أ.د. أماني ألبرت
كان يوسف داخل أجواء بعيدة تمامًا عن بركة الرب ورضاه، فالكل يتبع الوثنية والعبادة الشيطانية وما يتبعها من لعنات، ولكن استطاع الله من خلال شخص واحد أن يؤثر في أمة كاملة، شخص مقدس يحمل حضور الله داخله. لقد انسابت بركة الرب من خلال يوسف، فأجبر اللعنة على الانسحاب وأتى بالبركة.
بدأت البركة تنتشر في الدائرة الصغيرة التي أصبح يوسف مسئولًا عنها: “وكان من حين وكّله على بيته، وعلى كل ما كان له، أن الرب بارك بيت المصري بسبب يوسف. وكانت بركة الرب على كل ما كان له في البيت وفي الحقل” (تك39: 5).
حتى لو كانت أجواء اللعنة هي المسيطرة على مكان معين، كثيفة متوارثة، لها وقت طويل، فالوعد أن اللعنة تتحول لبركة (تث23: 5) وليس العكس، وطالما أنه في هذه الأجواء هناك مَنْ يدعو باسم الله الحي فلا يمكن أن تتحول البركة إلى لعنة.
لقد فتح الرب عيني فوطيفار ليدرك أن يوسف مختلف، ونحن أيضًا حتى لو كنا داخل أجواء روحية ملعونة، فالرب قادر أن يفتح أعين المسئولين والذين هم في منصب ليدركوا قيمة وجودنا للمكان، “ورأى سيده أن الرب معه، وأن كل ما يصنع كان الرب ينجحه بيده، فوجد يوسف نعمة في عينيه، وخدمه؛ فوكّله على بيته ودفع إلى يده كل ما كان له وكان من حين وكله على بيته، وعلى كل ما كان له، أن الرب بارك بيت المصري بسبب يوسف، فترك كل ما كان له في يد يوسف. ولم يكن معه يعرف شيئًا إلا الخبز الذي يأكل” (تك39: 3-6).
وتكرر نفس الأمر في المكان الثاني الذي ذهب إليه، ففي السجن كان وضعه مختلفًا كحامل للحضور الإلهي في مكان لم يسبق له هذا: “ولكن الرب كان مع يوسف، وبسط إليه لطفًا، وجعل نعمة له في عيني رئيس بيت السجن. فدفع رئيس بيت السجن إلى يد يوسف جميع الأسرى الذين في بيت السجن. وكل ما كانوا يعملون هناك كان هو العامل. ولم يكن رئيس بيت السجن ينظر شيئًا البتة مما في يده، لأن الرب كان معه، ومهما صنع كان الرب ينجحه” (تك39: 21-23).
ومن أمانة المسير مع الله في الدوائر والمسئوليات الصغيرة، ومن قبول خطة الله وترتيباته في الأماكن الصعبة والظروف المؤلمة إلى مجد أعظم وبركة أعم على دولة كاملة، لقد كان يوسف أمينًا على القليل فأقامه الله على الكثير (مت25: 23).
لقد استخدم الله شخص واحد لرفع اللعنة عن شعب كامل طوال سنوات المجاعة، ونحن أيضًا حتى لو تواجدنا داخل أجواء شيطانية فبقوة اسم يسوع يمكننا أن نُبطل تأثيرها علينا في دوائر مسئولياتنا، والتي يمكن أن تتسع لتشمل كل المجال الروحي لهذه الأجواء.
وإذ تصاحبنا أجواء البركة وتظلل سماواتنا، تفيض بقوة لدرجة يصعب معها تحويلها إلى لعنة، هذا ما حدث مع بلعام العراف، فقد أراد بالاق منه أن ينطق بكلمات اللعنة ضد شعب الله، ولكن كان تأثير البركة قويًا جدًا لدرجة أنه كل مرة نوى أن ينطق باللعنة كان يقول كلمات بركة: “إني قد أمرت أَن أبارك. فإنه قد بارك فلا أرده” (عد23: 20)، “لم يشإ الرب إلهك أن يسمع لبلعام، فحوّل لأَجلك الرب إلهك اللعنة إلى بركةٍ، لأَن الرب إلهك قد أحبك” (تث23: 5).
اتركي عزلتك
هل ضاعت أوقات كثيرة من حياتنا ونحن منشغلون بأمور معينة، نحاول أن نُصلحها ونحلها ولكنها تستنزفنا، وبالمقابل بسبب فيض نعمة الله وحبه الغزير، يقف الروح الصديق معنا في كل المواقف يريد أن يساعدنا ويرشدنا ويقودنا ويوجهنا، يريد أن يلمس قلوبنا فيطرد كل هم وخوف وارتباك، ولكننا لا نسمح له بالدخول، ولا نراه حتى؟
هذا ما حدث مع عروس النشيد، فالعريس تخطى كل الحواجز الخارجية أمامه وإذ بدأ يقترب منها وجد حاجزًا أقوى من كل الحواجز وهو حائط اختبأت العروس خلفه، ولو كان الأمر خارجًا عن رغبتها وإرادتها لكان قد اقتحمه بكل سهولة، ولكن الحائط تقول عنه “حائطنا” (نشيد 2: 9)، فهو حائط خاص بها، حاجز داخلي يمنعه من الاقتراب إليها.
ووقف العريس بكل أشواقه نحو عروسه، قريب جدًا ولكنه بعيد في نفس الوقت، فالحائط يقف بينه وبينها، لأنها أرادت أن تحده داخل حدودها، داخل مشكلتها واحتياجها وكأن علاقتها به تقتصر على هذه المشكلة فقط، فبقت وراء الحائط. وبينما هو يرغب في أخذها خارج حدود مشكلتها لتختبر معه أعماق جديدة من الشركة، تقف هي متمسكة بألمها واحتياجها لا تريد أن تخرج معه فوق الجبال والتلال ولكنها تريده في دائرة صغيرة محدودة اسمها “المرض، الاحتياج، المشكلة، الفقد، الضيقة”.
وفي كل مرة يحاول أن يقترب منها، كانت تصده، مشترطة عليه أن يحل مشكلتها أولًا فتسمح له بالدخول، ورغم صدها له إلا أنه كان لطيفًا معها واحتملها فصنع في الحائط كوى وشبابيك.. “هوذا واقف وراء حائطنا يتطلع من الكوى يوصوص من الشبابيك” (ع 9). وكلمة يوصوص تعني “يظهر نفسه” “يلمح، يومض”.
لقد صنع منفذًا يستطيع من خلاله أن يرسل نوره ويشرق داخل نفسها، ورغم أن النفس قد تكون منغلقة تمامًا بسبب الحزن والضيق، إلا أن الله له طرقه كي يخترق ظلمة وحواجز النفس ليتراءى بومضات من نور ويعلن عن نفسه لها بكلماته المشجعة، بتعزيته، بإشارات وتلميحات. وقد حاول أن يفعل كل شيء ممكن حتى لا تظل عيناها مثبتتين على مشكلتها بل عليه هو.
وظل واقفًا يدعوها “قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي”، مؤكدًا لها أنه حينما تخرج من انحسارها في نفسها ومشكلتها ستجد أن البرودة المحيطة بها قد مضت، “الشتاء قد مضى والمطر مر وزال” (ع 11) وسيأتي أوان الإثمار والفرح، كما أنها ستسمع صوت الروح القدس بوضوح في حياتها “الزهور ظهرت في الأرض. بلغ أوان القضب وصوت اليمامة سُمع فِي أَرضنا” (ع 12).
وظل العريس يعبِّر عن أشواقه نحوها لتخرج فقال: “أريني وجهك. أسمعيني صوتك لأن صوتك لطيف ووجهك جميل” (ع 14). وتُترجم “اتركي عزلتك، واخرجي إلى العراء.”
لقد أراد العريس أن يتواصل معها ويدخل في علاقة صداقة، لقد أرادها أن تترك عزلتها فأرسل إشارات وومضات كفيلة بجذبها بعيدًا عن ظلام ظروفها، أما هي فلم تحرك ساكنًا ولم تتجاوب معه بل ظلت واقفة وراء حائطها تتألم وتلومه لأنه لم يدخل إليها في هذه الدائرة الصغيرة، دون أن تدرك أنه لا يريد لها أن تتألم أو تنحصر في مشكلتها بل يريدها أن تخرج خارجًا لتبصر النور.
الرب يريد أن يتواصل معنا في شركة وعلاقة صداقة، ولكن نظرتنا للأمور تكون محدودة، فبينما هو يجذبنا خارج دوائر التعب بمعاملاته الحلوة، نبقى في عزلتنا مُصرين أننا سنتواصل معه لاحقًا، حينما يكون كل شيء مباركًا وعلى ما يرام، ولكن الأمر لن ينجح بهذه الطريقة، ففيض البركة هو نتيجة لخروجنا من عزلتنا وتواصلنا والتصاقنا به.