قبل عصر الإنترنت وظهور الترندات، كان هناك ما يُسمّى شهرة المحل أو الصناعة. ربما ما زالت موجودة، لا أعرف على وجه الدقة. كانت لها قيمة مالية تُحسب ضمن الميزانيات المعتمدة، حيث تُقيَّم هذه الشهرة ماليًا بناءً على جودة المنتج وحجم الأرباح التي يحققها المكان سنويًا. وكانت تُكتسب بناءً على الصيت الذي تم صناعته من خلال رضا العملاء المباشرين والمتعاملين معه، وليس بناءً على دعاية وانتشار عبر مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات التي تعمل وفق فكرة “الزن على الودان أمر من السحر”، وتستخدم مدارس علم النفس في التأثير النفسي على الأفراد، فيُوهِمون المشاهد أنه من خلال استخدام هذا المنتج سوف تكون حياتك أجمل بكثير، وتتهافت عليك الفرص سواء كانت عملًا أو علاقات، فقط لأنك استخدمت منتجًا له رائحة أو لون أو طعم معين.
هذا التحول لم يكن مجرد انتقال من وسيلة عرض إلى أخرى، بل كان تحولًا في طبيعة التأثير ذاته. في الماضي كانت التجربة هي الفيصل، أما اليوم فأصبحت الصورة هي الحاكمة. كان العميل يحكم بعد أن يجرب، أما الآن فالجمهور يحكم قبل أن يفهم. هذا التغيير فتح الباب أمام ظاهرة تتجاوز الإعلان التقليدي، وهي صناعة “الترند”، حيث لا يعكس الانتشار بالضرورة قيمة حقيقية، بل يعكس قدرة على الوصول والتكرار.
في هذا السياق، لم يعد الصوت الأعلى هو الأكثر علمًا أو خبرة، بل الأكثر حضورًا. المنصات الرقمية خلقت نوعًا جديدًا من السلطة يمكن تسميته بسلطة الظهور، حيث يكتسب الشخص مصداقية لمجرد كثافة حضوره، وليس بناءً على عمق ما يقدمه. وهنا تتشكل مفارقة خطيرة، إذ يمكن لأي شخص أن يتحول إلى مرجعية مؤثرة دون امتلاك الحد الأدنى من الكفاءة العلمية أو النفسية.
الأمر لا يتوقف عند حدود الصدفة أو العشوائية، بل يتجاوز ذلك إلى وجود جهات مستفيدة من تصدير بعض الشخصيات محدودة المعرفة وعديمة الخبرة. هذه الاستفادة قد تكون مباشرة، من خلال توظيف هؤلاء في الترويج لمنتجات أو خدمات أو أفكار تحقق أرباحًا، بغض النظر عن جودتها أو تأثيرها الحقيقي على الجمهور. في هذه الحالة يصبح التأثير هو العملة الأساسية، ويُستغل الجمهور كوسيلة لتحقيق مكاسب اقتصادية.
وقد تكون الاستفادة غير مباشرة، وهي أكثر تعقيدًا وذكاءً، حيث يتم تصدير نموذج ضعيف ليكون نقطة مقارنة، فيظهر الآخرون بصورة أكثر كفاءة وتميزًا، حتى وإن كانوا في المستوى المتوسط. هنا لا يتم رفع السقف، بل يتم خفضه عمدًا، حتى يبدو أي مستوى أعلى منه إنجازًا استثنائيًا. إنها عملية إعادة تشكيل للمعايير، تجعل العادي يبدو مميزًا، والمتوسط يبدو خبيرًا.
وفي أحيان أخرى تتخذ العلاقة شكل المصالح المتبادلة، وفق منطق “النهارده عندك، بكرة عندي”، حيث يقوم الأفراد أو الجهات بدعم بعضهم البعض والترويج المتبادل، بما يخلق شبكة من النفوذ الإعلامي غير القائم على الكفاءة، بل على تبادل المصالح. هذه الشبكات المغلقة تمنح أعضائها شرعية زائفة، وتقصي في المقابل العديد من الكفاءات الحقيقية التي لا تملك نفس أدوات التسويق أو العلاقات.
هنا تتجلى إشكالية عميقة، حيث يُظلم أصحاب المهارات الحقيقية بسبب ضعف الترويج المؤسسي لهم، أو غياب الدعم من جهات ذات صيت، فيبقون خارج دائرة الضوء. وفي المقابل يتصدر المشهد من يمتلك أدوات الانتشار، حتى وإن كان يفتقر إلى المضمون. هذا الواقع لا يظلم الأفراد فقط، بل ينعكس سلبًا على المجتمع ككل، إذ لا يصل إليه الأفضل، بل الأكثر ظهورًا.
لفهم هذا المشهد بشكل أعمق، لا يمكن تجاهل سيكولوجية الجماهير. فالجمهور لا يتعامل دائمًا بمنطق التحليل، بل يتأثر بمنطق التكرار. المقولة الشعبية “الزن على الودان أمر من السحر” تعبر بدقة عن هذه الحالة، حيث يؤدي التكرار المستمر للرسائل إلى خلق حالة من القبول التدريجي، حتى في غياب التفكير النقدي. عندما تتكرر الفكرة من مصادر متعددة تكتسب في نظر المتلقي قدرًا من المصداقية، بغض النظر عن صحتها.
وفي هذا الصدد أشار الطبيب النفسي المصري الدكتور محمد المهدي في مقال نشره عبر حسابه الشخصي عن الضلالات الجماعية إلى هذه الظاهرة، حيث يميل الأفراد إلى تصديق من يمتلك حضورًا وتأثيرًا، وليس بالضرورة من يمتلك الحقيقة. فالمكانة الاجتماعية أو العلمية الظاهرية، وكذلك النفوذ الإعلامي، تخلق انطباعًا سريعًا بالثقة، يدفع البعض إلى التسليم دون تحقق أو تمحيص.
هذا الخلط بين الظهور والقيمة يُعد من أخطر أشكال التضليل، لأنه لا يقتصر على تشكيل الآراء، بل يمتد إلى التأثير على قرارات حيوية في حياة الأفراد. فقد يتبع شخص نصيحة خاطئة لأنها صدرت عن شخصية مشهورة، أو يشتري منتجًا ضارًا نتيجة حملة ترويجية جذابة، أو يغير قناعاته تحت ضغط جماهيري متكرر.
في هذا الإطار يصبح من الضروري الإقرار بأن بعض الترندات لا تنشأ بشكل عفوي، بل يتم صناعتها وتوجيهها لتحقيق أهداف محددة. قد تكون هذه الأهداف تجارية بحتة، أو تتعلق بتوجيه الرأي العام، أو حتى بصناعة نجوم جدد بغض النظر عن كفاءتهم. الأخطر من ذلك أن بعض الأفراد يشاركون في هذه الموجات ليس عن قناعة، بل بدافع الرغبة في الظهور وتحقيق الانتشار، حتى لو كان ذلك على حساب دقة المعلومات أو مصلحة الجمهور.
وأمام هذا الواقع يظل السؤال الأهم مطروحًا: على أي أساس نختار من نتابع ومن نصدق؟ هل نعتمد على حجم الانتشار أم على جودة المحتوى؟ إن الوعي الجماهيري يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذا النوع من التلاعب، لأنه وحده القادر على التمييز بين الغث والسمين، وبين من يقدم قيمة حقيقية ومن يكتفي بصناعة الضجيج.
المشكلة في جوهرها لا تكمن في وجود المنصات، بل في طريقة استخدامها. فالميديا تظل أداة يمكن أن تُستخدم في البناء أو في الهدم، في التنوير أو في التضليل. ويبقى الدور الحاسم في يد المتلقي، الذي يملك القدرة على الاختيار والتقييم ورفض أن يكون مجرد أداة ضمن منظومة تهدف إلى التربح دون اعتبار حقيقي لصالحه.
في عالم تتزاحم فيه الأصوات، لا يكون الصوت الأعلى هو الأكثر صدقًا بالضرورة، ولا يكون الأكثر تكرارًا هو الأقرب إلى الحقيقة. ومن هنا يصبح التفكير النقدي وطرح الأسئلة ومراجعة المصادر ضرورة لا رفاهية. فكل فرد ليس مجرد متلقٍ، بل هو جزء من دائرة التأثير، إما أن يساهم في نشر الوهم أو يدعم مسار الوعي.
وفي ضوء ما سبق، لا يبدو ما نشهده من ترندات مفاجئة أو حالات جدل واسعة على مواقع التواصل أمرًا عابرًا، بل هو انعكاس مباشر لطبيعة التأثير التي تصنعها هذه المنصات. ويأتي الترند الحالي، وهو خاص بأحد الأطباء الذي رحل بعد أن أثار جدلًا ما زال يتردد صداه حول الاستخدام الآمن للدواء والأنظمة الغذائية، وبخاصة ما كان ينادي به من تناول أطعمة والتوقف عن أخرى، كأحد النماذج الكاشفة لهذه الظاهرة، حيث كشف بوضوح كيف يمكن للميديا أن تصنع تأثيرًا ضخمًا ليس بالضرورة مبنيًا على علم أو كفاءة.
فأي شخص يمتلك منصة، أو يجد من يروّج له، يمكنه أن يوجّه الناس ويحشدهم، حتى وإن كانت معلوماته ضعيفة أو مشوهة. هنا لا تكمن المشكلة في سهولة الوصول، بل في مستوى الوعي لدى المتلقي.
من تستمع إليه؟
وعلى أي أساس تمنحه ثقتك؟
تبقى المنصة قوة، ويمنح التصفيق صاحبها مصداقية في نظر البعض، لكن من دون تأهيل حقيقي قد تتحول هذه القوة إلى كارثة تمتد آثارها إلى وعي الأفراد وصحتهم وقراراتهم.