الآن، حتى اعتاد عليها المجتمع المصري نتيجة التغيرات الفكرية والنفسية التي تؤثر على تكوين الشخصية، وبشكل خاص في مجتمعات الشباب ومواقع تجمعاتهم، حيث إن ارتكاب مثل تلك الجرائم قد يكون بسبب نفسي وتعرض الإنسان لضغوط نفسية واجتماعية تزيد من العنف والغيرة والفصام والشخصية السيكوباتية، وكلها أسباب لزيادة الجريمة، لأن الاضطرابات الشخصية تأتي بسبب الشعور بالرفض من قِبل الأسرة ..

ولعل من أسباب زيادة الجرائم الأسرية ارتفاع معدﻻت الكثافة السكانية واﻻزدحام، وانتشار العنف في المجتمع المصري عبر وسائل الإعلام والدراما وتراجع الدور الثقافي في المجتمع، لأن تسليط الضوء على الجرائم يؤكد زيادة نسبة معدﻻتها، بالإضافة إلى الانفلات الأخلاقي، وحرب الخلافات الأسرية والأفكار المغلوطة، وكذلك التفسير الخاطئ لمعنى الحرية، مما يتسبب في حالة من عدم اﻻستقرار والعيش في صراعات، علاوة على تراجع المؤسسات الدينية عن الدور الفعال لها بشكل يناسب العصر الحالي، وأيضًا الاستخدام السلبي والسيئ للتطور الإلكتروني ووسائل اﻻتصال الحديثة، مما زاد من نسبة الجرائم التي تتسم بعنصر المفاجأة غير المتوقعة مثل الجرائم الإلكترونية وجرائم التسويق الأخيرة التي راح ضحيتها 3 شباب في حوادث مختلفة ..

ويقول اللواء “حسام لاشين”، مساعد وزير الداخلية الأسبق، إن السبب الرئيسي في زيادة الجرائم الأسرية هو انتشار حالات الإدمان والمخدرات بين الشباب، مما يتسبب في انهيار أسر بالكامل ويؤدي لخلق حالة العداء، حيث تؤدي المخدرات إلى زيادة العنف والذي يتنهي بالقتل، علاوة على وجود خلافات دائمة ومستمرة بسبب الميراث والطمع بين الأشقاء، مما ينتهي بالتعدي على الوالدين، وكذلك الخلافات والمشاجرات الدائمة بسبب الانفلات الأخلاقي، وانعدام القيم والأخلاق. ولذا فإن السيطرة على سوق المخدرات بتكثيف الحملات الأمنية من أبرز الحلول.. لا بد من السيطرة على انتشار المخدرات بمحاصرتها والقضاء عليها تمامًا من خلال تكثيف الحملات الأمنية، وملاحقة ومطاردة تجار المخدرات والمتعاطين عن طريق إحكام القبضة الأمنية، وكذلك التوعية الدينية والتوعية الاجتماعية من خلال المدارس والمساجد وإعادة تأهيل الأبناء عن طريق التربية السليمة ..

لقد بلغت نسبة زيادة جرائم القتل الأسرية عام 2022 حوالي 94% مقارنةً بعام 2021، أي من 18 ضحية عام 2021 إلى 31 جريمة راح ضحيتها 41 ضحية عام 2022 ووقعت داخل وخارج الأسرة استهدفت غالبيتها النساء والفتيات والأطفال، منها 25 جريمة قتل أسرية راح ضحيتها 35 ضحية داخل الأسرة..

وفي ظل غياب البيانات المعبِّرة عن الجرائم الأسرية، نظرًا لعدم الإعلان عن نسبة كبيرة جدًا منها بسبب خصوصيتها، فقد تم الاعتماد على رصد ما نُشر في موقع “اليوم السابع” خلال الفترة من (يناير– يوليو 2021) ومقارنتها ببيانات تم تجميعها من الموقع ذاته في الفترة من (يناير– يوليو 2017)، وذلك للوقوف على أعداد الجرائم الأسرية وأسبابها وأنواعها، وكذلك صلة القرابة بين الجاني والضحية في كل من تلك الجرائم، بحيث يمكن تحليل الأبعاد المختلفة للجرائم الأسرية في مصر وتقديم توصيات للحد منها ..

هذه الوقائع كشفتها دراسة مهمة للغاية صدرت مؤخرًا بعنوان “الجرائم الأسرية.. و«تريند» القتل الزوجي” والتي أعدتها أسماء صلاح رئيس إدارة القضايا الإستراتيجية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء ..

تُعرف الجرائم الأسرية بأنها سلوكيات منحرفة يرتكبها أحد أو بعض أفراد الأسرة تجاه غيره من أفراد الأسرة، ويرتبط الطرفان (الجاني والضحية) معًا بعلاقات قرابة أو مصاهرة، ومن أهم أنماط هذه الجرائم:

الجرائم التي تُرتكب من الأزواج تجاه زوجاتهم والعكس..

الجرائم التي تُرتكب من الوالدين تجاه أبنائهم والعكس..

الجرائم التي تُرتكب من الإخوة تجاه إخوتهم والعكس..

الجرائم التي تُرتكب من أبناء العمومة أو الخؤولة أو العكس.

الجرائم التي تُرتكب من الأفراد الذين تربط بينهم روابط مصاهرة.

   ومن واقع رصد ما شهدته مصر من جرائم أسرية استنادًا إلى ما نُشِر في أحد المواقع الإخبارية المصرية الشهيرة خلال الفترة (يناير– يوليو2021)، فقد شهدت مصر 340 جريمة أسرية، تراوحت بين القتل والاعتداء البدني والجنسي وإتلاف الممتلكات والسرقة وغيرها..

وصدق أو لا تصدق عزيزي قارئ جريدتنا “الطريق والحق”.. تحت عنوان لافت نشرت جريدة “اللطائف المصورة” عام 1921 -أي منذ أكثر من قرن من الزمان- مقالًا لمحررها تحت عنوان “هل تعلمون لماذا تزداد الجرائم في مصر؟”.. وذُكر أن هذا المقال بقلم خبير ثقة يفيدكم بالخبر اليقين..

جاء في المقال: “وصلت الحالة الخلقية إلى حد يوجب الأسى.. تلاشت الآداب وفقدت حرمتها.. فسدت الأخلاق وضاع صوتها، وانتشرت المدنية الفاسدة فبهرت الأبصار وأعمت القلوب وطوحت الضمائر إلى مهاوي الرذيلة فأسرفوا حتى ضاع منهم السبيل فالتجأوا إلى الجريمة فقادتهم إلى السجون، فقضوا فيها بقية أيامهم، وإني وإن كنتُ من أنصار منح الحرية الشخصية إلا أنني أرى ضرورة التصدي إلى سوء السلوك لمنع السفه وأسباب وقوع مثل تلك الجرائم، فهذا لا ينافي مقتضيات الحرية الشخصية للتمكن من حفظ الأمن..

فواجب الحكومة نحو هذه البؤر مراقبتها جديًا فلا يُسمح بعرض روايات الصور المتحركة إلا بعد رؤيتها.. ولا تُمثَّل رواية هزلية إلا بعد مشاهدتها على المسرح والموافقة على الملبس والمغنى والإشارات، ولا يُكتفى بالاطلاع على سطورها فقد يظهر على المسارح ما لا يُكتب وينقاد الممثل والممثلة لإبداء أقبح الحركات وذكر أسفل الكلمات إثارةً لشهوات الجمهور وقد يتكرر ذلك بتأثير التصفيق والاستحسان..

أما محال القمار فعندنا من القوانين ما يكفل التعامل مع ظاهرة انتشار شرب الخمر والأماكن التي يصرح لها ببيعها، ولا بد من التعامل بجدية مع حوادث السكر وما يتبعها من الحوادث..”

ويستطرد كاتب المقال: “نحن لا نطلب من الحكومة الجري على منهاج الولايات المتحدة إنما ضرورة التماس المراقبة الشديدة على تلك المحلات، وتضييق مواقيت الشرب فيها وإيقاف التصريح بأمثالها حتى تقل فتتلاشى.. ومما لا جدال فيه أن بيوت البغاء بما تحتويه من مشاهد التهتك والغواية تؤثر بباعث هائل على انتشار مثل تلك الجرائم التي تتسم بالعنف..”

والآن، هل لا زلنا نشاطر كاتب المقال “الخبير الثقة” فيما كتبه منذ أكثر من قرن من الزمان، وبنفس العنوان وبذات علامة الاستفهام “هل تعلمون لماذا تزداد الجرائم في مصر؟”؟!

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا