تحريف وتخريف

16

العدد 7 الصادر في يوليو
تحريف وتخريف

 

أحلم باليوم الذي أرى فيه المسيحيين والمسلمين وقد تحاببوا وانتفت من بينهم أسباب الصراع والخلاف، أحلم بوطن يحترم فيه كل الآخر، ويتمتع فيه الجميع بالحرية التي خلقنا الله لنستمتع بها دون ترغيب أو ترهيب، أحلم باليوم الذي فيه نترك الصغار يلعبون معاً في الشارع والحارة العربية دون أن يسأل أحدهم الآخر عن دينه واسمه وهويته، أحلم باليوم الذي تلغى فيه خانة الديانة من البطاقة وجواز السفر، أحلم برجوع الحب المفقود بين أبناء الوطن الواحد بعد أن قتله من نصبوا أنفسهم أوصياء وأولياء وكبار للعائلة المصرية فلقوا حتفهم جزاءاً لهم بما كانوا يفعلون.

ترى هل من الممكن أن يتحقق هذا الحلم الجميل قبل قيام الساعة، حاولت القيام بتقصي الحقائق والبحث من مسببات النزاع والخلاف والصراع فرأيت أن أعظم أسباب الخلاف والصراع بين المسيحيين والمسلمين الآن وكل أوان كان ولا يزال يدور حول كتاب الله، أي كتاب هو؟ ما دون به، ما هو تأويله وتفسيره، وإذا ما كان قد تحرف من عدمه، ولعل فكرة تحريف الكتاب المقدس هي أم الخلاف الذي ترتب عليه كل ما نرى اليوم من صراع. فالإخوة المسلمون يرون أن التوراة والإنجيل قد تحرفا ولم تعد هي ما سلمه لنا المولي تبارك اسمه وهذا كما قلت أساس الصراع. وعليه فإن النصارى في نظرهم يؤمنون بكتاب محرف ولذا فهم المغضوب عليهم والضالون. وبالتالي لابد من هدايتهم بكل الوسائل وحق الجهاد ضدهم. ولو كان المسيحيون قد حفظوا كتبهم من التحريف (كما يعتقد الإخوة المسلمون) لآمنوا أن الإسلام هو الامتداد الطبيعي للمسيحية كما أن المسيحية هي الامتداد الطبيعي لليهودية. ولكفوا المؤمنين شر القتال.

ولذا تطالعنا الصحف والجرائد والمجلات وبرامج التليفزيون والإذاعات كل يوم بسيل من الاتهامات والتعليقات، وقد تصل إلي حد الشتيمة والإهانات ومحاولة إشعال الفتنة بين صفوف الأمة وتفجير الصراعات وكلها تدور حول كتابكم المحرف التوراة والإنجيل.

ولست بمدافع عن كتاب الله التوراة والإنجيل، فكتب الله المنزلة هي منزهة عن كل باطل يأتيها من بين يديها أو من خلفها، وكتب المولى تبارك اسمه تقف شامخة متحدية كل من يحاول العبث بها أو تحريفها، والأنبياء الذين استخدمهم المولى في كتابتها ليسوا في حاجة لأن يدافع عنهم من في الأرض فهم اليوم في سماء أعدها المولى لهم جزاء من عند ربهم بما قاسوا وتحملوا لكي يدونوا لنا الحق كل الحق. وبالتالي فلن أسوق من الأدلة العلمية والروحية والتاريخية والعقلية والمنطقية ما ينفي عن التوراة والإنجيل تهمة التحريف والعبث. مع أن لدي منها الكثير فليس هذا هو المقام، ولكن ما أريده هو أن نكتشف معاً مسيحيين ومسلمين أسباب الداء ونطلب معاً الدواء من رب السماء لنقضى بقية أيامنا في سعادة وهناء ونضع حداً لمشكلاتنا وصراعاتنا ونترك الكلمة الأخيرة للمولى تبارك اسمه لنتجنب العيش في الإرهاب والعذاب.

وللوصول إلى هذا المرام لابد من الإجابة على ثلاثة أسئلة وهي:-

  1. لماذا يصر الإخوة المسلمون على مسألة تحريف الكتاب المقدس، ألا يمكن أن يتنازلوا عن استخدام هذه الفكرة ضد أهل الكتاب؟

2. وإن كان من المستحيل التنازل عن هذه الفكر، أفليس هناك من بدائل وأطروحات توقف أو تقلل هذا الصراع؟

3. وأخيراً ما هي الخطوات العملية التي يمكن أن يتبعها المسيحيون والمسلمون للعيش في وفاق؟

أما لماذا يصر الإخوة المسلمون على مسألة التحريف في كتاب الكتب التوراة والإنجيل أقول: لأن هذه هي أسهل وأقرب وسيلة للتنكر لكل ما جاء بها ويخالف ما جاء بالقرآن. فمن المفترض أن ما جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن هو وحي من واحد فقط قادر عليم جبار، وهو فكر المولى تبارك اسمه للبشرية جمعاء ليهدي عبيده الضالين وليرشدهم إلى طريق النعيم الأبدي لعلهم يتدبرون ويتوبون ويرجعون إليه فهو يكثر الغفران. لكن الحقيقة، ومهما حاولنا إخفاءها أو تجاهلها أو نسيانها، أن هناك خلافاً كاملاً بين ما جاء بالإنجيل والقرآن.

ولم يتفق الاثنان إلا في الدعوة للمعروف والنهي عن المنكر وحتى هذه اختلفا في مفهومها وطرق الدعوة إليها وتطبيقها، وللتدليل على ما أقول أسوق ما يتيسر من الأمثلة البينات:-

أ‌- هناك خلاف بين الإنجيل والقرآن في أساس وقاعدة الوجود ألا وهي طبيعة المولى عز وجل، فالتوراة والإنجيل يقولان إن المولى تبارك اسمه هو القدير الجالس على العرش، القائم بذاته، من لا تأخذه سنة ولا ينام، وهو المعروف في المسيحية بالأب. وكلمته المتجسد جل شأنه وهو السيد الرب يسوع المسيح، والروح القدس أي روح المولى تبارك وتعالى، وهذه الثلاثة هى الله الواحد الذي لا شريك له.. ويرى الإخوة المسلمون أننا نعبد ثلاثة آلهة وهذا شرك بالله الواحد وإثم يستوجب الجهاد ضده ورد الآثمين إلى التوحيد بالموعظة الحسنة أو بالتهديد والوعيد أو بالسكاكين والخناجر والجنازير والحديد.

وهذه واحدة من الحقائق التي حرفناها في كتابنا فأضفنا الكلمة والروح القدس إلى الله الواحد، كما يراها المسلمون دون إبداء أسباب.

 ب‌- هناك خلاف بين المسيحيين والمسلمين حول طبيعة السيد المسيح تبارك اسمه، أهو مجرد نبي جاء منذراً وبشيراً لبني إسرائيل ولما رفضوه تحول إلى الأمم أم هو كلمة الله المتجسد الموجود قبل كل الوجود، الله الحق من الله الحق، ديان الأحياء والأموات ومالك يوم الدين الذي أطلق على نفسه تعبير ابن الله وهذه أيضاً حقيقة أخرى يرى الإخوة المسلمون أننا حرفناها في كتابنا، مع أنهم لا يبدون لهذا التحريف (كما يرون) أية أسباب أو حقائق تاريخية، روحية أو منطقية، فلا تجسد ولا ظهور فهذا تحريف وتخريف.

جـ – خلاف ثالث حول مكان وطريقة ميلاد السيد المسيح وكيفيتها، فالإنجيل يقول في أكثر من موضع أن السيد المسيح ولد في مذود إذ لم يكن له مكان في المنزل، وأن زواره كانوا أولئك الذين أعلن لهم المولى تبارك اسمه عن مولده وهم جماعة من رعاة الأغنام والحكماء الذين جاءوا من المشرق وعدد قليل من الأنبياء جاءوا ليسجدوا له ويقدموا له الهدايا والإكرام، ولم يذكر تنزيل الحكيم العليم أن الطفل يسوع المسيح قد تكلم في المهد صبياً رغم أهميتها بالنسبة للمسيحيين في حالة حدوثها. أما ما يؤمن به الإخوة المسلمون أن المسيح يسوع تبارك اسمه قد ولد تحت نخلة وأن زواره والمحيطين به كانوا من جاءوا ليلوموا القديسة العذراء مريم لأنها قد جاءت شيئاً فرياً وعنفوها بالقول ما كان أبوك امرء سوء وما كانت أمك بغياً مما جعل الطفل المسيح يدافع عن نفسه وعن والدته ويتكلم وهو في المهد صبياً، وبالطبع يؤمن المسيحيون بصحة رواية الإنجيل نظراً لأنها مدونة بالتفصيل في كتاب الله ستة قرون قبل تدوينها في القرآن وهي قصتهم وقصة نبيهم وإلههم وهم بها أولى وهم بها لعارفون. وبالطبع أيضاً يؤمن المسلمون أن قصة القرآن هي الأصح ولذا فلابد أن المسيحيين قد حرفوها أيضاً في كتابهم.

د- خلاف رابع حول طبيعة الإنسان الفاسدة ووراثته للخطية الأصلية من عدمه، فالمسيحيون يؤمنون أن الجميع زاغوا وفسدوا وأنه بالإثم تصور الإنسان وبالخطية حبلت به أمه، فهو خاطئ لأنه مولود من أب وأم، هما آدم وحواء اللذان أدخلا الخطيئة وطبيعتها الفاسدة في البشرية جمعاء. والمسيحية تقول إن الإنسان يعمل الخطية لأنه خاطئ من أصل خاطئ، أما الإسلام فيرى أنه لا يوجد ما يعرف بالخطية الأصلية وخطية آدم وحواء قد تحدث لهما عنها المولى فتابا، فتاب المولى على آدم ونسله. وبرغم أنه ما أقل الذين يتكلمون عن أصل الخطية في الإسلام إلا أنهم لا يقبلون نظرية المسيحيين في هذا الأمر، فلابد أن التحريف قد نالها أيضاً فهذا تحريف وتخريف. ولكن أمر الخطية الأصلية يتعدى أيضاً مجرد الاعتراف بها أو رفضها بل تتعدى أهمية هذا الأمر إلى نقطة خلاف أخرى وهي وجود الحاجة إلى فداء من عدمه، فإن كان الإنسان وارثاً للخطية الأصلية كما في المسيحية فلابد له من فداء، ضحية، ليخلصه من هذه الخطية، ولابد للفداء من فادي يفدي البشرية، ولابد لهذا الفادي أن يكون من بين الناس لكي يفدي الناس، ولابد له أن يكون هو نفسه بلا خطية حتى يستطيع أن يفدي غيره ولابد أن تكون له مكانة ومنزلة عند الله تجعل ذبيحته مقبولة وكافية لفداء العالم أجمع، وهذا كله متوفر في تسلسل طبيعي منطقي في المسيحية، أما الإسلام فيرى أنه لا لزوم للفداء، وبالتالي للفادي ويصبح ميلاد المسيح العذراوي ما هو إلا معجزة من المولى خص بها عبده ونبيه المسيح دون سواه وليس إلا.

ويرى الإخوة المسلمون أن كل هذا ما هو إلا من تخريف المسيحيين وتحريفهم لكتابهم التوراة والإنجيل.

أما الطامة الكبرى فتأتي في قضية الصليب، فلا مسيحية ولا خلاص من الخطية في المسيحية سوى بالصليب، ولم تخل رسالة واحدة أو سفر واحد من أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين من ذكر واضح لصلب المسيح، وحتى أسفار العهد القديم تتكلم عن الصليب والمصلوب، ومن هو، ما هي أوصافه، أين مكان وزمان ميلاده، طريقة ولادته، صلبه وتفرق أتباعه عنه عند الصليب، اقتسام ثيابه والاقتراع على رداءه عند الصليب، مكان صلبه، كيفية صلبه، مع من سيصلب، وكيف سيدفن، وعن قيامته من الأموات. وكلها تحققت في هذه الحادثة الرائعة التي تمت في مكانها وزمانها وبالطريقة التي وضعها تنزيل الحكيم العليم بآلاف السنين قبل مولد السيد المسيح. ثم بعد ستة عشر قرناً بعد أن توارث الأبناء عن الأباء والأجداد قصة الصليب، بعد أن بشر بها العالم أجمع فغيرت الخلق وأعطت لهم طبيعة الحملان بعد أن كانوا ذئاباً، بعد أن كتبت عن الصليب المؤلفات والمجلدات وأمهات الكتب والمخطوطات يأتي الإسلام ليمحوا كل هذه بعبارة واحدة “ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم”. وأن الذين يؤمنون بصليب المسيح أولئك هم في ضلال مبين وعليهم غضب الله إلى يوم الدين، فسيخلدون في الدرك الأسفل من جهنم النار جزاء لعصيانهم رب العالمين. ولا نفع من الكلام والإقناع بشتى أنواع الأدلة والبراهين فما صلبوه وما قتلوه ولكن شبه لهم. فهذا تحريف في كتاب الله الأمين سيحصد عذابه المسيحيون.

وفي قضية غفران الخطايا والمعاصي تؤمن المسيحية بأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة، وبدون ذبيحة لا قبول للإنسان لدى الله. وليس هناك ذبيح آخر غير المسيح عيسى بن مريم فادي العالمين. ويؤمن الإسلام بعشرات الأشياء التي تسمح للمسلم أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما نظرية الذبيحة وسفك الدم فهي رجس الشيطان سيؤدى بتابعيها إلى الجحيم فهذا تحريف وتخريف.

أما عن خاتم الأنبياء وسيد المرسلين فالكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد يعلمنا أن المسيا هو خاتم الأنبياء والمرسلين، بغض النظر عمن هو المسيا عند المسيحيين واليهود، وأنه لا وحي ولا كتاب بعد كتاب الله التوراة والإنجيل. ويرى الإخوة المسلمون أن خاتم الأنبياء وسيد المرسلين هو نبي الإسلام محمد بن عبد الله ويرون أن كتب الأولين التوراة والإنجيل تشهد عنه، لكن المسيحيين واليهود هم الذين نزعوا ذكره من كتابهم، محرفين ما أنزل العلي القدير، ويحاول الدكتور مصطفى محمود والدكتور النجار وكل الأزهريين وآخرين في كتابتهم أن يفسروا بعض المقاطع الكتابية لتأكيد نظرياتهم في تحريف التوراة والإنجيل.

وهناك خلاف في طريقة تطبيق الحدود، فلا حدود ولا شروط يطبقها الإنسان على أخيه الإنسان، فلم يعط المولى تبارك اسمه في المسيحية لأي من كان أن يقم الحد على سارق أو قاتل أو زان، فله وحده الدينونة وله يوم الدين، أما الإسلام فيؤمن بقطع يد السارق وجلد الزاني والزانية، وقتل المرتد عن الديانة إن لم يتب، وتطرف البعض في وسيلة تطبيق الحدود.

رأيت بعيني طريقة معاقبة طفل إيراني عمره 8 سنوات أحاط به عشرات الرجال لإقامة الحد عليه لأنه سرق رغيف خبز. لم يسرق المسكين الصغير خزانة الدولة ولا البنوك والمصارف، لم يسرق الصغير قوت الناس ولا استورد لهم الفراخ الفاسدة ولا الأسمدة المسرطنة ولا غذاء الكلاب والقطط وباعه على أنه بلوبيف صالح للاستخدام الآدمي. سرق الصغير المسكين رغيف خبز ليأكل ويملأ ولو جزءاً صغيراً من بطنه الخاوية. ورآه الشرفاء الواقفون حوله وأقاموا عليه الحد. رأيته وقد أمسك به الرجال وأرقدوه على الأرض وأجبروه على مد ذراعه الصغيرة تحت عجلة شاحنة كبيرة، يسوقها إنسان منزوع الضمير ليهرس بها ذراع الصغير وسط تهليل الكبار: الله أكبر الله أكبر. لم أستطع أن أكمل مشاهدة الفيلم، جرت من عيني الدموع، صليت لأجله ومن أجل منفذي الحكم فيه أن يفتح الله عيونهم ليروا مبدأ السيد المسيح وقوله الحق تبارك اسمه، لقد قال لأولئك الذين قدموا إليه المرأة التي أمسكت في ذات الفعل: “من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر فانصرفوا جميعاً مبتدئين من الشيوخ” تمنيت لو كان هناك مسيحي حقيقي يصرخ في هؤلاء الوحوش قائلاً: “من كان منكم بلا خطية فليصعد إلى السيارة ليقودها ويدهس بها ذراع هذا الصغير”.

ليست هذه الخلافات التي ذكرتها هي كل نقط الخلاف، فالمسلمون يؤمنون بجنات تجري من تحتها الأنهار، بها حور عين وأولاد مخلدون، تمر وعنب وشراب ممزوج، أما ما علمه السيد المسيح تبارك اسمه هو أن المؤمنين به كالفادي والمخلص الوحيد سيدخلون إلى سماء الأب حيث القداسة والجلال، لا يأكلون ولا يشربون، لا يزوجون ولا يتزوجون، بل يسجدون للحمل قائلين مستحق أنت أيها الخروف المذبوح أن تأخذ المجد والكرامة والغنى والقدرة والجلال والجبروت.. لأنك ذبحت واشتريتنا لله أبيك من كل قبيلة وشعب وأمة ولسان. وفي طريقة نشر الدعوة يرى المسلمون أن الجهاد فرض من فروض الرحمن وأنه كتب عليهم الجهاد كما كتب على الذين من قبلهم وأن من لم يمت مسلماً فلن يقبل منه إيمانه يوم الدين وهو والعياذ بالله من الخاسرين. والمسيحيون يؤمنون أن من لا يؤمن بالمسيح يسوع رباً وسيداً ومخلصاً وفادياً فنصيبه في البحيرة المتقدة بالنار والكبريت.

يرى المسلمون أن الإسلام دين ودولة، بلد تم فتحها سواء باستسلام أهلها لقوة الغزاة أو تلك التي أخذوها بسيوفهم هي ملك لهم وعلى أهلها أن يدخلوا في دين الله أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فلا يحق لهم فتح الكنائس فيها وإن تهدمت كنائسهم فلا تبنى. أما المسيحيون فيؤمنون أن لا غزو ولا فتح ولا جزية ولا خراج في المسيحية، فمن لم يؤمن بقلبه ويعترف بفمه بالسيد المسيح مخلصاً فلن يخلص، والمسيحية مملكة ملكها هو الله سبحانه وتعالى وحده الذي أعطى تلاميذه قوة على نشر كلمته وإقامة الموتى وشفاء المرضى بإذن الله.

ومن هنا نرى اتهام المسلمين لنا بتحريف كتابنا قد شمل كل ما في كتابنا من تعاليم، فإن كنا حرفنا طبيعة المولى تبارك اسمه وحرفنا حقائق طبيعة السيد المسيح وحرفنا قصة ومكان وزمان ميلاده، حرفنا قضية الصليب والفداء والقيامة، حرفنا حقيقة من هو خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، حرفنا في حقائق إقامة الحدود، وتعليم الدين والدولة، إذن فماذا بقى للمسيحيين من كتابهم الأصلي، فلم يعد هذا الكتاب كتاباً محرفا بل هو كتاب جديد كتبه ظلمة وكفرة وملحدون بالله، حتى أنهم غيروا كلماته وبدلوها وهو الذي لا مبدل لكلماته فإن آمن الأحباء المسلمون بالتوراة والإنجيل الذي بين أيدينا، واعترفوا بأنها غير محرفة وصحيحة، لن يقوم مقام للإسلام والمسلمين بعد، فعليهم أن يدخلوا في دين الله المسيحية. ولو آمن المسيحيون بوحي القرآن وحفظه كما هو، لتخلوا عن كتابهم وتعاليمهم ودينهم ولأصبحوا مسلمين.

فمما تقدم نأتي للنتيجة الحتمية المعروفة، وهى أنه لابد من الإيمان بأن أحد الكتابين قد تحرف وأدخلت فيه يد البشر كل هذا التخريف وهذا لن يحدث لا مع المسيحيين ولا المسلمين.

ولأن المسيحيين لا يؤمنون بكتابة كلمة واحدة ولا حرف واحد على ما دونه الله في التوراة وأسفار العهد القديم والجديد فهم لا يؤمنون بالإسلام والقرآن.

ولكن حيث التعاليم الإسلامية تؤمن بالرسل والأنبياء وما أوحى إلى موسى وعيسى من وحي دوناه في التوراة والإنجيل إذن فالحل الوحيد في نظر المسلمين أن هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو محرف، لعبت به يد البشر بالزيادة والنقصان.

وفي هذه الحالة يبقى الكتاب الوحيد المحفوظ دون تحريف هو القرآن، وعلى الكل أن يؤمن به، وهذا لن يحدث أبداً. إذن فأمر إيمان كل بكتاب الآخر هو درب من المستحيل بل ورابع المستحيلات.

لذا فنأتي للسؤال الثاني: أليس هناك بدائل لهذا الإيمان تضمن لنا تقليل أو منع هذا الصراع؟ إن البديل الوحيد لحل هذه المشكلة هو أن يظل كل من الطرفين يؤمن بما يؤمن به وعلى كل طرف أن يحترم حرية الآخر في اختيار دينه معتقده وأن لا يمنع أحد من ممارسة عبادته وشعائره الدينية في أية بقعة على الأرض. وهنا ستواجهنا عدة مشكلات أهمها أنه لا يمكن للمسيحيين أو المسلمين أن يتوقفوا عن الدعوة لدينهم فهذا تعليم واضح في الإنجيل والقرآن وإن توقفوا عن دعوتهم لأديانهم يكونون قد ارتكبوا خطأ جسيماً ضد تعاليم الكتابين. إذن فلنترك كل فريق يدعو الفريق الآخر للدخول في دين الآخر بلا قهر ولا إجبار، لنتشارك معاً في تعليم المسيحيين عن القرآن وتعليم المسلمين التوراة والإنجيل، ولنترك العبد ليقرر مصيره دون ترهيبه. ونضمن له الأمان من القتل والعذاب والاضطهاد إذا اعتنق دين الآخر، ولنترك المولى يهدى من يشاء ويسمح بأن يضل من يشاء.

أما عن الوسائل العملية التي تضمن تحقيق هذا كله فكثيرة لكن أهمها هي:-

1- أن تطلق حرية بناء الكنائس في أي مكان في البلاد العربية وهكذا حرية بناء المساجد.

2-  أن يعاقب بالحبس والغرامة من يتطاول على دين الآخر ومعتقده.

3- أن يسمح بإقامة المحاضرات والنقاشات الهادفة البناءة للتعرف على الطرف الآخر.

4- أن تعطى للمسيحيين حقوقهم في التعبير عن أنفسهم بوسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية كما هو الحال مع المسلمين.

5- أن تضمن الحكومات العربية أن أحداً لن يهدر دمه إذا نادى بدينه وأقنع به الآخر.

ولنترك الأمر كله لله سبحانه وتعالى فهو الهادي وهو المعين، لنترك له وحده الدفاع عن دينه وأنبيائه، وليعاقب هو الآثمة والمحرفين والضالين، وليقبل توبة التائب فهو الغفور الرحيم.

اللهم أصلح أحوالنا وشئون ديننا، اللهم هبنا محبة لنحب أعداءنا وكل الذين يسيئون إلينا ويضطهدوننا، اللهم اهدنا إلى ما فيه نفع أنفسنا وبلادنا، اللهم وسع مداركنا لنفهم أنك أنت القهار وأنك تحيى وتميت وأنت السميع العليم يا رب العالمين آمين.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا