مصر هي أمي!

1

العدد 90 الصادر في مارس 2013
مصر هي أمي!

    لا شك أن لشهر مارس، من كل عام، مذاقًا مختلفًا عن بقية الأيام والشهور لديَّ وعند كثير من المصريين والشعوب المختلفة، ليس فقط لأنه الشهر الذي يبدأ فيه فصل الربيع، أجمل فصول السنة، والذي فيه تتفتح الورود ويعتدل الطقس، ويتحول اللون الرمادي والبني للشجر والزروع إلى اللون الأخضر، بل لأنه الشهر الذي نحتفل فيه، في مصر وأغلب دول العالم، بأجمل الأعياد، ألا وهو عيد الأم، وما أكثر ما قيل في هذا العيد من أشعار وأشواق، وما حمله من عواطف وتمنيات للأم التي هي بالحقيقة رمز، بل وتجسيد للعطاء بلا حدود، والمحبة التي لا تطلب ما لنفسها، والتضحية التي ما بعدها تضحية، والتي يعجز اللسان، مهما كان فصيح البيان، عن وصفها بالإتقان. وبالرغم من أن أمي لم تعد بعد تحيا على الأرض، بل هي في السماء عند مسيحها وربها وحبيبها الذي أحبته من كل قلبها، قبل أن تراه بعيون جسدها النحيل، وذاك “أفضل جدًا” كما علمنا تنزيل الحكيم العليم الكتاب المقدس، إلا أنني مازلت أشعر بأنفاسها، وبشاشتها وحكمتها وصبرها، وعطائها وذكائها ومحبتها، وكأنني أستمع حتى اليوم إلى ترنيماتها المفضلة “أمكث معي يا سيدي، وفرحًا فرحًا أمضي إلى…” وغيرها من الترنيمات التي كانت تعبر بها دائمًا عن شوقها للقاء مخلصها وفاديها في سماء أعدها بنفسه لأحبائه ومُخلصيه.

     ومازلت أحيا على نفس المبادئ التي علمتني وإخوتي إياها في سني حياتها التي أطالها المولى، لحكمة عنده سبحانه، حتى زادت على الخامسة والثمانين عامًا. وبالرغم من كل ما تستحقه أمي من ثناء واحترام وإجلال حتى لو لم تكن بعد تعيش في الأرض، إلا أن هدفي الأول من كتابة هذه السطور هو البحث فيما عليه مصر اليوم، مصر التي علمونا أنها أمنا جميعًا، ولسنا نحن المصريون فقط، بل كما يقول المثل “مصر أم الدنيا” كما أننا تعودنا أن نستمع إلى الأغاني التي تلهب قلوبنا حبًا لها مثل”مصر هي أمي” و”يا حبيبتي يا مصر” و”ما تقلش إيه إديتنا مصر” تلك الأغاني التي كانت ولا تزال تحفظنا في حالة الغيبوبة الدماغية التي أصابت المصريين بدءاً من جيلنا التعس، جيل ثورة الضباط الأشرار في 1952 الذين خلصونا من حكم مَلك، وصفوه هم بالفاسد، لكنه كان يحب مصر ويخاف عليها ويرعى شئونها، أكثر مما كانوا هم عليه تجاهها، وقد جعل لها اسمًا عاليًا بين دول العالم، وكانت دولة تُقْرِض ولا تقترض، وتُتْبَع ولا تَتَّبِع، مصر التي كانت جنة الله في أرضه، وقد فضل الملك حسب قوله، أن يترك مصر دون صراع أو قتال حتى لا يسيل دم مصري واحد بسببه، وتركها  لحكم عسكر وضباط هووا بها إلى أسافل الحضيض من كل جهة، علميًا واجتماعيًا وعسكريًا وسياسيًا وماديًا وأخلاقيًا وحتى دينيًا، واستمروا في حكمها ونهب خيراتها إلى أن أطيح بآخرهم في يناير 2011. واليوم يحكمونها من قال زعيمهم يومئذ “طظ في مصر” والذين تلونوا بكل لون وشكل حتى أخضعوها وأهلها للمجهول الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب، أما نحن فلسنا، في عيونهم، سوى محللين أو متمنين أو متخلفين ليبراليين، ولسنا أكثر من مغيبين والله أعلم.

    ولست أدري ما الذي جعلني أقارن بين أمي التي ولدتني بالجسد، والتي كنا نحتفل بعيد ميلادها يوم عيد الأم 21 مارس من كل عام، وبين مصر. وأنا أعلم أنها مقارنة غير عادلة أو متكافئة، وشتان الفرق بينهما، وأن أمي التي رحمها المولى مرتين أولهما وهي مازالت على قيد الحياة، حيث ضمن لها المسيح، تبارك اسمه الحياة الأبدية، فنحن المسيحيون نؤمن أنه ليس هناك رحمة بعد الموت، فمن يرحمه المولى يرحمه في حياته على الأرض، وذلك بمعرفته الرب يسوع المسيح، تبارك اسمه، مخلصًا شخصيًا له من طبيعته الإنسانية الفاسدة، ويمنحه حياة أبدية مع القديسين والمبررين أمثاله بالإيمان بيسوع المسيح، أما ثاني الرحمات التي رحم بها المولى أمي هي بأنه أخذها إلى بيتها الأبدي قبل أن ترى ما حدث ويحدث في مصر في هذه الأيام. وقد فشلت لعدة سنوات وبكل الوسائل والطرق والمغريات في إقناعها بأن تذهب لمجرد الزيارة لأمريكا ولو مرة واحدة، وكان لسان حالها أنا مصرية اتولدت في مصر وعشت في مصر وربيتكم في مصر وهموت واندفن في مصر، وظلت هكذا لسنين طويلة حتى اضطرت تحت ظروف قهرية أن تترك مصر وتذهب لزيارة أمريكا، ولم تلبث هناك طويلاً حتى دعتنى ذات يومٍ وقالت لي: “ابني ناجي” قلت: نعم ماما، قالت: أريد أن أعاهدك بعهد قبل وفاتي، قلت: أمرك يا ماما، قالت: أنت تعلم أنني لم أطلب منك ولا من إخوتك شيئًا أريده لنفسي طيلة حياتي، قلت: هذا صحيح، قالت: لكن اليوم لي طلبة خاصة، وأرجو أن لا ترفضها لي، قلت: أنت تأمري يا أمي، ومهما كانت طلبتك سأنفذها لك دون نقاش مهما كلفتني من جهد ومال، قالت: طلبتي عندما أموت وأفارق الحياة، لو كنت مازلت في زيارتي لأمريكا، أن لا تدفنني إلا في مصر، وأكملت وقالت: أنا أعلم أن هذه الطلبة ستكلفك الكثير من الجهد والمال، لكنها طلبتي الأولى والأخيرة التي أريدك أن تحققها لي، قالت: لا تدفنني في هذه البلاد، بل في أرضى وبين أهلي وناسي، عندها تسمرت في مكاني وقلت لنفسي: أية محبة هذه لمصر وأرضها التي دفعت بأمي، هذه المرأة العظيمة، أن تطلب مني هذه الطلبة، وهي تعلم أن هذه الطلبة ستتكلف كثيرًا من الجهد والمال، فأماكن المدافن في أمريكا كجنات تجري من تحتها الأنهار، وما تلقاه المدافن في أمريكا من عناية وتنسيق وورود ليفتقد إليه كثير من القصور الملكية والجمهورية في العالم، وزال تعجبي سريعًا بتذكري أيام شبابي عندما كنت على استعداد أن اشتبك بالقلب، واللسان وحتى بالأيدي مع أي شخص، مهما كان، لو ذكر مصر بكلمة سوء، كنت يومها أعتبر من يخرج من مصر إلى أية دولة أخرى، حتى لو كان مضطرًا لذلك، يكون قد خان الأمانة التي وضعها الله على عاتقه، وفضل ملذات الدنيا على نعيم الآخرة، وكم استخدمت من آيات الله البينات للتدليل على ما كنت أؤمن به، وأي دليل خير مما جاء في كتاب الله التوراة الذي قال عن نبيه موسى الكليم أنه “أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله (في مصر) على أن يكون له تمتعًا وقتيًا بالخطية.

   ولست أدري ما الذي ذكرني بكل هذه الأمور عندما تفكرت في مقال هذا الشهر، مارس 2013.

    وسألت نفسي هل حقًا مصر الحالية، بما هي عليه اليوم وبحكامها الحاليين، وما يحدث فيها وعلى أرضها يمكن أن أدعوها أمي. ووجدتني أجري مقارنة سريعة بين أمي التي ولدتني في مصر  وبين مصر المكان والناس والأمة والبلد، فلقد كنا، إخوتي وأنا، أغلى ما لديها في الحياة، وكل ما تملك في هذه الدنيا، فلم تكن تفكر فيما يمكن أن تأخذ منا، حتى بعد أن كبرنا وأصبح لنا مدخولنا والقدرة على رد الجميل إليها، حتى بأقل الأشياء التي كنا نقدمها لها، كعلامة على تقديرنا لها، ومحبتها لنا، ولدورها الذي تفانت في القيام به في حياتنا، بل دائمًا كان شغلها الشاغل كيف تسعدنا وتعطينا وتحرسنا وتحمينا من كل شر وشبه شر، مع أنه كان من حقها علينا أن نعطيها أغلى ما نملك بمحض اختيارنا وحبًا لها وتقديرًا لشخصها، تمامًا عكس المنطق التي تغنت به “الست شادية” في أغانيها المسيسة، والتي عوقتنا بها عقليًا لمدة سنين، وهي تقنعنا بمبدأ “ما تقلش إيه إديتنا مصر، قول هندي إيه لمصر” وكأننا خلقنا لكي نعطي لمصر، حتى لو كان العطاء في اتجاه واحد، منا لمصر، والعكس غير صحيح، ولا مقبول وليس هناك مجال لمناقشته، مع أن مصر التي تعودت أن تأخذ فقط لا ولم تكن تعطينا لا الحرية في قول أو عمل أو عبادة نختارها لأنفسنا، أو جريدة نبغي إصدارها، أو كنيسة نحتاج إلى بنائها لتكون بيتًا تقام فيه الصلوات والتضرعات ليحفظ المحروسة ويديمها لنا لتشفط منا كل ما تستطيع وما تمتد إليها يدها حتى من داخل بيوتنا وجيوبنا، ولم تعطنا ولا حتى المساواة بيننا وبين من جاءوا إلى بلادنا فاتحين قائلين “ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين” وكأنها بلادهم ومن حقهم أن يحتلونها ويستعبدون أهلها ويسخرونهم ويضعون النير على أعناقهم، فتزرق رقابهم فينعتونهم أنهم أصحاب العضمة الزرقاء، ويحرقون كتبهم بل ومكتباتهم بكاملها، ويأخذون خيرة شبابهم ومتعلميهم ومثقفيهم وصناعهم المهرة ويصدرونهم إلى بلادهم ليعلموهم الطب والحساب والعلوم والصناعات، ثم يدعون أن كل هذا أتى معهم من جزيرة ما كان بها سوى الرمال والإبل والأغنام، ولم تعطنا مصر، نحن أهلها الأصليين، حتى مياها نظيفة لنشرب عندما كنا نتعب في خدمتها، ولا حتى هواءً نقيًا غير ملوث لنتنفسه حتى نستكمل عطاءنا لها، وعشنا سنين نعطي لمصر كل ما نملك من وقت وجهد وخدمة ومال ونعيش على الكفاف في انتظار أن تتحسن الأحوال، وكنا نسخر حتى من أنفسنا في تمثيلياتنا وأفلامنا ومسرحياتنا، ويُضْحِك عادل إمام الناس في دوره كشاهد في مسرحية “شاهد ما شفش حاجة” ويقول للقاضي “كل شئ تمام والحكومة بتقول فكوا الحزام فكوا الحزام”. وأعطينا وأعطينا حتى لم يعد لدينا، كشعب فقير مغلوب على أمره، شئ أخر لنعطيه لمصر، وعندها اكتشفنا أن ما أعطيناه لم يصل لماما مصر، لكن وصل إلى بطون وجيوب وغرف نوم قادتنا وحكامنا ورتبنا البوليسية والعسكرية، ولم ننتبه أن من خدعنا فيها وصدقنا أنها أمنا بل وأغلى لدينا من أمهاتنا اللآتي ولدتنا، ماما مصر، تذهب من ضعف إلى ضعف ومن فقر إلى فقر ومن تخلف إلى تخلف. واليوم نحن على شفا حفرة من النار لا يمكن لشئ أو لأحد أن ينقذنا منها سوى المولى القادر على كل شئ سبحانه وتنازل إلينا. وخاصة بعد أن تعلن الحكومة التي تسيطر على ماما مصر اليوم الخطوات والإجراءات الاقتصادية التي يطالبها البنك الدولي لاتخاذها حتى ما يقرضها فيضاعف ديونها، فهل لأحد أن يطالبني اليوم أن أقتنع أن “مصر هي أمي”؟؟!!

    ثانيًا: لقد كان أمني وسلامتي وسلامة إخوتي لدى أمي هو أهم ما يشغل بالها، حتى إن أحدنا عندما كان يتأخر في الرجوع إلى البيت عن ميعاده المقرر له كنا نراها وقد وقفت في شباكها تترقب وصوله، ولا يهمها إن كان البرد قارسًا أو الظلام دامسًا، فلا تهدأ ولا تستكين إلا بعد أن تطمئن أننا جميعنا بخير وكل في مكانه، أما مصر، أمنا فلقد لفظت أبناءها، وسلطت من أبنائها على أبنائها من يقتلونهم بالخرطوش ويعرون بناتها في الشوارع والطرقات ويكشفون منهن ما لابد أن يستر حتى عن عيني الأب أو الأخ حسب تقاليدنا المصرية، ولم تعد ماما مصر يهمها إن كان أولادها سيرجعون إلى بيتها في نهاية يومهم أم سيظلون مشردين في الأرض يتسولون اللجوء السياسي والديني في بلاد ما كان لها وجود يوم قيل عن مصر “كجنة الرب، كأرض مصر” وعند أمهات أُخر غير مستحقات لإيوائهم، فمصر هي أقدم وأعرق الممالك والأمم التي خلقها المولى سبحانه وتعالى، والأرض التي أشبعت العالم أجمع حين أرسل الله مجاعته في عصر يوسف الصديق، وهي من آوت إبراهيم ويعقوب والأسباط وسيد الخلق أجمعين، المولود غير المخلوق، المسيح يسوع، تبارك اسمه وأمه التي اصطفاها الله وفضلها على نساء العالمين وزوجها يوسف البار يوم لم يكن لهم أين يسندوا رؤوسهم أجمعين.

    ثالثاً: لم تكن أمي تفرق بيننا كإخوة وأخوات، فالكل لديها سواسية، فالرجال في شريعة مولاها غير قوامين على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض درجات، والابن الضعيف عندها تمامًا كالابن القوي حتى يقوى ضعيفها ويتعلم قويها أن يعتني بضعيفها، وكانت شريعتها واحدة، وطريقتها واحدة، تكيل بنفس الكيل وتزن بنفس الميزان لكل أولادها، فالكل متساوون في الحقوق قبل الواجبات، ولا فضل لأحدنا على الأخر، وقد زرعت فينا المحبة والاحترام وتقديم أحدنا الأخر في الكرامة، ولم يكن أحد يقول أن شيئًا ما له دون الآخرين، أقول هذا والله على ما أقوله شهيد، وشهود كثيرون ممن عاصروها والذين هم في نفس أعمارنا نحن أولادها يؤكدون ما أقول، وشهادة أعظم الرجال الذين عاشوا في أيامي على الأرض، حكمة وتقوى في نظري وفي نظر الأغلبية الساحقة ممن عاشروه وتتلمذوا على يديه، وهو من كنت أتشرف بدعوته قسيسي، القس الراحل سامي لبيب مؤسس مجمع كنائس المسيح بمصر، يوم اختارتها كنيستنا الأم المثالية، قال فيها القس سامي لبيب، والكلام مسجل في أرشيف العظات بالكنيسة، لقد نجحت أم إسحق، والكلام عن أمي، فيما فشلت فيه رفقة أم عيسو ويعقوب، فبينما كانت الثانية، أي رفقة سببًا في بغضة أبنائها بعضهم لبعض وبعدهم وانفصالهم وعداوتهم كل تجاه الآخر نجحت الأولى (أي أمي) أن تكون سببًا في حب أبنائها بعضهم لبعض، ومع أننا لم نكن لا نحن ولا هي ملائكة تنزلنا من السماء، ولم نكن إلا بشرًا مثل كافة الخلق، إلا أن أمي قد جعلتنا نشعر أننا متساوون لديها في الحقوق والواجبات، أما ماما مصر، فلقد زرعت فينا الكراهية والخصام والشجار والحقد والحسد والغيرة، وفرقت بيننا وجعلتنا نصدق أن الله، سبحانه وتعالى، قد فضل بعضنا على بعض درجات، وأصبح كل يقول “أنا وبعدي الطوفان”، وتفننت في قتل أولادها بواسطة أولادها، فاقتنع كل فريق أنهم أصحاب الأرض، وأنهم الأغلبية، وأنهم لقادرين على إسكات كل من خالفهم في العقيدة والدين، فكرهت أولادها فيها وفي ترابها وأهلها ففارقوها إلى غير رجعة، وبدأت التفرقة بين أطفالها من سن الحضانة فعلمتهم أن هذا مسلم وهذا مسيحي، هذا مؤمن وهذا كافر، وأن الدين عند الله الإسلام ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه يوم القيامة، وظن البعض من أولادها أن رسالتهم في الحياة هي إجبار النصارى وغيرهم ممن لا يؤمنون بدينهم أو شريعتهم أو حتى مذهبهم على الدخول في دين الله، وإن لم يقبل فليقتل، وإما أن يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، فهل هذه المدعوة مصر يمكن أن أدعوها أمي؟؟!!

    رابعًا: علمتنا أمي أن علاقتنا بالله هي أهم ركائز الحياة، وأن أهم وصية في كتابه سبحانه، وكلها أهم من بعضها، هي “تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك وتحب قريبك كنفسك” وما كانت تقصد بالقريب ذو القربة لنا في الجسد أو النسب فحسب بل كل إنسان خلقه المولى على صورته كشبهه، وأن الإله الذي يستحق أن يعبد وحده لا سواه هو الإله الذي نادى بمحبة القريب كالنفس قائلاً “أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم” وعلمنا “إن جاع عدوك فاطعمه، وإن عطش فاسقه” وطلب منا أن نتعلم منه سبحانه فهو الذي يشرق شمسه على الأبرار والظالمين ويمطر على الأشرار والصالحين. ولم تكن أمي تعلمنا فقط أو تعظنا فحسب، بل كانت تعمل أيضًا ما يؤكد ويرسخ كلامها في أعماقنا. فمازلت أذكر أصدقاء الطفولة المسلمين، إبراهيم، وسيد وحسن ومحسن كيف كنا نأكل معًا في بيتنا أو في بيوتهم، ولم نكن نعرف لا نحن ولا هم سوى المودة والمحبة والطفولة البريئة. أما ماما مصر فعلمتنا أن لا يصح تهنئة المسلم للمسيحي في عيد القيامة، فهم عباد الصليب، وما للصليب من وجود، فما صلبوه وما قتلوه، لكن شبه لهم، فمن يسلم على نصراني أو يهنئه بعيد القيامة فقد ارتكب إثمًا كبيرًا، ولولا قليل لأحيا المسلمون الوثيقة العمرية التي أوصى فيها الخليفة العادل عمر بن الخطاب المسلمين أن لا يصافحوا النصارى، وأن لا يسمحوا لهم أن يسيروا على جانب الطريق، ولا يمشطوا شعورهم كما يمشط المسلمون، وإن دخل مسلم إلى كنيسة فلزامًا على من فيها أن يأويه ثلاثة أيام مطعمين إياه من أموالهم وإلى غير ذلك من الشروط التي سطرها الخليفة العادل.

    آه، فيعوزني الوقت ومساحة للنشر لأسرد كل نقاط الاختلاف بين أمي ومصر، لكني وإن لم أكن بقادر أن أدعو مصر أمي إلا إنني كما علمتني أمي الحقيقة، فأنا مازلت أحب مصر وأتمنى أن تفوق من غيبوبتها وتتوب إلى إلهنا لأنه يكثر الغفران، وحتى يتم لها ذلك أقول لها أعذريني يا مصر، فأنتِ لستِ أمي، فأنت بحالك الذي أنت عليه اليوم لا تستحقين لقب أمي، وأنا لست ولدك، اعتبريني صديق، أو طبيب يحاول علاجك وإصلاحك ويطلب شفائك، وعلى استعداد أن يعمل كل ما يلزم لك حتى ترجعي إلى رشدك وصوابك، أما كلمة أمي، وهي واحدة من أغلى الكلمات على لساني، فلا يمكنني أن أقولها لكِ، عودي يا مصر وازرعي الحب والسلام والمودة بين أبنائكِ، عودي يا مصر ولا تفرقي بينهم، وساوي بينهم في الحقوق والواجبات فيحبونك ويلتفون حولك من جديد، عودي يا مصر واطلبي السلام والحق والعدل، فالبر يرفع شأن الأمة وعار الشعوب الخطية، توبي يا مصر عن شرك وعنادك وكبريائك واعلمي أن الله لا يشمخ عليه، توبي يا مصر واعترفي أن المولى متسلط في مملكة الناس، وكما فعل مع ملك الملوك، نبوخذ نصر ملك بابل، في القديم بأن نزع عنه ملكه وطرده كالحيوان فامتلأ رأسه من ندى الليل وزال عنه ملكه لسبعة سنين يمكنه أن يفعل مع كل مسئول فيكِ، وكل من لم ينتبه أنه تعالى جالس على كرة الأرض ومتسلط في مملكة الناس، عودي يا مصر كبيرة عظيمة شامخة فما بقي من الزمان زمان وسيأتي الديان وسينصب الميزان وسيحكم بين الناس كحكم عادل وأجرته معه ليجازي كل واحد حسب عمله، عودي يا مصر حتى يتم لك القول مبارك شعبي مصر. وإلى كل أم في مصر، مسيحية كانت أم مسلمة، فقيرة كانت أم غنية، كل سنة وأنتِ طيبة، بارك الله فيكن جميعًا، وجزاكن خير الجزاء، فأنتن عطية الله الصالحة الرائعة في هذه الدنيا، ولولاكن ما كنا قد جئنا إلى هذه الأرض، ولولاكن ما كنا قد عرفنا الحب والجمال.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا