من الذهنية الريفية إلى الذهنية الكوكبية

12

د. مراد وهبة

هذه النقلة استغرقت عشرة آلاف سنة. وهذه المسافة الزمانية هي المسافة التي قطعتها الحضارة الإنسانية منذ مولدها حتى الآن، لأن القرية كانت المؤسسة الأولى التي نشأت إثر أزمة الطعام في عصر الصيد، حيث تغير المناخ وندرت الحيوانات، فهاجرت ومعها الإنسان إلى حيث وديان الأنهار في مصر وأشور وبابل. ففي هذه البلدان ابتدع الإنسان التكنيك الزراعي الذي أحدث تغييرًا جذريًا في تحويل أرض غير زراعية إلى أرض زراعية. وقيل عن هذه الأرض إنها القرية والتي تميزت ببداية التفكير العلمي المغموس في التفكير الأسطوري الذي تولى سد الثغرات التي يعجز التفكير العلمي عن شغلها. ومع التطور تحولت مجموعة من القرى إلى مدينة تتميز باختراع القانون للتحكم في التجارة من أجل ضبطها، ومن ثم ازدادت مساحة التفكير العلمي كما تتميز بوجود معبد وسط المدينة حيث يقيم إله مع كهنته. وبعد ذلك استمر التطور في سياق غلبة التفكير العلمي على التفكير الأسطوري مع تعدد العلوم ثم تداخلها فيما بينها. ومع بزوغ ظاهرة الكوكبية مع بداية القرن الحادي والعشرين والتي تتميز بالاعتماد المتبادل بين الدول والشعوب لم يكن في إمكان الكل تمثل هذه الظاهرة. ومن هنا أُطلق التقدم على بعض الدول والتخلف على دول أخرى. إلا أن المفارقة هنا أن بعض الدول المتقدمة وُجدت بها قرى عاندت تطور الحضارة فتوقفت عند بدايتها. وقد فطن رئيس الجمهورية الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى هذا العناد فأعلن عن مبادرة عنوانها: حياة كريمة، والعنوان يشي بتغيير جذري في ريف مصر الذي يعيش فيه 58 مليونًا، ومن ثم اعتبرت هذه المبادرة مشروعًا قوميًا. وكل مشروع قومي له بنية تحتية من مياه وكهرباء وغاز وصرف صحي لا تستقيم إقامتها إلا بتكنولوجيا متقدمة ومسئولية استثمارها تقع على السلطة التنفيذية. وله بنية فوقية لا يستقيم تأسيسها إلا بنخبة قادرة على التعامل مع هذه التكنولوجيا المتقدمة. ومن هنا يثار السؤال الآتي:

هل هذه النخبة قائمة أم قادمة؟

جوابي بأثر رجعي مردود إلى ندوة دولية كنت قد عقدتها في عام 1980 تحت عنوان: المرأة الريفية والتنمية، وكنت في حينها رئيس شعبة الدراسات الإنسانية بمركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس. وقد عُقدت هذه الندوة بناء على اقتراح من السيدة عزيزة حسين ـ التي كانت في حينها رئيسة الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة. وفي سياق رئاستها لهذا الاتحاد أدخلت بندًا خاصًا عن حقوق المرأة الريفية في الاتفاقية التي أُبرمت في كوبنهاجن بالدنمارك في عام 1980. وكان رأيي الذي أبديته في بحثي المعنون: القرية المصرية والحضارة الفرعونية، أن القيادات الدينية منذ القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت من أقوى المعارضين للأسلوب الغربي المتمثل في العلمانية، بدعوى أن المجتمع يلزم أن يستند إلى أسس دينية على النمط الفرعوني، حيث فرعون هو خليفة إله الشمس الذي كان الحاكم الأعلى المتحكم في المصريين أجمعين.

ومن هنا كان اسم فرعون يذكر عندما يذكر إله الشمس. ومن هنا أيضًا كان العلمان اللذان أنشأهما المصريون وهما الهندسة العملية والطب كانا من أجل خدمة أسطورة عودة الروح، الهندسة العملية لبناء الأهرامات التي هي مقابر لاستقبال عودة الروح والطب لتحنيط الجثة حتى تكون سليمة عند عودة الروح. وفي هذا السياق أصبح التفكير أسطوريًا ولا يزال. ولا أدل على صحة هذا الرأي من القول الوارد في بداية المقال للرئيس عبد الفتاح السيسي من أننا نبني دولة جديدة خالية من أمرين: التمييز بين الهويات الدينية ومنع بيع الأوهام. الأمر الأول يستلزم إعادة النظر في المادة الثانية من الدستور. والأمر الثاني يتمثل في الامتناع عن الاحتفال بمروجي الأوهام مثل الترويج للوهم القائل إن فلاسفة اليونان من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو لصوص، بدعوى أن فلسفتهم مسروقة من إفريقيا على نحو ما ورد في الكتاب الذي أصدرته وزارة الثقافة مترجمًا عن اللغة الإنجليزية وعنوانه: أثينا السوداء، لمؤلفه مارتن برنال الذي دعته الوزارة للاحتفال به. وامتنعت عن ترجمة كتاب آخر كان قد صدر ضد كتاب برنال لمفكرة أمريكية اسمها ماري ليكوفتس وعنوانه: ليس من إفريقيا.

وإثر انتهاء الندوة الدولية أصبح من اللازم المشاركة في تكوين نخبة ذات ثقافة تنويرية تدعو إلى الجرأة في إعمال العقل، وقد كان، إذ اجتمعت هذه النخبة في نادي السيدات بالقاهرة برئاسة عزيزة حسين وكان من بين الأعضاء المواظبين على حضور اجتماعات هذه النخبة محمود فوزي رئيس وزراء مصر الأسبق، والأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة بالكنيسة الأرثوذكسية. الأول لم يكن على وفاق مع سياسة الرئيس أنور السادات والثاني كان على صلة مباشرة مع وزير الداخلية النبوي إسماعيل. وكان هذا الأسقف قد اغتيل مع الرئيس السادات في 6 أكتوبر 1981 مع أنه كان يجلس في الصف السادس، وهو الأمر الذي يشي بأن اغتياله كان مقصودًا ومرصودًا. ولا أحد يعرف لماذا كان ذلك كذلك. وبعد ذلك تشتتت النخبة وحلت محلها نخبة مغايرة دخلت في علاقة عضوية مع جماعة الإخوان وأدت دورًا في استيلاء الجماعة على السلطة السياسية إثر ثورة 25 يناير 2011 بعد ركوبها الثورة في 28 يناير من ذلك العام. الآن وبعد مرور أربعين عامًا على ندوة المرأة الريفية والتنمية برؤيتها المتواضعة يعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تغيير جذري ليس فقط لذهنية المرأة الريفية بل للذهنية الريفية، بحيث تكون في نهاية المطاف ذهنية كوكبية تكون متسقة مع الوضع القائم لكوكب الأرض حيث الكل مسئول عن الكل.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا