20.4 C
Cairo
الإثنين, أبريل 15, 2024
الرئيسيةUncategorizedمن هو يسوع المسيح؟ سجلات أتباع يسوع المسيح بين الأسطورة والحقيقة؟ ومدى...

من هو يسوع المسيح؟ سجلات أتباع يسوع المسيح بين الأسطورة والحقيقة؟ ومدى موثقيتها

وليم لين كريج                            

حين كنتُ طالبًا في كلية ترينيتي في منتصف سبعينيات القرن العشرين، رأيتُ مقالة معلقة على لوحة إعلانات عن كتاب سيظهر قريبًا بعنوان “خرافة الله المتجسد” (The Myths of God Incarnate)، والذي يصف كيف كان الأستاذ جون هِك في جامعة بيرمنجهام قد جمع فريقًا من سبعة علماء يقولون إن المسيح الإلهي الذي نقرأ عنه في الأناجيل هو خرافة. وقالوا أيضًا إن يسوع الناصري، في الحقيقة، لم يدع قط أنه ابن الله أو الرب أو أنه شخصية إلهية من أي نوع، وبناءً على ذلك نحتاج إلى التخلص من هذه المعتقدات الكاذبة والبالية.

أتذكر شعوري بالغيظ وبالإحباط بسبب المقالة، وقلتُ في نفسي: لماذا لا يجيب علماء العهد الجديد عن هذه الأشياء؟ ولماذا لا يُعترض على هذه الأمور في الصحافة؟ لم أكن أدرك حينها إلا القليل بشأن ثورة حقيقية في علم العهد الجديد، وأنها ستنتشر بعد وقت قصير من ذلك الحين مثل هذا التشكيك، وستؤكد أن الأناجيل موثوق بها تاريخيًا بوصفها مصادر عن حياة يسوع المسيح وما قاله. لا يزال النقاد الراديكاليون يحصلون على تساهل من صحافة اليوم لما لديهم من كلام يستفز اهتمام الجماهير، لكنهم يُهَمَشون بصورة متزايدة في الوسط الأكاديمي إذ وصل العلم إلى تقدير جديد للموثوقية التاريخية لوثائق العهد الجديد. ونريد في الفصلين التاليين أن نلقي نظرة على بعض من الأدلة التي ستمكِّنك من تكوين حُجة تؤكد تصريحات يسوع الشخصية الراديكالية وقيامته، ومن ثَمَّ تأييد الإيمان به.

سجلات أتباع يسوع وثائق لمعرفة حياته وتعليمه

نواجه في الحال مشكلة، فحيث إن يسوع نفسه لم يترك وراءه أية كتابات وضعها بنفسه، فنحن معتمدون على سجلات آخرين لمعرفة ما قاله يسوع وما فعله، وهذا الموقف ليس بغريب فيما يخص شخصيات قديمة، فمثلًا، لم يخلِّف الفيلسوف الإغريقي الشهير سقراط وراءه أيضًا أية كتابات وضعها بنفسه، ونعتمد على تلميذه أفلاطون في معظم معرفتنا عن حياة سقراط وتعليمه. وبالطريقة نفسها، نعتمد على سجلات أتباع يسوع لمعرفة حياته وتعليمه.

ومع أن الموقف غير مستغرب، فإنه يثير سؤالًا: كيف نعرف أن هذه السجلات دقيقة؟ فقد يكون أتباع يسوع قالوا إنه قال وفعل أمورًا معينة لم يكن قد فعلها حقًا، فما دام المسيحيون الأوائل قد آمنوا بأن يسوع هو الله، فربما ألفوا أقوالًا وقصصًا بشأن تصريح يسوع بأنه إلهيٌّ، وبذلك لا ينبغي أن نُدهش أن يسوع التاريخي الذي عاش حقًا كان مختلفًا جدًا عن الشخصية الإلهية التي نقرأ عنها في الأناجيل، فكيف يمكننا معرفة ما إذا كانت هذه السجلات دقيقة تاريخيًا؟

حتى في الحقبة المعاصرة، كان هذا النوع من الأسئلة غير قابل للإجابة أساسيًا، ولكن مع ظهور النقد النصي والدراسة المعاصرة للتاريخ، بدأ المؤرخون يطورون أدوات لحل هذه الأسئلة، ولم يُعد يسوع اليوم مجرد شخصية في نافذة من زجاج ملون، لكنه شخص تاريخي حقيقي من دم ولحم، تمامًا مثل يوليوس قيصر أو الإسكندر الأكبر، ويمكن أن تُفحص حياته بوسائل التاريخ القياسية، ويمكن أن تُدرس الكتابات التي يحويها العهد الجديد باستخدام الضوابط التاريخية نفسها التي نستخدمها في فحص مصادر تاريخية قديمة مثل “الحرب البيلوبونيسية” (Peloponnesian War) لثوسيديديس (Thucydides) أو “الحوليات” (Annals) لتاسيتس (Tacitus).

والآن أول ما نحتاج إلى فعله للفحص التاريخي عن يسوع هو تجميع مصادرنا، فقد أشير إلى يسوع الناصري في نطاقٍ من المصادر القديمة في العهد الجديد وخارجه، بما في ذلك مصادر مسيحية ورومانية ويهودية. ونجد أنه كانت لديه حياة عامة مدتها ثلاث سنوات بوصفه معلمًا جليليًا متجولًا، ومع ذلك لدينا معلومات عن يسوع أكثر من المعلومات التي لدينا عن معظم الشخصيات العظيمة القديمة. أهم هذه المصادر التاريخية جُمع إلى العهد الجديد، وتميل الإشارات إلى يسوع خارج العهد الجديد إلى تأكيد ما نقرأه في الأناجيل، لكنها لا تخبرنا بأي شيء جديد حقًا، ومن ثَمَّ يجب أن يكون التركيز في استقصائنا على الوثائق الموجودة في العهد الجديد.

أجد أن الكثير من العامة لا يفهمون هذه العملية، إذ يطنون أنه إذا فُحصت كتابات العهد الجديد نفسها بدل النظر إلى مصادر من خارج العهد الجديد تكون بصورة ما تحتج في إطار منطق دائري، مستخدمًا الكتاب المقدس لتُثبت الكتاب المقدس. وإذا اقتبست فقرة من العهد الجديد، فيظنون أنك بشكل ما تخلص إلى ما هو حاجة إلى إثبات، مفترضًا موثوقية العهد الجديد.

لكن ليس ذلك ما يفعله المؤرخون بتاتًا عن فحص العهد الجديد، إذ لا يتعاملون مع الكتاب المقدس بوصفه كتابًا مقدسًا موحى به محاولين إثبات صحته بالاقتباس منه، بل يتعاملون معه تمامًا مثل أية مجموعة أخرى من الوثائق القديمة، فاحصين ما إذا كانت هذه الوثائق محل ثقة تاريخيًا.

من المهم فهم أنه لم يكن هناك في الأصل كتاب يُدعى “العهد الجديد”، بل كانت هناك فقط هذه الوثائق المنفصلة التي سُلمت وانتقلت من القرن الأول، مثل إنجيل لوقا وإنجيل يوحنا وأعمال الرسل ورسالة بولس إلى أهل كورنثوس المدينة اليونانية.. الخ، إلى أن جمعت الكنيسة رسميًا بعد قرنين كل هذه الوثائق ضمن غلاف واحد، صار يُعرف بالعهد الجديد.

اختارت الكنيسة فقط المصادر الباكرة، والتي كانت الأقرب ليسوع وللتلاميذ الأصليين لتضمها إلى العهد الجديد، تاركة المصادر اللاحقة والتقارير الثانوية مثل أناجيل الأبوكريفا المنحولة، والتي كان الجميع يعلمون أنها ملفقة. ومن ثَمَّ ضُمّنت أفضل المصادر التاريخية في العهد الجديد. أولئك الذين يصرون على البرهان المأخوذ فقط من كتابات من خارج العهد الجديد لا يفهمون ما يسألوننا لنفعله، إذ يطالبون بأن نتجاهل المصادر الأولية الأبكر عن يسوع لمصلحة مصادر لاحقة ثانوية وأقل موثوقية، الأمر الذي يمثِّل جنونًا فيما يتعلق بالمنهجية التاريخية.

هذا مهم لأن كل عمليات إعادة البناء الراديكالية ليسوع التاريخي التي نراها في أخبار اليوم مبنية على كتابات لاحقة خارج العهد الجديد، ولا سيما ما يُسمى بأناجيل الأبوكريفا، فما المقصود بأناجيل الأبوكريفا؟ إنها أناجيل منحولة، أي انتحل مؤلفوها أسماء الرسل، مثل إنجيل توما وإنجيل بطرس وإنجيل فيلبس وما إلى ذلك، وقد بدأت في الظهور في النصف الثاني من القرن الثاني للميلاد، ويّدعي بعض المراجعين أن هذه الكتابات من خارج الكتاب المقدس هي المفتاح لإعادة بناء يسوع التاريخي بصورة صحيحة.

يشير الأستاذ لوك جونسون (Luke Johnson)، وهو عالم بارز من علماء العهد الجديد في جامعة إيموري (Emory University)، إلى أن كل الفيض الحديث من الكتب التي تدّعي أنها تكشف يسوع الحقيقي تتبع النموذج المتوقع نفسه:

1- يبدأ الكتاب بالتبويق بشأن المؤهلات العلمية للكاتب وبحثه المعجزي الفائق.

2- يدّعي الكاتب أنه يعرض تفسيرًا جديدًا، وربما مقموعًا، عمن كان يسوع حقًا.

3- يُقال إن الحقيقة عن يسوع مُكتشفة بواسطة مصادر من خارج الكتاب المقدس تمكِّننا من قراءة الأناجيل بطريقة جديدة على خلاف معناها الظاهري.

4- هذا التفسير الجديد استفزازي، بل مثير أيضًا، فمثلًا يقول إن يسوع تزوج بمريم المجدلية، أو كان قائدًا لعبادة مُهلوسة، أو كان فيلسوفًا ريفيًا ساخرًا.

5- ومن ثَمَّ، يفهم ضمنًا أن المعتقدات المسيحية التقليدية معتقدات مقوَّضة، وتحتاج إلى إعادة النظر فيها.

إذا سمعت عن كتب تتبع هذا النموذج المألوف، فينبغي لك إيقاظ عقلك الناقد! فأنت على وشك أن تُخدع، لأن الحقيقة هي أنه ليس هناك مصدر تاريخي ذو مصداقية ومن المصادر خارج العهد الجديد يشكك في صورة يسوع التي رسمتها الأناجيل؛ فأناجيل الأبوكريفا هي كتابات لاحقة مشتقة تشكلت من لاهوت القرن الثاني وما بعده. ومعنى ذلك أنه رغم كل هذا الهرج والمرج فالوثائق التي يحتويها العهد الجديد هي مصادرنا الأولية عن حياة يسوع.

لذا حاول ألا تفكر في العهد الجديد بوصفه كتابًا واحدًا، بل بصفة ما كان عليه في الأصل: مجموعة من الوثائق المنفصلة والتي جاءتنا من الإخبار بهذه القصة الرائعة في القرن الأول عن يسوع الناصري. وينبغي أن يكون السؤال إذًا: ما مدى موثوقية هذه الوثائق تاريخيًا؟

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا