لغة المشاعر

1

هايدي حنا

مشاعر النقص

مشاعر اليوم التي نحتاج أن نعبر عنها بصورة صحيحة هي مشاعر النقص، والمقصود هنا الوعي بها، وذلك كي نتخلص منها؛ فهذه المشاعر تأثيرها خطير على صاحبها وعلى الآخرين في حال عدم القدرة على معرفتها أو إنكارها. ولعل أقوى قصة في الكتاب المقدس توضح تلك المشاعر هي قصة هامان ومردخاي في سفر أستير.

كان هامان بمثابة رئيس الوزراء (أستير ٣: ١-٢):
“عظم الملك أحشويروش هامان بن همداثا الأجاجي ورقاه، وجعل كرسيه فوق جميع الرؤساء الذين معه. فكان كل عبيد الملك الذين بباب الملك يجثون ويسجدون لهامان، لأنه هكذا أوصى به الملك”.

بينما كان مردخاي حارسًا في القصر الملكي (أستير ٢: ٢١):
“في تلك الأيام، بينما كان مردخاي جالسًا في باب الملك”.

فالمنطقي أن الذي يشعر بالنقص هو مردخاي، لكن من خلال قراءة سفر أستير سوف نجد أن هامان هو الذي كان يعاني من تلك المشاعر:

1.      تضايق من مردخاي عندما لم يقبل السجود له، مع أنه يعرف اختلاف ديانته عنه، وأنه لا يجوز السجود إلا لله؛ (أستير ٣: ٥):
“ولما رأى هامان أن مردخاي لا يجثو ولا يسجد له، امتلأ هامان غضبًا”.

2.      ظل يحاربه حتى وصل به الأمر إلى أن دبر مكيدة، ليس لقتله هو فقط، بل لقتل كل شعبه؛ (أستير ٣: ٦):
“فطلب هامان أن يهلك جميع اليهود الذين في كل مملكة أحشويروش، شعب مردخاي”.

3.       كانت كراهيته له شديدة، كراهية يمكن أن تعكر سلامه؛ (أستير ٥: ٩):
“فخرج هامان في ذلك اليوم فرحًا وطيب القلب. ولكن لما رأى هامان مردخاي في باب الملك ولم يقم ولا تحرك له، امتلأ هامان غيظًا على مردخاي”.

هذه هي مشاعر النقص:

مشاعر عميقة غير واعية بداخل الإنسان تجعله يرى نفسه أقل من غيره، ولا يستحق الاهتمام من أحد، وكأنه غير مرئي، مهما كان مركزه عاليًا أو غنيًا أو مشهورًا. وقد يصل الأمر إلى أن يحاول إيذاء غيره بتشويه سمعته، أو إلحاق الضرر به في عمله، لمجرد أنه مختلف عنه في الرأي، لأنه يترجم هذا الاختلاف على أنه تقليل من شأنه، ولهذا السبب لا يقتنع برأيه.

من أسباب تكوين تلك المشاعر في الإنسان:

1.      تعرضه وهو طفل لكلمات سلبية من والديه، مثل كلمات الإهانة والألقاب: غبي، كسلان، لا تفهم… أو استخدام أسلوب المقارنة الذي يجعله يرى نفسه أقل من غيره.

2.      تعرضه للتقليل من شأنه من المجتمع، وذلك إذا كانت حالته المادية متواضعة، أو كان مركزه أو مركز أسرته متواضعًا، أو لم ينل قسطًا عاليًا من التعليم.

ما تأثير عدم وعيك بمشاعر النقص؟

1.      التركيز على عيوب الآخرين محاولة منك لتشويه صورتهم.

2.      عدم قبول أي نقد، مهما كانت علاقتك بالناقد، ومهما كانت طريقته.

3.       الكبرياء في طريقة تعاملك مع الآخرين، خاصة الأكثر نجاحًا منك.

كيف تتعامل مع هذه المشاعر؟

1.      إدراك أساس قيمتك الحقيقية؛ فقيمتك ليست مرتبطة بالأمور الخارجية مثل المظهر أو التعليم أو المال أو الشهرة، بل إن أي محاولة لامتلاك الأمور المادية هي علاج سطحي للشعور بالقيمة. والدليل على ذلك القصص التي نعرفها عن المشاهير والأغنياء الذين أنهوا حياتهم بالانتحار بسبب معاناتهم من الاكتئاب. إن قيمتك في صفاتك وروحك الطيبة الوديعة التي تنشر السلام في أي مكان أو مجموعة تدخل فيها:
“طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يدعون” (متى٥: ٩).

2.      في بداية التعامل مع مشاعر النقص، ضع أهدافًا صغيرة تستطيع الوصول إليها سريعًا كي تتذوق طعم النجاح، وعليك أن تشجع نفسك بما أنجزته وتحتفل بهذا النجاح، مما يزيد من ثقتك بنفسك.

3.       في كل مرة تنجح، اكتب نجاحاتك مهما كانت صغيرة؛ فهذه النقطة مهمة لأنها تجعلك ترى نفسك ناجحًا، فتزداد ثقتك بنفسك، خاصة في الوقت الذي تشعر فيه بالإحباط.

4.      ابتعد عن الشخصيات التي تنمي مشاعر النقص لديك، وذلك من خلال تعزيز سلوك المقارنة عندك مع الشخصيات الأكثر نجاحًا منك.

5.      توقف عن:

جلد نفسك والتقليل من قدراتك.
الاعتقاد بأنك أفضل من الآخرين والتركيز على ضعفاتهم.
متابعة الشخصيات التي تثير غيرتك لأنهم أكثر نجاحًا منك، ومقارنة نفسك بهم، مما يزيد من مشاعر النقص لديك.
محاولة إرضاء الآخرين؛ لأنك مهما حاولت ستجد الآخرين غير راضين عن محاولاتك، مما يزيد من مشاعر النقص لديك، فإرضاء الآخرين صعب.
6.      تذكر إحسانات الله لك واشكره عليها، فهذا يساهم في زيادة ثقتك بنفسك، حيث ترى أنك تمتلك مواهب، وعملًا، وأسرة، وصحة، وذلك بدلًا من النظر إلى الآخرين والرثاء على النفس.

هذه الخطوات السابقة، لكي تنجح، تحتاج أن تقوم بها بالتوازي، أي معًا، وليس بالتوالي واحدة تلو الأخرى، حيث إن كل خطوة تعتمد على غيرها، وليس على انتهاء الخطوة السابقة.

أخيرًا، لا تحاول تأجيل الوعي بتلك المشاعر والتعامل معها، فإن إهمالها يؤثر سلبًا على صاحبها، وليس على الآخر. ولعل هامان أقوى مثال لنا، حيث كانت نهايته أن صلب على الخشبة التي أعدها لمردخاي (أستير ٧: ١٠):
“فصلبوا هامان على الخشبة التي أعدها لمردخاي”.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا