لعلها قراءة إيجابية لرسائل المسيح

26

مدحت بشاي

لعل أهم ما ينبغي أن نتذكره ونحتفي به بعد الاحتفال بأعياد الميلاد المجيد وعيد الغطاس وغيرها من الاحتفاليات الروحية أن نعاود قراءة رسائله العظيمة إلينا، والتي من أهمها ضرورة التشابك الإيجابي والتفاعل المثمر والبناء واتخاذ المواقف والقرارات الناجزة في كل ردود الفعل الأرضية، ففي عصره تم نبذ المولود أعمى والأبرص والمرأة السامرية وغيرهما بنظرة سلبية مدمرة محطمة وبآليات و أشكال شيطانية. وكان السيد المسيح دومًا يقدم المبادرات الإيجابية، فالمرأة السامرية لم يعاتبها المسيح بطريقة سلبية بل قال لها: “حسنًا قلتِ” ولم يجرحها..! ولم يتعد على خصوصيتها أو يؤلمها، فهذه هي طريقة التفكير الإيجابي البناء الذي يعتمد على توصيل المعلومة والموقف ورد الفعل للمتلقي بطريقة جيده حسب الفكر الذي يتبناه فيتغير التفكير بتجاوب فعال .

ولكن يبدو من باب المبالغات والتندر ما قد شاع في الأوساط المسيحية أن المواطن المسيحي يبدو على ملامحه وسلوكياته ما يميزه مثل التهذيب المبالغ في درجته والخجل الشديد إلى حد وصفه أنه من يسير دومًا جنب الحائط على طريقة الفولكلور المصري “ابعد عن الشر وغني له” أو “الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح”

وبالطبع لا يمكن القبول بمثل تلك المبالغات بشكل كامل وعام وفي كل الأحوال والبيئات، والتي أعتقد أن الدراما الإذاعية والسينمائية منذ زمن الأبيض والأسود قد ساهمت بمبالغاتها بنية طيبة في نشر تلك الصور الكاريكاتورية، فالمصري اليهودي أخنف الصوت (أصابه ضيق في تجويف الأنف فينطق الأصوات الأنفيَّة كالمزكوم يغلب على نُطقه الخَنَف) وهو البخيل المقتر، والمصري المسيحي هو الطيب المتسامح الأمين، وعليه كان دومًا هو الصراف والجواهرجي وموظف الحسابات والصيدلي، وكلها مهن محجوزة في الدراما للمواطن المسيحي وهو ما انعكس إلى حد ما في الواقع والعكس أيضًا..

ولعل المؤسسة الدينية المسيحية (الكنيسة) قد ساهمت في دعم حالة المبالغة في تشكيل تلك السمات السلبية في الذهنية المصرية عندما تصور رجال الدين (الإكليروس) أن تكثيف الأنشطة الروحية والاجتماعية وتقديم الخدمات الإنسانية داخل الحرم الكنسي والمباني الملحقة بها في شكل مجتمعات مغلقة، إلى جانب الإصرار من جانب الدولة والكنيسة معًا في اتفاق أزلي على أن تمثل الكنيسة المواطن المسيحي في كل الأحوال وفي كل الظروف، قد ساهم أيضًا في حالة الانسحاب المرضي من جانب المواطن المسيحي من المشاركة الاجتماعية والسياسية الجادة بحماس وإيجابية، مثل التراجع عن الدخول في الأحزاب والتقدم للترشح في الانتخابات في مجالس النقابات والنوادي والأحزاب والجمعيات الأهلية وغيره ..

يقول الأب القمص أفرايم الأنبا بيشوي أيضًا حول الإيجابية الكنسية: “سواء كنا رعاة أو رعية، خدامًا أو مخدومين، يجب علينا أن نكون متشبّهين بأبينا السماوي الذي يريد لنا أن نشترك معه في العمل ونحتمل الآخرين “محتملين بعضكم بعضًا في المحبة” (أف 4: 2). الإيجابية تمنحنا الانقياد لروح الله، روح الخدمة الحارة والإفراز والتمييز والسعي نحو خلاص أنفسنا وخلاص الآخرين والصلاة من أجل سلام الأسرة والكنيسة والوطن وأعضائه، والمشاركة في مجالات الخدمة في الكنيسة تستوجب أن نعيش في سلام ونعكف علي كل ما هو للسلام عاملين بقول الرب: “طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون” (مت 5: 9). نخدم بإيجابية هادئة في إنكار للذات وتواضع قلب بلا تحزّب ولا تشويش  “حيث الغيرة والتحزب هناك التشويش وكل أمر رديء” (يع 3: 15).”فإنكم إنما دعيتم للحرية أيها الإخوة غير أنه لا تصيروا الحرية فرصة للجسد بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضًا” (غل 5: 13). نشارك في صلوات الكنيسة وأنشطتها فالكنيسة هي أمٌّ لنا ولا يستطيع أحد أن يقول إن الله أبي ما لم تكون الكنيسة أمًا له، فنشارك في مختلف مجالات الخدمة حسب ما يناسب ميولنا وقدراتنا.”

عندما دخل السيد المسيح الهيكل ووجد الباعة والصيارفة بشكل لا يتناسب مع قدسية المكان طردهم وقال لهم: “مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص” (مت 21: 13).. وهي رسالة إيجابية لدعم حالة الانتماء والغيرة الروحية..

ولأن رسالته كانت تتسم بالحب و صنع السلام والعطاء وعمل الخير، فقد طالب أن يكون لنا دور فعال نحو العالم الذي نعيش فيه مثل النور الذي يبدد الظلام” فليضيء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة و يمجدوا أباكم الذي في السماوات” (مت 5: 16).

و كان يمتدح إيجابية السامري الصالح والعشار في صلاته وعطاء المرأة الفقيرة.. يمتدح الإيجابيين ليكونوا النموذج الإيجابي القدوة ..

ونبه على ضرورة الفصل وعدم الخلط بين الواجبات المدنية والعبادة، والفصل بين الكنيسة والدولة فالمسيحي مواطن صالح “أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (مت 22: 21).

والدعوة إلى نشر رسائل المحبة للجميع حتى الأعداء: وهي محبة ليست بالكلام بل بالعمل والحق “لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق.” (1 يو 3: 18).

والتأكيد على أن السلوك المسيحي هو بالروح لا بالحرف: “لأن الحرف يقتل ولكن الروح يُحيي” (2 كو 3: 6). فالشكلية والحرفية تقتل الوصية لأنها تفرغها من مضمونها!

والكلام الإيجابي هو كلام خير، يبني ويشجع، كلام حكمة ومعرفة، كلام يصرف الغضب.. إلخ، أما الكلام السلبي فهو كلام شر، يهدم ويحبط، كلام تذمر ومذمة، كلام يثير الخصومات.. “لأنك بكلامك تتبرر وبكلامك تدان” (مت 12: 37).

ولا شك أن الإيجابيين يعطيهم الله مواهب خاصة تساعدهم على التميز والنجاح. “أيها الحبيب في كل شيء أروم (أريد) أن تكون ناجحًا و صحيحًا (بصحة جيدة) كما أن نفسك ناجحة.” (3 يو 2) قال القديس مار إسحق:” بقدر ما يجاهد الإنسان ويغصب نفسه من أجل الله، هكذا معونة إلهية ترسل إليه وتحيط به وتسهل عليه جهاده وتصلح الطريق قدامه “النجاح في الحياة.”

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا