وجوه قاسية في الجامعة

0

عـادل عطيـة

   المعلم رسول، ورسالة، وجسرٌ تعبر عليه الحضارات إلى النور والمعرفة والحياة. هو اليد التي ترفع الإنسان من ظلمة الجهل إلى اتساع الوعي، ومن قسوة العالم إلى رحابة الفهم.

   لكنّ بعض المعلمين -ويا للأسف- يدفعوننا إلى البوح بما يؤلم، رغم ما في النفس من حرجٍ في توجيه العتاب إلى مَنْ يُفترض أنهم أهلُ فضل ورسالة.

   فهناك أساتذة جامعات لا يُحاضر فيهم الجانب الإنساني، بل يتقدم فيهم الوجه القاسي، وكأن الشر المختبئ في النفس هو الذي يتكلم ويُعلِّم ويصنع الأجيال.

   بعضهم تراه كأن وراء ظهره شبحاً مخيفاً، يزرع في القاعات ثقافة الخوف من السؤال. وقد عنَّف أحدهم طالبةً لم ترتكب سوى أنها حاولت فهم ما استعصى عليها من محاضرته!

   وآخر يتعامل مع طلابه كما لو أنهم خصومٌ ينبغي التضييق عليهم لا أبناء ينبغي احتضانهم؛ فقد طرد أكثر من نصف طلابه من المدرج لأنهم لم يُحضِروا “المسطرة”، مع أنها لم تكن ذات صلة بالمحاضرة أصلاً!

   وثالثٌ مزاجه كالرّيح، لا يُعرف له اتجاه ولا موعد. يأمر طلابه بالحضور في الثامنة صباحاً، ثم يأتي في التاسعة، فإذا اعتادوا ذلك باغتهم بالحضور مبكراً ليعاقب المتأخرين الذين تأخروا بسبب فوضاه هو!

   وآخر نسي أن الأستاذ رسالةُ معرفة وتعايش، لا صاحب محكمة أيديولوجية أو دينية. غمس لسانه في حبر السخرية السوداء، وأخذ يتهكم على طالبة مسيحية ومعتقداتها أثناء امتحانها الشفهي. وحين عادت المسكينة إلى فراشها، لم تكن تعلم أنه فراشها الأخير؛ فقد ماتت قهرًا وكمدًا. والمفجع حقًا أن ذلك الأستاذ كان من أبرز المشاركين في تشييع جنازتها!

   فمن وراء صرخات فلذات أكبادنا في الجامعات، بعدما كانت دهشتهم بالتعليم دهشةً جميلةً مفعمةً بالحياة؟!

   ومَنْ الذي منح بعض الأساتذة كل هذا السلطان المؤذي باسم العلم والتعليم؟!

   وكيف تحولت صورة الأستاذ الجامعي، في خيال بعض الطلاب، من قدوةٍ مُلهمة إلى صورةٍ تبعث الرهبة والنفور؟!

   أهي القوانين الجامدة التي تُغلق أبواب الشكوى، وتجعل الطالب خائفاً من الاعتراض، لأن مستقبله قد يصبح رهناً بمزاج أستاذٍ لا رقيب عليه ولا مساءلة؟!

   أم أن بعض الأساتذة صاروا امتداداً مشوهاً لمن علَّموهم، بعدما فقدوا المعاني الإنسانية والأخلاقية التي ينبغي أن تسبق العلم نفسه؟!

   إنني أرفع ندائي إلى كل مَنْ يحمل مسؤولية التعليم العالي في هذا الوطن: أن ينصف أبناءنا، ويحميهم من القسوة والإهانة، وأن يُحاسَب كل أستاذٍ تخلَّى عن القيم التي تليق برسالة التعليم، وكل مَنْ يزرع الكآبة واليأس والخوف في نفوس طلابه، فالجامعة ليست مصنعاً للشهادات فقط، بل بيت لصناعة الإنسان. وحين يعود الاحترام المتبادل بين الأستاذ والطالب، ويعود العلم مقترناً بالرحمة والكرامة، عندها فقط يستعيد التعليم وجهه الجميل، ويتألق من جديد على أرض مصر.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا