تكنولوجيا التواصل.. والشعور بالوحدة

0

د. فيولا موريس

من المعروف أن التكنولوجيا الحديثة قد أحدثت تحولًا جذريًا في أساليب التواصل الإنساني، فقد أتاحت منصات التواصل فرصًا جديدة للتفاعل ولإقامة علاقات اجتماعية متعددة حيث أصبح من السهل تكوين صداقات افتراضية عن بُعد وبشكل مستمر. إن هذا النوع من التواصل قائم على الكم أكثر من الكيف، أي صداقات متعددة دون عمق أو جودة في العلاقات. كما أن هذا العالم الافتراضي لا يعوض عن اللقاءات الإنسانية العميقة المباشرة التي تنقل المشاعر والتعاطف الحقيقي.

لقد أحدث هذا النوع من التواصل شعورًا بالوحدة والاغتراب لدى مستخدميه.

مفهوم الشعور بالوحدة:

هو شعور نفسي مؤلم ينتج عن غياب العلاقات الآمنة والداعمة التي تمنح الشخص الإحساس بالتقدير والقبول والانتماء، لذلك فالشعور بالوحدة يصاحبه شعور بالفراغ النفسي، حيث يشعر الشخص بالانفصال وعدم القدرة على إظهار ذاته الحقيقية أمام الآخرين.

إن الشعور بالوحدة يختلف في مفهومه عن العزلة، فالعزلة تعني قلة التواصل أو الابتعاد عن الآخرين، وقد تكون اختيارية أو مفروضة، بمعنى أن الظروف الاجتماعية هي التي تجبر الشخص على العزلة.

أسباب الشعور بالوحدة في عصر التكنولوجيا

هناك أسباب متعددة من أهمها:

العلاقات السطحية

تتميز العلاقات عبر منصات التواصل الاجتماعي بأنها تتضمن عددًا كبيرًا من الأشخاص لكنها علاقات سطحية غير مشبعة لا تعتمد على المعنى الإنساني أو الهدف، فهي عبارة عن مجاملات مزيفة لا تحمل أي روابط عميقة حقيقية.

المقارنات الاجتماعية

إن التعرض لصور مزيفة ومغلفة بالمثالية لحياة الآخرين يدفع الأشخاص إلى مقارنة واقعهم بما يشاهدونه عبر شاشات التواصل، وقد يؤدي ذلك إلى دخول تصورات خاطئة عن واقع الآخرين الأكثر نجاحًا وسعادة، وبالتالي يشعر الشخص بعدم الرضا عن حياته الواقعية مما يزيده شعورًا بالوحدة.

تراجع التواصل المباشر

إن التواصل عبر المنصات أصبح بديلًا عن اللقاءات الفعلية والحوارات العميقة بين أفراد الأسرة والأصدقاء، مما أدى إلى ضعف الروابط الاجتماعية المشبعة والتي تشكل مصدرًا أساسيًا للأمان والدعم النفسي.

الانشغال المستمر

لقد أصبح نمط الحياة في عصر التواصل الحديث نمطًا يتصف بالسرعة، فرغم كثرة الاتصالات إلا أن الاستماع الجيد أصبح مفقودًا، وبالتالي فُقد معه التفاعل الإنساني المعبر عن عمق المشاعر.

إلا أن هذه الأسباب ليست بالقدر الكافي لتدفع الشخص لمشاعر الوحدة، ولكن هناك أسبابًا نفسية أكثر عمقًا أهمها:

الشعور بالأذى:

بعض الأشخاص يحاولون تجنب العلاقات الحميمية المباشرة، وذلك خوفًا من الأذى الذي قد يلحق بهم، وذلك بسبب تعرضهم عن طفولتهم إلى أذى متكرر سواء على نطاق الأسرة أو خارجها مما سبب نوعًا من الفوبيا الاجتماعية.

لذا، فهم يختارون العلاقات الأكثر ابتعادًا وهي وسيلة دفاعية لضمان مساحات آمنة بعيدة عن الأذى النفسي أو الجسدي.

الشعور بالخزي:

قد ترجع مشاعر الخزي إلى تكوين صورة سيئة وسلبية عن نفسه بسبب سوء معاملة الوالدين له في الطفولة، حيث تعرض للتجاهل والإهمال أو السخرية والتهكم وتقليل قيمته، فيرى نفسه غير مستحق أو مستأهل للتقدير والاحترام، لذلك فهو يفضل الابتعاد عن العلاقات القريبة والمباشرة حتى لا تنكشف عيوبه أو ضعفاته للآخرين.

الشعور بالرفض:

إن الصورة السلبية التي تكونت لدى الشخص عبر تاريخ حياته تجعله يشعر بأنه غير محبوب أو مرغوب أو مقبول، لذلك فهو يبادر بإنهاء أي علاقة من طرفه قبل أن ينهيها الآخرون، وذلك تحت أي مسمى حتى يشعر بالأمان والراحة في الابتعاد عن الآخرين.

آثار الشعور بالوحدة

إن الشعور بالوحدة هو شعور مؤذي ومدمر يؤثر على الشخص نفسيًا وجسديًا، ولقد قام الباحثون بتطبيق دراسة على الأشخاص الذين يعانون من الوحدة، فوجدوا أن نسبة التوتر والقلق أعلى من الأشخاص الذين لا يعانون من الوحدة، وذلك سبب ارتفاع نسبة الكوتيزول في الدم، والذي يصاحبه سرعة ضربات القلب.

كما اكتشف الباحثون أن هناك علاقة بين الشعور بالوحدة، وضعف جهاز المناعة حيث يتعرض هؤلاء الأشخاص الذين لا يسمتعتون بالعلاقات الصحية للأمراض أكثر من نظرائهم الذين يستمتعون بالعلاقات المشبعة.

كما قامت دراسة بجامعة هارفارد بأمريكا على شباب الجامعة لمعرفة أكثر العوامل المؤثرة على الصحة النفسية، فوجدوا أنه العامل المتعلق بالعلاقات الصحية المباشرة والداعمة، حيث إن الأشخاص الذين يتمتعون بالصحة النفسية هم الذين لديهم القدرة على إقامة علاقات ناجحة ومشبعة، بينما الأشخاص الذين ليس لديهم القدرة على إقامة مثل هذه العلاقات لا يتمتعون بالصحة النفسية.

العلاج

يشمل العلاج عدة محاور، من أهمها:

العلاج المعرفي

وهو العلاج الذي يعتمد على تغيير الاتجاهات الفكرية، وخاصة الأفكار المتعلقة بالصورة الذاتية السلبية، حيث يدرك الشخص أن الصورة الحقيقية للذات هي ما أبدعه الخالق عليها، فخليقته على صورة الله الكاملة وأن محبته للبشرية محبة أبدية غير مشروطة.

العلاج السلوكي

ويعتمد على بناء علاقات لها معنى وعمق مع الأهل والأصدقاء مبنية على القبول والثقة والاحترام.

– العمل على تنمية مهارات التواصل المبني على هدف المشاعر والشعور بالأمان.

العلاج الروحي

– إطلاق غفران لكل شخص ساهم في تكوين صورة سلبية عن نفسك، وخاصة أفراد الأسرة والمقربين.

– الثقة أن الرب يسوع قد اختبر الوحدة واجتاز في الترك من تلاميذه المقربين له، وذلك عند مواجهته لآلام الصليب، ولكنه نظر إلى الأب السماوي وأدرك أنه غير متروك. لقد اجتاز آلام الوحدة والترك لكي يعين الذين يجتازون نفس هذه المشاعر المؤلمة.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا