تطوير التعليم الجامعي في مصر (كليات التربية أنموذجًا)

1

د/ بليغ حمدي إسماعيل

منذ فترة زمنية ليست بالبعيدة، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ضرورة إعادة هيكلة التعليم العالي وربط الدراسة الجامعية بمستقبل جديد لجمهورية جديدة.

وخلال لقاءاته المستدامة مع طلبة وطالبات الأكاديمية العسكرية، شدد على حتمية تطوير نظم الدراسة من ناحية، وعلى ضرورة مطابقة ما يتم تقديمه بالجامعات لسوق العمل والتغيرات والمستحدثات التكنولوجية المعاصرة من ناحية أخرى. ولقد أصاب الرئيس عبد الفتاح السيسي كبد الحقيقة عندما انتقد الأسر المصرية والطلاب الذين يضيعون سنوات من أعمارهم وأرزاقهم في دراسة علوم ومعارف لم تعد صالحة لزماننا المتسارع والمتصارع أيضًا معرفيًا والذي أصبحت فيه المعلومات بترول هذا العصر.

ولعل الكليات التي بات التطوير بها أمرًا حتميًا وضروريًا هي كليات التربية التي من كنه طبيعتها إعداد وتأهيل معلم المستقبل، لكن راهن الإعداد التكاملي الذي يقضي ببقاء الطالب أربع سنوات لم يعد مجديًا بل يمثل عبئًا ثقيلًا على كاهل الدولة، ليست مصر وحدها بل كافة الدول العربية بالمنطقة.

ففكرة إبقاء الدراسة أربع سنوات بالمرحلة الجامعية الأولى بكليات التربية تُعد إهدارًا لموارد الدولة وميزانية الجامعات وعبئًا على الأسر المصرية التي تعاني اقتصاديًا، ومن ثَمَّ يكون العائد والمنتج النفعي لها في المستقبل لا يقابل ما تم الإنفاق عليه.

ومن عبث التقسيم الذي أوجب حتمية التدخل السريع من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي وجود شُعب دراسية لم تعد على خارطة طريق وزارة التربية والتعليم وهي جهة المصب الأجدر بالعناية والاهتمام. ويبدو أن شُعب الدراسة الوهمية بكليات التربية في وادٍ وتخصصات وزارة التربية والتعليم في وادٍ آخر، أو أن ما يتم تطويره واستحداثه من نظم تعليمية بالتعليم قبل الجامعي لا يتوافق مع نظم تعليمية وبرامج دراسية بائدة بكليات التربية حاليًا، الأمر الذي يستوجب التطوير بسرعة فائقة.

      وثمة ملحوظات جديرة بالذكر ومن ثَمَّ الاهتمام تعلو المشهد الدراسي بكليات التربية منها ما يتعلق بنظام الدراسة التكاملي البطيء ومنها ما يتعلق بطبيعة المعارف القديمة والتقليدية ذات الصلة بكليات أخرى غير مناظرة. ولعل أبرز هذه المشاهد مزاحمة أقسام علمية بكليات التربية أكثر قوةً بكليات العلوم والآداب والخدمة الاجتماعية، وكذلك إرهاق المدارس بطلاب التدريب الميداني مما ينعكس سلبًا على تلاميذها تحصيليًا ونفسيًا ويؤدي لتعطيل الدراسة بها.

       واليوم تقاس جودة مؤسسات التعليم العالي بعدد الطلاب الوافدين بها، الأمر الذي يعكس قوة وأصالة المؤسسة تعليميًا ومعرفيًا، لكن عدد الوافدين بكليات التربية يؤكد أن مسار الدراسة وبرامج التعليم فيها به خلل كبير وقصور شديد. وهذا يشير إلى ضرورة تعديل مسار كليات التربية إلى الدراسات العليا فقط، وهذه ضرورة حتمية مع توثيق الصلة بين طبيعة الدراسات العليا للمتغيرات العصر واهتمام العالم بالتعليم ومساراته.

    وهذا يجعلنا نؤكد ضرورة اكتفاء كليات التربية بمنح رخصة التدريس لمن يريد أن يصبح معلمًا من خريجي الكليات الأخرى وفق شروط.

 ومن المشاهد المدهشة والمثيرة التي تؤكد صحة حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على ضرورة تعديل مسار الدراسة الجامعية وتطوير الكليات أن كليات التربية عبر تاريخها الضارب في القدم لم تنشئ حتى وقت كتابة هذه السطور مدارس موازية لمدارس وزارة التربية والتعليم وكأنها تحرث في البحر أو مثل الذي يقدم نصائح طبية ومعارف علاجية دون الكشف عن المريض، فضلًا عن النقص الحاد وللأسف المزمن أيضًا، إن لم تكن ندرة وجود معامل للغات أو العلوم أو التربية الخاصة المطورة بكليات التربية وكأنها مؤسسات صامتة. وأخيرًا سمعتُ وعرفتُ أن ببعض كليات التربية بالخارج بها معامل للجغرافيا.

ومن أجل تشخيص الداء بقوة ودقة، نسير إلى أن رسائل الماجستير والدكتوراه في التربية من وحي خيال المشرف والباحث وليست توجيهات مباشرة من وزارة التربية والتعليم، وكأن كليات التربية في عالم افتراضي.

ومما أثار شجوني التعليمية وجود رحلات علمية موسمية لطلاب كليات التربية في تخصصات الجغرافيا والبيولوجية إلى متاحف أو أماكن تحديدًا بالإسكندرية منذ أكثر من ربع قرن دون تطوير أو عائد مباشر سوى الفرجة والتنزه.

ومعظم المتابعين للمشهد التربوي الجامعي يدركون أن التطوير بكليات التربية منذ خمس سنوات بائدة أصاب مسمى المقررات التربوية ولم يصب الواقع، بدليل تدني استخدام تكنولوجيا الاتصالات بشكل مباشر ووجود نفس المعارف التقليدية التي لا تغني ولا تسمن من جوع أيضًا، فتحولت كليات تبدو معاصرة معرفيًا، إلى متاحف أثرية تقدم تاريخ التربية أكثر من حاضرها.

وتظهر مأساة كليات التربية الغائبة عن مشهد التطوير الذي تنادي به القيادة السياسية في مصر بل والمجتمعية أيضًا: ماذا صنعت كليات التربية ووزارة التربية والتعليم في جديد من أمرها كل صباح وتطوير يتفق مع رؤية مصر المستقبلية؟ لا شيء سوى عقد مؤتمرات وندوات وورش عمل ولجان ولوائح وهي في حقيقية الأمر إهدار للحياة برمتها.

 فهل من المقنع اليوم أن شباب جيل z يريد أن يدخل كليات التربية ليصبح معلمًا لعلم النفس أو الجغرافيا أو التربية الخاصة، وهي شُعب لم تعد تجارية في سوق العمل اليوم.

 أين واقع التوجه التعليمي صوب اليابان في كليات التربية وأنظمتها الدراسية؟

ومن مزايا النظام التعليمي قبل الجامعي وجود كتيبات منظمة بدقة للأداءات المنزلية وتقييمات مستمرة للتلاميذ وقد صيغت بصورة تربوية ومنهجية دقيقة، لكن هل وجدتم كلية واحدة من كليات التربية قامت بتدريب طلابها على استخدام كتيبات التقييمات بوزارة التربية والتعليم المعاصرة؟

 أتمنى أن تكون كليات التربية قد سمعت منذ سنة من خلال برامج التوك شو عما يُعرف بالبكالوريا؟

 واستنادًا لتوجيهات السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية هناك وجوب وطني لاقتصار كليات التربية على تدريب المعلمين أثناء الخدمة، فهذا أجدى وأكثر صدقًا من الإعداد التقليدي.

 ما اختبارات القبول الموحدة التي تجريها كليات التربية للمتقدمين من أجل التحاقهم بها؟ هل كتب مقالة؟ هل رسم خريطة؟ هل أجرى تجربة علمية واجتازها بنجاح؟ أم أن توزيعهم بناءً على معايير غير منضبطة إجرائيًا؟

وأخيرًا، طمعًا في جهد التبرير، وسعيًا لغناء التفسير، سأل العبقري ابن خلدون منذ قرون سؤالًا مدهشًا: “متى ستنهض هذه الأمة؟” وكان الجواب: “انهض أنت أولًا”.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا