الدكتور بليغ حمدي إسماعيل
نستقرئ معًا لحظة الثقافة العربية الراهنة لنتيقن أن ثمة صياغة حداثية لحركة التاريخ الاجتماعي المعاصر للثقافة واللغة، أبرزها التحول القهقري لإعادة إنتاج الثقافات النوعية المرتبطة بالبيئات ذات الخصوصية الثقافية وثيقة الصلة بالمكان والزمان والأرض. وجاء هذا التوجه المعاصر نتيجة التفكير مجددًا في ما أفرزته الحضارة الغربية المنصرمة من أن الثقافة معادل موضوعي للحضر والتحضر، مقابل الريف وثقافات الجنوب بصفة عامة.
وظن الغرب، بدياناته السماوية والوضعية على وجه الاختصاص، لقرون طويلة، أنه يصدر للعالم العربي أن الطرح الوافد هو بحق المعادل الموضوعي المثالي للتقدم الفكري والروحي والمادي أيضًا، وهذا ما جعل الكثير من تنويريي الوطن العربي يدركون على الفور أن ما يصدره الغرب، تحديدًا منذ أواخر القرن التاسع عشر، هو بمثابة مغزى استعماري موازٍ للقوة العسكرية.
ووجدت الكتابات الغربية ذات التوجه الاستعماري في الوطن العربي تربة صالحة للغرس، لا سيما وأن مفهوم الثقافة تعددي يتلاءم مع طبيعة التعددية الثقافية واللغوية (اللهجات)، والنزعات القومية والسياسية المتباينة، وظهور زعامات وكيانات سياسية واجتماعية لا يجمع بينها الوطن الواحد سوى العلم والأرض فقط!
فوجدنا، مثلًا، ماثيو أرنولد يقدم ثقافة الحداثة بديلًا عن المسيحية، بل تطوع جاهدًا في إبراز إخفاقات المسيحية في أداء وظائفها الأيديولوجية، الأمر الذي دفع عشرات المفكرين العرب آنذاك، وبعده أيضًا، إلى اعتماد منهجيته لبيان إخفاقات الفكر والفلسفة الإسلامية، والسعي لنقد النصوص الدينية القديمة. والمدهش هو إعلان هؤلاء المفكرين، الذين لم يدركوا طرح ماثيو أرنولد المتوافق فقط مع بيئته الغربية، بأن الأصولية الدينية هي عقيدة من تخلت عنهم الحداثة.
وبمنطق الطير ندرك على الفور أن مفاد تلك التوجهات الخبيثة كان يستهدف تفكك الهوية العربية وخلق حالات مستدامة من التنافس، الذي سرعان ما تحول إلى صراعات مذهبية شديدة الوطيس.
وعلى شاطئ آخر موازٍ لتفكك الهوية، تبزغ كتابات النقد والتحليل الثقافي لكل من كلود ليفي شتراوس، ولويس ألتوسير، ورولان بارت، وكريستيان ميتز، وجاك لاكان، انتهاءً بميشيل فوكو، وهذا البزوغ القصدي والعمدي، الذي لم ينتج جديدًا ببيئاته، انتهى لدينا بالاضطراب في مسارات التفكير والنقد نفسه، مما شكل وقتها، وربما حتى لحظاتنا الراهنة، لأسرى الفكر الغربي، حيرة مستدامة مستمرة في تلقي النصوص العربية؛ لأن تلك الكتابات نفسها كانت، وستظل، مجرد تصورات فردية عن علاقات اجتماعية، وليست إبداعية ثقافية تؤمن بالتنوع الثقافي والاعتراف بهويات المهمشين والأقليات.
كل هذا العبث ألقى بظلاله لسنوات بعيدة على النقد العربي، الذي سبق الإبداع بخطوات سريعة وبعيدة، بعد أن كان رد فعل له، فكانت كارثة التلقي من خلال الأخذ بالتفسير الاجتماعي وإلقائه على النصوص التراثية، التي لها قدر كبير من القدسية والاحترام والإجلال أيضًا.
فهذه البنيوية الشرسة، كما كشف عن نياتها غير السوية إيان كريب في كتابه “النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس” (1999)، يؤكد أن النظرية بأصحابها ترى العالم نتاجًا للأفكار، وأن هذا العالم هو نمط منطقي واحد يماثل الدال والمدلول والعلامة، التي لا تقبل الاختلاف والتأويل.
وهذا ما رصده المفكر العربي المصري الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه الماتع “رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر” (2000)، من أن مشكلة من تلقوا الحداثة الغربية هي عدم وعيهم بالتاريخ العربي الضارب في القدم بتفاصيله الفنية، وتساءل في لهجة استنكارية بقوله: “كيف تعبر الأفكار، في خصوصيتها وتركيبيتها وذاتيتها، عن البناء التحتي في عموميته، وكيف يمكن أن نقفز من الواحد إلى الآخر؟”.
الغريب هنا أن عبث الحداثة الغربية جعل بعض مفكري الوطن العربي يستسلمون إلى تحول المقولات الغربية خبيثة التوجه إلى مرجعية ثابتة لا تقبل التناقض أو التطاحن!
وكم من مرة حذر جغرافي العرب الدكتور جمال حمدان في كتابه “شخصية مصر”، والدكتور زكي نجيب محمود في كتابه القيم والمتجدد “تجديد الفكر العربي”، وعبد الوهاب المسيري في كتابه “رحلتي الفكرية”، من أن هدف الحداثة هو السيطرة على العالم لا تنويره أو تثوير أفكاره، وكذلك استبعاد العناصر الأخلاقية والإنسانية التي يتسم بها المواطن العربي.
واستغلت الكتابات الغربية الأزمات البيئية والحروب العالمية وفقدان الاتجاه والظهور المفاجئ للعبثية والعدمية للترويج لفكرها ورواد الحداثة المزعومة.
فوجدنا ثمة مبادئ وأفكارًا لا تزال تتخلل النسيج الفكري لكتابات المفكرين العرب المعاصرين، من مثل النسبية الأخلاقية والمعرفية، وضرورة تحرير الفرد وإفساح المجال لفرديته، وتقويض الفكر الجمعي والعمل الجمعي، بل وتقويض الإنسان الناقد نفسه!
هذا ما جعل المثقف العربي البسيط، المتمثل في طالب الجامعة أو الموظف الذي انقطعت علاقاته بالثقافة منذ انتهاء سنوات دراسته النظامية، شخصية هشة ضعيفة سهلة القنص والانقياد الأعمى للمخططات الإمبريالية.
وعقب سنوات الرفد الغربي للحداثة ببلداننا العربية، اكتشفنا فجأة تآكل الشخصية العربية الرصينة، وتفاقم الإحساس بالوجود الموضوعي للعالم، هذا الوجود الذي تمثل فيما بعد في مفهوم العولمة، التي تتحطم عندها كل اليقينيات والمسلمات، وهو الأمر الذي ظل يؤكد عليه الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته الرائدة عن اليهود والصهيونية.
هناك جدلية شائكة بين عالم الإسلام والشرق الأوسط، وهو ما أشارت إليه ليلى غاندي لنفي الهيمنة الإمبريالية الثقافية على الواقع العربي، ومحاولة جادة لمقاومة التنميط الغربي للعقل العربي. نفس الأمر الذي أكده يحيى بن الوليد في كتابه المعنون بـ “الوعي المحلق” (2010)، بأن كل محاولات دراسات الشرق كانت بمثابة صور فوتوغرافية جاهزة التصنيع عن واقع العرب، والتي توحي بأن العقل العربي، في طرحه الديني والنقدي والتاريخي والعلمي، على مشارف التيه والشتات، ومن ثم فهو بحاجة ماسة إلى دراسات الغرب كبوصلة صوب شاطئ النجاة.
وماذا تبقى إذن من العقل العربي، الذي بات رهن طرح قديم وعقيم لم يفطن إليه سوى القلة من التنويريين؟ اختفاء الفرد والقيم الثقافية العربية الرصينة، وقتل العقل النقدي، الذي رأى، ويظل في رؤاه ورؤيته، أن ما قدمه الغرب منذ أواخر القرن التاسع عشر، مرورًا بالأحداث الكبرى في القرن العشرين، لا يقبل التجاوز أو محاولة التخطي.
الأخطر اليوم، رغم بعد الثقافة عن عوالمنا المعرفية نتيجة الاجتياح التكنولوجي الذي سهل مؤامرات الغرب لصيد العقل العربي المسكين، أن المنتوج الغربي اليوم يشير إلى أن السردية الغربية هي خطاب تاريخي حتمي، من صلاحياته تغييب البطل والسارد معًا، وعلينا الاكتفاء بمقعد المتفرج فقط، دون المشاركة أو حق التعليل.
هذه الخطورة تجسدت في ملامح لا يمكن الغفلة عنها، مثل ضرورة نقد المنتج الثقافي العربي أولًا بأول، حتى لا يصبح لدينا رصيد معرفي يشكل شاهدًا حضاريًا متميزًا. وعلى نحو آخر، تصدير خطاب غربي إلينا ينسف الوجود العربي، لا سيما الكتابات التي تتعلق بالشأن الصهيوني في فلسطين العربية. وليس علينا سوى الاستسلام للخطاب الغربي في تفسيره المريض لواقعنا العربي!
واليوم، لم تعد لدينا رفاهية مناقشة قانون الهيمنة الثقافية الغربية على العقل العربي، بل الأحرى والأجدى ليس التصدي فحسب، بل إنتاج الأفكار وإبراز ما في تراثنا الفكري من ومضات مشرقة ومحطات فكرية مزدهرة، مثل طروحات ابن رشد والعبقري ابن خلدون وغيرهما.