كأس العالم وإقحام الدين في الرياضة

17

نشأت أبو الخير

  بدء ذي بدء، يعيش العالم في هذه الآونة تداعيات مشاهدة ومتابعة والتفاعل مع بطولة كأس العالم 2022 في نسختها الـ 22 في قطر والتي تقام دائمًا ما بين منتصف يونيو والنصف الأول من يوليو لكنها أقيمت هذه المرة ما بين منتصف نوفمبر والنصف الأول من ديسمبر من أجل عيون قطر. فلشدة الحرارة في قطر في فصل الصيف، تم إرجاؤها للشتاء. ودعوني قبل أن أدخل في لب الموضوع وما أهدف إليه في هذا المقال أبدأ بمدخل أو مقدمة قد تطول بعض الشيء لكن لتتضح الصورة أكثر خاصةً لغير المتابعين لكرة القدم العالمية.

  مسابقة كأس العالم لكرة القدم هي كبري المسابقات العالمية وقمتها. تتقدم الدول التي ترغب في استضافة البطولة بملفاتها للاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا”، والدولة التي تستوفي شروط الفيفا يُسند إليها تنظيم البطولة والتي يتابعها ملايين الملايين حول العالم من عشاق الساحرة المستديرة. وتُعتبر هذه المسابقة قمة المسابقات العالمية، وقد مرت برحلة تقترب من المائة عام، حيث نُظمت أول بطولة في أورجواي بأمريكا الجنوبية عام 1930 وفازت بها أورجواي. أما النسخة الـ 22 فقد أُقيمت في قطر 2022 وفازت بها الأرجنتين بقيادة الفتى الذهبي الأسطورة ليونيل ميسي. وما بين نسخة أورجواي ونسخة قطر، احتكرت تنظيم البطولة قارتان اثنتان هما أوربا وأمريكا الجنوبية (اللاتينية) باستثناء بطولات المكسيك 1970، والولايات المتحدة 1994، والاثنتان من “أمريكا الشمالية”، واليابان بالاشتراك مع كوريا الجنوبية 2002 (آسيا)، وجنوب إفريقيا 2010 (إفريقيا)، وقطر 2022 (آسيا) (وقطر هي أول دولة عربية وشرق أوسطية تفوز بتنظيم كأس العالم). وبما أن أوروبا وأمريكا الجنوبية تضمان أعظم أندية وفرق العالم وأعظم اللاعبين في العالم، فقد انحصرت المنافسة والفوز بكل البطولات بين القارتين بـ 12 لقبًا لأوربا (إيطاليا 4 بطولات، المانيا 4، فرنسا 2، انجلترا 1، إسبانيا 1) مقابل 10 ألقاب لأمريكا الجنوبية (البرازيل 5 ألقاب، الأرجنتين 3، أورجواي 2).

  المهم تم إسناد تنظيم البطولة الحالية إلى تلك الإمارة الصغيرة، قطر، بعد منافسة مع القوى العظمى للكرة والتي أرادت تنظيمها لكنها أُسندت إلى قطر بفعل فاعل وبطرق ملتوية ليس مجالها الآن، ولندخل للب الموضوع.

  كان هذا المونديال دراماتيكيًا بامتياز في منافساته ومفاجآته، ورغم ما حمله تنظيم قطر من إيجابيات من حيث التنظيم والاستعدادات والبنية التحتية والإقامة بالفنادق والتنقل والملاعب، لكن كانت هناك جوانب سلبية بارزة بسبب ما يسكن العقل العربي ويعشش في خلايا الفكر الإسلامي المعاصر الذي شوهته تيارات الإسلام السياسي وصادرت فيه العقل لمصلحة النقل على حد تعبير الكاتب المستنير دكتور خالد منتصر.

  وقد بدأت كرة القدم في بلاد الإنجليز وانتشرت في أوربا وأمريكا الجنوبية وبالتالي قدمت لنا هذه القارات أعظم الأندية والفرق واللاعبين على مر التاريخ ثم انتشرت كرة القدم في باقي القارات والدول، كما أن هذه الأندية الأوربية الكبيرة فتحت أحضانها وملاعبها للقادمين والوافدين إليها من الدول الإفريقية والعربية ولم تميز أو تفرق بينهم وبين لاعبي البلاد الأصلية والذين يحملون جنسياتها ومنحتهم الشهرة والمال والمجد الكروي. ويا للعجب العجاب، فقد وجدنا في المونديال الذي أقيم في قطر ما يشبه التحالف الجماهيري العربي الإفريقي الآسيوي الديني ضد الفرق الأوربية والأمريكية، فوجدنا المشجعين العرب يشجعون الفرق العربية ثم الإفريقية ثم الآسيوية حينما تلعب فرقهم ضد الفرق الأوربية والأمريكية. ولم يكتفوا بإقحام السياسة في الرياضة حينما بعثوا برسالة مدوية مفادها أن القضية الفلسطينية على رأس أولوياتنا، بل قاموا أيضًا بإقحام الدين في الرياضة من خلال ما يدور في رؤؤسهم من أنه لا بد من مناصرة بلاد المؤمنين من العرب والأفارقة والمسلمين ضد بلاد الكفر والإلحاد من الفرنجة الأوربيين والأمريكيين. وتتوالى المباريات وتخرج الفرق العربية والإفريقية والآسيوية من الأدوار الأولى باستثناء المنتخب المغربي الذي واصل تألقه بالوصول إلى المربع الذهبي الدور قبل النهائي ليقابل في هذه المباراة فرنسا بطل العلم، فتحولت المؤازرة إلى الفريق المغربي رغم خروج مدرب المنتخب وليد الركراكي في تصريح بقوله: “نحن لا نمثل العرب. نحن نمثل المغرب أولًا وإفريقيا ثانيًا”، وقول بعض مشجعي المغرب: “نحن أمازيغ ولسنا عربًا.” ورغم ذلك انحازت الجماهير العربية والمعلقون العرب والإعلام العربي لصالح المغرب ضد فرنسا. أنا اعرف أن جماهير كل دولة تشجع فريقها المشارك في البطولة، وإن خرج من الأدوار الأولى أو لم يكن مشاركًا ينقسم المشجعون حول العالم بعد تشجيع منتخباتهم إذا كانت مشاركة إلى تشجيع القوى الكروية العالمية مثلًا ما بين فرنسا وانجلترا أو ألمانيا وإيطاليا أو إسبانيا والبرتغال أو الأرجنتين والبرازيل أو على مستوى الأندية ريال مدريد وبرشلونة، لكن في ملاعبنا العربية ترى العجب.

  تناقلت منصات السوشيال ميديا والمواقع والصحف مع انطلاق المونديال خبر وصول داعية هندي واثنين من الدعاة المصريين. سافر هؤلاء في مهمة خطيرة، وهذه المهمة هي دعوة جماهير المونديال للدخول في الإسلام. وبدأ سباق تديين المونديال بصورة هيسترية، وبدأ داعية يفتخر بأنه أدخل 500 أجنبي إلي الإسلام في يوم واحد ليرد داعية آخر بأنه جعلهم ينطقون الشهادة في نصف ساعة وكأننا في مزاد. بالله عليكم، كيف أقنع هؤلاء الأجانب الذين لا يعرفون اللغة العربية بالدخول في الإسلام بهذه السرعة؟ وهل ردد هؤلاء كالببغاء وراءه كلمات لا يفهمونها؟ وللأسف دخل المحللون الرياضيون على الخط. والتساؤل الذي يطرح نفسه هو: لماذا يتم استدعاء الشعارات الدينية في مجال رياضي لدرجة أنهم اعتبروا فوز فريق المغرب على إسبانيا وحدة للأمة الإسلامية وكأن هزيمته من فرنسا ستفرِّق الأمة الإسلامية. ثم ردد بعض الرياضيين، ومنهم مَنْ عاش واحترف في أوربا، أن العرب استعادوا الأندلس في مباراة إسبانيا. وسمعت كلمات مثل “الغزو” و”الفتح”، ثم وصلوا إلى قمتهم بعد هزيمة المغرب أمام فرنسا عندما سخر البعض من تلك الهزيمة بقولهم إنها مؤامرة العالم الغربي على العرب والدين الإسلامي. ونقول لهم: إذا كانت مباراة فرنسا فيها مؤامرة فلماذا لم يتآمروا في الأدوار الأولى لإقصاء المغرب وانتظروا حتى الدور قبل النهائي؟ أي منطق هذا؟ ثم لا تنسوا أن فريق المغرب كان يلاعب فريق فرنسا بطل العالم المدجج بالنجوم. ثم ما رأيكم في مباراة المركز الثالث والرابع بين كرواتيا والمغرب؟ هل تآمر الحكم القطري العربي أيضًا لهزيمة المغرب وهو الذي جامل المغرب بعدم احتساب ضربتي جزاء لصالح كرواتيا؟ لماذا تقحمون الدين في كل شيء حتى في الرياضة؟ لماذا يتم استدعاء الشعارات الدينية في هذا المحفل الرياضي العالمي؟

  قراءنا الأعزاء: بمناسبة حلول أعياد رأس السنة والكريسماس والسنة الميلادية الجديدة 2023 م وعيد الميلاد المجيد في 7 يناير 2023 م، كل سنة وحضراتكم طيبون وبخير ويعيد الرب عليكم الأيام بالخير.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا