مع كل بطولة كروية كبرى، سواء على المستوى القاري أو العالمي، يتبادر إلى أذهان الملايين التساؤل الدائم: لماذا يخلو تشكيل المنتخب الوطني الذي يلعب باسم مصر من أي لاعب مسيحي؟ فقد حدث ذلك على مدار عقود، وحدث أيضًا مع بطولة إفريقيا الماضية، ويحدث حاليًا مع أكبر حدث رياضي تشهده الكرة الأرضية، وهي بطولة كأس العالم، أكبر بطولة دولية في كرة القدم، والتي تقام كل أربع سنوات، لدرجة أن بعثة المنتخب الوطني المشاركة في بطولة كأس العالم المقامة حاليًا في أمريكا وكندا والمكسيك تخلو من أي فرد مسيحي، على مستوى اللاعبين والجهاز الفني والإداري والطبي.
وقد يقول قائل إن المدير الفني للمنتخب لو وجد لاعبًا مسيحيًا كفئًا وعلى مستوى التمثيل الدولي لاختاره، والمعروف أن المدير الفني يختار قائمة اللاعبين من فرق أندية الدوري الممتاز. والتساؤل مردود عليه بتساؤل آخر: أين اللاعب المسيحي المتواجد أصلًا في أندية الدوري الممتاز حتى يقع عليه الاختيار للانضمام إلى المنتخب؟
إذ كان المنع من المنبع، فبسبب التمييز الديني والعنصرية المقيتة الممنهجة المتفشية في الأجهزة الفنية والإدارية للأندية، التي تحرص كل الحرص على استبعاد اللاعبين المسيحيين، رغم كفاءتهم ومهارتهم، من القيد في صفوفها، وبالتالي حرمانهم من الظهور في الملاعب. وحتى لو حدث وتسرب لاعب مسيحي لينضم إلى أحد فرق الناشئين، يتم منعه من استكمال مسيرة الصعود للفرق الأعلى، وبالتالي لا يصل إلى الفريق الأول، مهما كانت كفاءته ومهارته، فالفيصل الأول في الاختيار، إلى جانب الكفاءة، هو الدين.
والدليل أن في الدوري الممتاز المصري 21 فريقًا، وكل فريق يضم حوالي 30 لاعبًا، ولا يوجد بين هذه الفرق لاعب مسيحي، وهو أيضًا ما ينسحب على الدرجات الأخرى للدوريات المصرية، وكذلك فرق الناشئين التي تخلو من اللاعبين المسيحيين، وبالتالي عند مرحلة سنية معينة يُستبعد الناشئ المسيحي، فلا يتمكن من الصعود إلى الفريق الأول، وحتى لا يقع عليه الاختيار ضمن المنتخب.
وقد بحَّ صوتنا على مدار سنوات، نناشد المسؤولين عن الرياضة في مصر، وخاصة كرة القدم، من اتحاد الكرة إلى رابطة الأندية المحترفة، ووزير الرياضة، ورئيس الوزراء، ولا حياة لمن تنادي، مما اضطرنا في نهاية الأمر إلى مناشدة السيد رئيس الجمهورية للتدخل شخصيًا لمعالجة هذا الخلل، لدرجة أن الكابتن ميدو، قائد المنتخب ونادي الزمالك السابق، أثار ذلك في برنامج رياضي مطالبًا بكوتة رياضية للأقباط، أسوة بالكوتة في المجالس النيابية.
وأترك السطور التالية لبعض أقلام نخبة من الصحفيين والإعلاميين والنشطاء.
كتب أبرام مقار، رئيس تحرير «جود نيوز» الكندية، في مقال لهذه الجريدة، أن منتخب العراق يضم أربعة لاعبين مسيحيين، وهم: ريبين سولاقا، وفرانس بطرس، وإيمار شير، وكيفين يعقوب، رغم أن نسبة المسيحيين لا تتجاوز 1%، بينما تتجاوز نسبتهم في مصر 15%، ومع ذلك لا تضم بعثة مصر في كأس العالم أي مسيحي، سواء لاعبًا أو مدربًا أو حتى عاملًا.
وكتب الكاتب والناشط الحقوقي محمد سعد خير الله، مخاطبًا قداسة البابا، متسائلًا عن عدم وجود لاعب مسيحي في المنتخب، وذلك بعد عظة البابا تواضروس يوم الأربعاء 17/6، التي تحدث فيها عن المعاني الروحية في تشجيع المنتخب المصري. وقال إن هذا المنتخب محظور الانضمام إليه على أي لاعب مسيحي، وإن وصفه بـ«منتخب الساجدين» يحمل دلالة إقصائية، وقد يبعث مشاعر الإحباط في نفوس اللاعبين الأقباط. وختم حديثه بأن الصمت كان أفضل من إطلاق مثل هذا الوصف.
أما الإعلامي إبراهيم عيسى، فأثار فيديو له جدلًا واسعًا بعدما قارن بين واقع المنتخبات الأوروبية والأمريكية من جهة، والمنتخب المصري من جهة أخرى، متسائلًا عن أسباب غياب اللاعبين المسيحيين عن تمثيل المنتخب الوطني، رغم وجود ملايين المسيحيين في مصر.
وقال إن معظم المنتخبات الأوروبية، إلى جانب الولايات المتحدة وكندا، تضم عددًا كبيرًا من اللاعبين المسيحيين، مشيرًا إلى أن ذلك يعكس التنوع داخل تلك المجتمعات. وأضاف أن منتخب فرنسا يعد نموذجًا لهذا التنوع، إذ ينحدر عدد كبير من لاعبيه من أصول مهاجرة، وكثير منهم مسلمون، معتبرًا أن ذلك يعكس مفهوم المواطنة الذي يتيح المشاركة في مختلف المجالات وصولًا إلى تمثيل المنتخب الوطني.
وأشار إلى أن المجتمعات الغربية، رغم الاتهامات التي توجه إليها بالإسلاموفوبيا، تضم لاعبين مسلمين بارزين في منتخباتها الوطنية، وهو ما اعتبره دليلًا على قبول التنوع داخل المؤسسات الرياضية.
وفي المقابل، فإن المنتخب المصري يخلو من اللاعبين المسيحيين، معتبرًا أن هذا المشهد يطرح تساؤلات حول أسباب عدم ظهور لاعبين مسيحيين في المنتخب، أو حتى في العديد من الأندية المصرية، رغم وجود مواهب كروية بين الشباب المسيحي.
وأكد أن ما يشاهده في بطولة كأس العالم من تنوع داخل المنتخبات العالمية يجعله يتساءل عن أسباب اختلاف المشهد داخل الكرة المصرية.
أيها المسؤولون عن الرياضة في مصر، وخاصة كرة القدم، ماذا تنتظرون؟ أيتدخل الفيفا ويوقف نشاط كرة القدم في مصر؟
ميسي من كوكب آخر
ليونيل ميسي يواصل الإبداع والإمتاع وكتابة التاريخ. فالنجم الاستثنائي والتاريخي لمنتخب الأرجنتين يواصل إبهار عشاق كرة القدم، بعد فوز منتخب التانجو في ضربة البداية على منتخب الجزائر الملقب بمحاربي الصحراء بثلاثية، في أولى منافسات المجموعة العاشرة التي تضم الأرجنتين والنمسا والجزائر والأردن، وإحرازه هاتريك في تلك المباراة.
ميسي الفريد من نوعه، والذي قل أن يجود الزمان بمثله، ما زال يمتعنا ويسعدنا ويبهرنا بكرة قدم مختلفة، بإحرازه أول ثلاثية في المونديال له ولفريقه، وهي خامس ثلاثية للأرجنتين في تاريخ مشاركتها في بطولة كأس العالم.
وبهذه الثلاثية تعادل ليونيل ميسي مع هداف منتخب ألمانيا ميروسلاف كلوزه في صدارة هدافي كأس العالم برصيد 16 هدفًا، وأصبح ميسي أكبر لاعب سنًا في تاريخ المونديال يسجل ثلاثية «هاتريك» وهو على مشارف التاسعة والثلاثين، متجاوزًا النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي كان يحمل الرقم القياسي بثلاثية ضد إسبانيا في مونديال روسيا 2018 عندما كان عمره 33 عامًا.
وبذلك جمع ميسي بين رقمين قياسيين يصعب تحقيقهما لأي لاعب في تاريخ كرة القدم، كما قال موقع الفيفا، حيث يحمل الرقم القياسي لأصغر هداف للأرجنتين في كأس العالم في مونديال 2006، وكان يبلغ من العمر 18 عامًا، وأصبح الآن أكبر هداف للمونديال سنًا.
ثم عاد ميسي لتحطيم رقم كلوزه عندما سجل هدفين في مرمى النمسا، لينفرد بصدارة هدافي كأس العالم عبر التاريخ برصيد 18 هدفًا، ويصبح الهداف التاريخي للبطولة العالمية الأكبر والأشهر على مدى ما يقرب من مائة عام، وما زال في إمكانه إحراز المزيد من الأهداف في المباريات الأخرى.
ميسي، الذي حاز كل البطولات على المستوى المحلي والقاري والعالمي، وفاز بالكرات الذهبية، وبكل البطولات مع الأندية التي لعب لها، وعلى مستوى المنتخب الأرجنتيني، وانفرد بالعديد من الأرقام القياسية، وتوج ذلك بفوز منتخب بلاده بكأس العالم عام 2022.
لقد بحثت في قواميس اللغة عن وصف هذا اللاعب الفذ الفريد، فلم أجد ما أصفه به. هذا اللاعب، أسطورة الأرجنتين وأيقونة كرة القدم، الساحر المتفرد بمداعبة الساحرة المستديرة، إنه بجدارة أعظم لاعب في التاريخ بلا جدال، والملك المتوج على عرش كرة القدم العالمية.
ها هو في سن التاسعة والثلاثين ما زال يمتعنا ويبدع ويدهشنا. قلنا: يا كاتب التاريخ لا تغلق الصفحات، واكتشفت أن كاتب التاريخ هو ليونيل ميسي، على حد تعبير المذيع الشوالي.
والعجيب أن هذا اللاعب، أعظم لاعب في العالم وعلى مر التاريخ، يتسم بالتواضع والإيمان، ولا يرجع ما وصل إليه من مجد وشهرة وما أحرزه من بطولات وأرقام قياسية إلى مجهوده أو موهبته أو شخصه، بل إلى الله، قائلًا: «الله أعطاني كل شيء».
ألم أقل لكم إن ليونيل ميسي من كوكب آخر؟
حفظك الله، وليعطك طول العمر لمزيد من إمتاع البشرية بمعشوقتك كرة القدم.