الإجابات لا تجلط نزيف الأسئلة

4

حسن إسماعيل

كما أن أنصاف الإجابات لا تجلط نزيف الأسئلة،
وأنصاف الأغطية لا تواجه الصقيع،
وأنصاف القرارات لا تحسم معركة،
وأنصاف المعارضين لا يغيرون مصير أمة،
وأنصاف الهياكل لا تعكس ولا يتجلى فيها مقدس،
كذلك أنصاف المثقفين لا ينيرون عقولًا، ولا يهدون شعوبًا لشاطئ التقدم والتحضر والرقي.

أقلام تكتب حروفًا متراصة بسذاجة مفرطة،
وملفتة لأنظار العميان من القطيع،
الذي يأكل دون تمييز، ويشرب نفس السم كل يوم دون ملل،
ويستنشق نفس التلوث، نفس الزفير دون وعي،
مخدر الحواس الخمس، ومعوق حواسه السادسة والسابعة والعاشرة.
يقرأ ويفهم ما وقر في قلبه قبل القراءة،
يقرأ نفسه وإسقاطاته الساذجة،
يعطي نفسه حق الإدانة، وحق الحكم على ما يقرأ وعلى من يكتب.
يمسك الجاهل ميزان التقييم، ويعلم بالقلم الأحمر،
ويعطي نتائج بكل حماقة الجاهل وحنجوريته،
ويقول: هذا مؤمن وذاك كافر،
هذا مبدع وذاك مدعٍ،
هذا حقيقي وذاك مزيف.

يقرأ رواية ليمسك كاتبها متلبسًا بالفحشاء تارة، وبالكفر تارة،
وبالتقوى وبالأخلاق تارة أخرى.
يمسك الشعر كمخبر ليفتش مسام الشاعر ونواياه،
ليعرف هل الشاعر يعيش ما يقول،
يجسد ما يكتب،
يطبق في الواقع تجربته الفيزيائية.

الجاهل لا يميز ما بين الكاتب وكتابه،
ما بين المبدع وإبداعه، ما بين النحات وتمثاله،
والرسام ولوحته،
ما بين الخالق ومخلوقاته.
الجاهل كل شيء في عينيه واحد أحد،
لا يدرك التعدد،
لا يفهم سر التناقض،
لا يفرق بين البسيط والسطحي،
والعميق والمشفر.

الجاهل يرى الأرض مسطحة لأنه صدق عينيه،
وصدق قدميه التي ما زالت تذهب إلى بيته في شبرا منذ سنين.
الجاهل لا يغير آراءه ولا أفكاره ولا ثوابته الموروثة،
لكي لا يفقد أمانه، سلامه الوهمي الداخلي،
لكي لا يصاب بدوار الفكر وفيروس التطور.

فيظل الجاهل قرونًا، قرونًا على ثوابته الفولاذية،
الكل يتغير إلا هو، الكل يتطور إلا هو،
راسخ كالجبال، مسمر كوتد الخيمة التي لا يفقه إلا تفاصيلها،
وما أدراك بتفاصيل الخيمة،
والتفاصيل كما نعرف يسكنها الشيطان.

الجاهل جريء، مقدام، أحمق، فارس،
يحمل سيفه، يقطع كل الرقاب دون تمييز،
فرقبة داروين كرقبة الفرخة،
ورقبة نجيب محفوظ كرقبة خروف الأضحى.
يقرأ الشعر كما يقرأ العلم،
يرفع الفاعل وينصب المفعول به،
يقرأ الرواية كما يقرأ السيرة الذاتية، فيرجم الكاتب.
الكل في عين الجاهل واحد أحد.

يتلعثم إذا قلت له إن كل وحدانية في جوهرها شرك،
وكل شرك في جوهره وحدانية.
تأتيه الكوابيس إذا قلت له إن في البدء كان التعدد،
وأنه لا يوجد أبيض أو أسود، بل يوجد سبعة ألوان إلى الآن،
وأن الكرة الأرضية تدور حول الشمس،
وأنه يوجد ملايين من المجرات،
وأننا وكوكبنا وشمسنا ومجرتنا نقطة متواضعة جدًا في الكون،
وأن ما نحمله من الحقائق أقل بكثير مما نجهل،
ولذلك لا مكان للتكبر، للتخيل أننا مُلاك الحقيقة،
أصحاب مفاتيح الجنة والنار.

أي حقيقة وأي مفاتيح ونحن ما زلنا نحبو في المعرفة،
ونتحسس هدب العلم،
وتفاصيل ملامح الكون.

أسمع وسوسة الجاهل لأخيه الجاهل،
أنه لا يوجد في الإمكان أبدع مما كان،
وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة،
يقصد المعركة الوهمية التي نحترف فيها الهزيمة.

قال الجاهل في قلبه إن الحل ليس في الإنسان،
وأن الحل ليس في العلم.

يسمعك الجاهل ليتصيد لك ما يراه خطأ،
ينظر إليك ليفتش مسامك، نواياك،
ليصنع منك نميمة فاخرة الصنع،
تزين موائد الجهلاء بالليل.

يلمس أحلامك ليس ليؤمن بها،
بل ليلطخها بالسواد، أو ببقع حمراء من دمك.

كفروا نزار قباني، ولم يصلوا على كفنه،
لأنهم لم يفهموا جملة واحدة من قصائده،
فأشعرهم بجهلهم، بنقصهم، وبعظمته،
فحقدوا عليه حيًا، ولم يقدروا عليه إلا وهو ميت.
تخيلوا أنهم انتصروا على جثته.

وقبله كان طه حسين المبصر،
كفره عميان البصيرة،
وقربانًا وضعوا فرج فودة على مذبح الحرية،
التي لها ثمن باهظ تستحقه منا،
إذا اشتهيناها في أزمنة الجهل.

فكان سيعرف أنهم في حاجة للعقل أكثر من المعتزلة،
ومن سكن مصر نجيب محفوظ،
وأدرك أبجديته المخطوطة على أوراق البردي،
ولكن كيف يصدق رحم العاقر؟

الجاهل وقف قديمًا أمام قطار العلم،
وبنفس التواتر والعنعنة يقف الآن أمام صاروخ العلم،
ويتخيل كعادته أنه سيصمد.

التاريخ يقول للجهلاء: لا، لن تصمدوا.
دولة القانون تقول للجهلاء: لا، لن تصمدوا.
العلم يقول للجهلاء: لا، لن تصمدوا.

ولكن الكبرياء معتم، أصم، أبكم،
لا يفهم، ولا يستفيد، ولا يستنتج، ولا يتطور.
الجهل والكبرياء وجهان لعملة كل يوم تتدهور قيمتها الشرائية، وتندثر.
حتى لو تبجحت وظهرت بمظهر ديناصوري، ستنقرض.

الجهل باطل، والكبرياء فارغ،
واقرأوا التاريخ أيها الأميون.
الانتصار للعلم، وللحرية، وللإنسان،
الذي يعرف أن الإنسان هو القضية، والإنسان هو الحل.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا