أوغسطين وأريجينا

8

د. مراد وهبة

وُلِدَ في طاجسكا في شمال إفريقيا ثم رحل إلى روما وعاصر سقوطها. والسؤال إذن: لماذا سقطت روما؟ انشغل أوغسطين بالجواب عن هذا السؤال فألف كتاب “مدينة الله” واستغرق في تأليفه ست سنوات. وفيه انتقاد حاد ضد مزاعم الوثنيين أن لديهم ثقافة مستقلة والتأثير القوي للأفلاطونية التي جاءته من أفلوطين وحررته من الشك ومن المادية ومن ثنائية الخير والشر، ووجهته نحو أن الله ليس هو فقط خالق الموجود بل هو مصدر الحقيقة، وأن ثمة ثلاث طبائع من الجواهر: الأجسام المتغيرة في الزمان والمكان، والأرواح التي وإن لم تكن جسمية إلا أنها متغيرة في الزمان، والله الذي هو لا مادي وغير متغير. والله خالق كل الموجودات وكل ما يخلقه هو خير، أما الشر فسببه مردود إلى ميل الموجودات نحو الانحلال وذلك لأن الموجود لكي يكون شرًا يلزم أن يتخلى عن الوجود ويصبح غير موجود. والله عند أوغسطين مرادف لمثال الخير عند أفلاطون، باعتبار أنه ليس فقط علة الموجودات بل سبب معرفتنا لها. ومن هنا فإن الحواس لا تمدنا بالمعرفة لأن موضوعاتها متغيرة، والإنسان ليس في إمكانه إنجاز أوامر الله بدون مساعدة الله. أما تسميته لكتاب «مدينتان» فمردودة إلى وجود مدينة أرضية ومدينة سماوية. المدينة الأولى منحازة إلى نصرة الظلم وتبلغ ذروتها في الإمبراطورية الرومانية. والمدينة الثانية تجاهد في سبيل العدالة وتضم جماعة المختارين في الماضي والحاضر. والعلاقة بين المدينتين محكومة بمقولة منسوبة ليسوع ذُكرت في إنجيل مرقس ونصها: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وكل إنسان ينتمي إلى إحدى المدينتين بمحض إرادته، والإرادة حرة غير أن حريتها تكمن في خضوعها للقانون. وقانون الإرادة إخضاع الحواس للعقل وإخضاع العقل لله والله هو المعلم الباطن. ومن ثَم فإن أوغسطين يستند في فلسفته إلى شهادة الوجدان.

وفي نهاية القرن الثامن، سقطت الإمبراطورية الرومانية وتأسست إمبراطورية شارلمان. والشائع عن شارلمان أنه ملقب بالإمبراطور المتوج بفضل الله إذ إن البابا ليو قد وضع التاج الإمبراطوري على رأسه بعد اختتام الصلاة بكنيسة القديس بطرس في اليوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر من عام 800، وبذلك يتحقق التلاحم بين المدينتين السماوية والأرضية. وكان هم فلاسفة ذلك العصر هو تبرير هذا التلاحم، وكان زعيم هذا التبرير جون سكوت أريجينا، حيث لا يفرق بين الفلسفة والدين. يقول: «الفلسفة الحقة هي الدين الحق والدين الحق هو الفلسفة الحقة”، غير أن الصدارة للفلسفة بحكم أنها تتسم بالعقلانية، والعقل مصدر السلطة والعكس ليس بالصحيح، ولهذا يُلقب أريجينا بأنه أبو المذهب العقلي في العصر الوسيط، باعتبار أنه يبرهن على صحة العقيدة بالعقل. وماذا يفيد امتداد سلطان العقل إلى العقيدة؟ يفيد أن التفرقة بين الطبيعة وما فوق الطبيعة مرفوضة. إذن الكل طبيعة. وأريجينا له كتاب عنوانه «في قسمة الطبيعة»، وهو يقصد بالطبيعة الله وبالقسمة الجهات التي نرى منها الله. فالله من حيث هو مبدأ الأشياء هو الطبيعة غير المخلوقة الخالقة؛ ومن حيث هو وسط تتحرك فيه الموجودات، وبه هو الطبيعة المخلوقة الخالقة؛ ومن حيث هو غاية ترجع إليها الموجودات، هو الطبيعة غير المخلوقة غير الخالقة؛ ومن حيث هو هذا العالم متحققًا خارج ذاته هو الطبيعة المخلوقة غير الخالقة. وماذا تعني هذه الجهات الأربع؟ في الظاهر تعني القسمة وفي الباطن تعني الوحدة. وأريجينا يأخذ بالباطن دون الظاهر، لأنه هو القائل إن الله إذ يخلق الخليقة يخلق ذاته من ذاته. إذن الوجود واحد ووحدة الوجود مسألة مشروعة، والنتيجة المحتومة وحدة المملكتين: السماوية والأرضية.

غير أن هذه الوحدة لم يُكتب لها الدوام، إذ عصفت بها حروب عنيفة استمرت إلى منتصف القرن الحادي عشر استطاعت بعدها أوروبا أن تعيد وحدتها بفضل قوة الدولة الألمانية ومؤازرة الكنيسة. بيد أن صراعًا بدأ ينشب بين الدولة والكنيسة من أجل مسألتين: زواج رجال الدين وعلمانية الكنيسة. رفضت الكنيسة المسألتين: الزواج من شأنه أن يحيل رجال الدين إلى طبقة اجتماعية تهتم بشئون الاقتصاد والمال. والعلمانية من شأنها أن تجعل الكنيسة خادمة لشئون السياسة والحكم.

والرفض يعني ضرورة التغيير. ولهذا نشأت حركة الإصلاح الديني في دير كلونى بيرجانديا في أوائل القرن العاشر الميلادي وتتويج البابا جريجوري السابع حين تم انتخابه «بطريركًا» في عام 1074. دعا البابا جريجوري إلى تبتل رجال الدين، ثم عقد مجمعًا دينيًا في عام 1075 أعلن فيه أن ليس من حق الحاكم العلماني أن يقلد أحدًا من رجال الكنيسة منصبًا دينيًا.

ومن ثم، انفصلت الكنيسة عن الدولة وأصبح لها سلطان مطلق حتى في شئون الحكم. وليس أدل على ذلك من الأمر الذي أصدره البابا جريجوري السابع بعزل الإمبراطور هنري الرابع.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا