الطب الاجتماعي

19

د. مراد وهبة

عنوان هذا المقال هو عنوان المحاضرة التي كان قد ألقاها أستاذي الدكتور يوسف مراد في كلية الطب بجامعة القاهرة حول العلاقة بين الطب والفلسفة، إذ هما علمان متممان أحدهما للآخر، فالأول هو علم الجسم والثاني هو علم العقل الإنساني، بل إن المثل الأعلى هو توحيدهما لأن معرفة الجسم وسلوكه وحالته لا تتم إلا بمعرفة العقل، وكذلك شئونه ومظاهره لا تتم إلا بمعرفة الجسم، فالاثنان يكوِّنان العلم الأكمل وهو علم الإنسان. ألم يقل أبيقراط أبو الطب إن الطبيب الفيلسوف شبيه بالإله؟ وكان أبيقراط نفسه مشبعًا بالروح الفلسفية. وكثير من الفلاسفة كانوا أطباء، كما أن كثيرًا من عظماء الأطباء ساهموا في تقدم الفكر الفلسفي. وحسبنا أن نذكر من بين فلاسفة العرب ابن سينا صاحب «القانون في الطب»، هذا الكتاب الذي نُقل إلى اللاتينية وأصبح الكتاب الأساسي الذي كانت تتداوله أيدي طلبة الطب في جامعات أسبانيا وفرنسا وإيطاليا في القرون الوسطى. واتحاد الطب والفلسفة أمر طبيعي، ويمكن القول إنه لا نجاح تام لأحدهما بدون الآخر، وقد أشار أبيقراط إلى هذه الحقيقة. وقال أحد عباقرة القرن السابع عشر ليبنتز الذي كان فيلسوفًا عميقًا وعالمًا مبدعًا: حبذا لو تفلسف الأطباء وزاول الفلاسفة الطب، مشيرًا إلى خطر التخصص المفرط الذي يجزئ المعرفة أجزاء صناعية ويحطم وحدة الإنسان الذي هو في صميمه جسم ونفس متعاونان أحيانًا، متنافران أحيانًا أخرى، متلازمان دائمًا.

واليوم أريد أن أشير إلى علم مشترك بين الطب والفلسفة، أو بمعنى أدق بين الطب وأحد فروع الفلسفة وهو علم الاجتماع، وهذا الموضوع هو الطب الاجتماعي. والطب الاجتماعي كما هو واضح من تسميته هو مشترك بين الطب والفلسفة لأنه يتناول الإنسان من جميع نواحيه جسمًا ونفسًا لا من حيث هو فرد مستقل منعزل بل من حيث هو عضو في مجتمع يتأثر به ويؤثر فيه بشتى الطرق.

والسؤال إذن: ما هو موضوع الطب الاجتماعي؟ هو الدفاع عن صحة الفرد الجسمية والعقلية، وحمايته من كل ما يهدد نموه الجسمي والعقلي، وضمان حياة متزنة سعيدة لكل إنسان تتعادل فيها نواحي الجهد والنشاط مع نواحي الراحة والرفاهية السامية بحيث يتمكن من تحقيق رسالته مهما كانت ضعيفة إزاء نفسه وإزاء أسرته وإزاء وطنه، بل إزاء الإنسانية جمعاء. وحياة المرء لن تكون سعيدة حقًا إن لم تُتح له تنمية ملكاته العقلية ومواهبه النفسية بحيث يطمئن إلى نفسه وإلى غيره ويجد أمامه المجال فسيحًا لتذوق ما يحيط به من جمال الطبيعة والفن.

ربما بدا لبعضنا أنني أصف بهذه الكلمات الجنة المفقودة والعصر الذهبي الذي انقضى. ربما كان هذا رأي المتشائمين اليائسين. ولكن التشاؤم مرض يجب محاربته واستئصاله من النفوس، لأن المتشائم ينطوي على نفسه وينحصر في ذكريات الماضي منكرًا ما للمستقبل من قوة خلق وإبداع. فمهما تكن الآفاق مظلمة ومهما تبدُ لنا الإنسانية مدفوعة أحيانًا بلا رؤية وتبصر في تيار جارف من الصراع العنيف والسعي الأعمى وراء المنفعة المادية والمصلحة الفردية فما يزال في مقدرة الإنسان أن يبعث في نفسه الأمل بمستقبل يسوده التعاون المخلص والمحبة التي تزكي في النفس معنى الواجب والتضحية. فما يزال في إمكانه أن يسمو إلى حد بعيد فوق طبيعته الحيوانية، وأن ينمي هذه الصفات السامية من إخلاص ومحبة وتضحية والتي بدونها لا يتحول الحيوان البشري إلى شخصية تزدهر فيها أسمى معاني الإنسانية. ولتحقيق هذا المثل الأعلى، فإن رسالة الطبيب لا تقل خطرًا عن رسالة المعلم أو الفيلسوف أو المفكر الاجتماعي أو السياسي، بل جميع هذه الرسالات لا بد وأن تؤدى متضامنة متضافرة. ولكن قبل أن أذكر النواحي المتعددة التي تتناولها الخدمة الطبية الاجتماعية، أريد أن أوضح نقطة هامة وأن أرد على اعتراض يمكن توجيهه إلى ما نذهب إليه من ضرورة اتحاد الطب والفلسفة في ميدان الطب الاجتماعي.

فقد يقال إن الخدمة الطبية الاجتماعية أمر علمي بحت وكل ما نحتاج إليه هو الاسترشاد بالطب من جهة وبعلم الاجتماع من حيث هو علم وضعي شبيه ببقية العلوم الطبيعية. أعتقد أن الخطر الذي يهدد الخدمة الطبية الاجتماعية يمكن حصره في الرأي القائل بأن استقلال العلم عن الفلسفة بل استغناء العلم عن الفلسفة يؤدي حتمًا إلى تلاشي الفلسفة، وهو أمر خطير بلا شك ولا بد من توضيحه. وعندما أشير إلى الناحية الاجتماعية فإنني أشير في الوقت ذاته إلى المشكلة الخلقية.

والسؤال إذن: هل علم الأخلاق علم شبيه بسائر العلوم الطبيعية؟ والرد على هذا السؤال هو بالنفي: علم الأخلاق جزء لا يتجزأ من الفلسفة لأنه وإن كان يقوم على مبادئ عقلية فإنه لا يوجه كلامه إلى العقل وحده بل يتجه أيضا نحو إرادة الإنسان لحثها على عمل الخير وتجنب الشر.

وإذا كان الأمر كذلك فالعلم الوضعي عاجز عن أن يواجه مشاكل الإنسان الخلقية والاجتماعية، بل ليس من اختصاصه أن يدعي القيام بمثل هذه المهمة. فالعلم وحده لا يكفي، ويجب أن نقول إن الخدمة الطبية الاجتماعية هي في الوقت ذاته مهمة علمية ومهمة خلقية ولا فرق بين العلم والحكمة الأدبية إلا من حيث إن العلم تقريري والحكمة الأدبية تقديرية.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا