النسيان! نعمة من الرحمن أم نقمة من الشيطان؟

0

العدد 129 الصادر في يونيو 2016
النسيان! نعمة من الرحمن أم نقمة من الشيطان؟

    ما أكثر الكلام عن النسيان في هذا الزمان وما أغرب وأخطر الروايات عن النسايين أو المرضى والمصابين بداء النسيان! أولئك الذين قد تصل حالتهم إلى محي كل ما في ذاكرتهم وأدمغتهم من أفكار، وعلى الجانب الآخر ما أكثر المخادعين الغشاشين أو المتحججين والمخططين لاستخدام شماعة النسيان للهروب من مسؤلياتهم وواجباتهم وتبعات تصرفاتهم، أو الذين يصرون على أن يصلوا بالأفراد أو الشعوب إلى نسيان كل ما يتعلق بأي موضوع يريدون أن يجبروا العامة على نسيانه والخضوع لهم لتنفيذ مخططاتهم وتمنياتهم! بالرغم من أن هؤلاء المخادعين هم عادة ما يكونون أكثر المتذكرين للأحداث والتفاصيل والمركزين في الأحاديث والأقاويل، وبالتالي هم الخبثاء عند استخدامهم لشماعة النسيان. ولست في شك أن قارئي العزيز لهذا المقال، أي من كان، في أي مكان أو زمان، لا شك أن لديه على الأقل قصة واحدة شخصية حدثت معه أو معها فيها نسي أمر أو مكان أو شخص أو حادثة كان يعتقد أنه لا يمكن أن ينساها على مدى الأزمان. حتى إن كتاب الكتب، الكتاب المقدس، علمنا أن حتى الأمهات يمكن أن ينسين أطفالهن الرضع في قوله تعالى: “هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك”.  وقد أطلق، سبحانه، على أرض الأموات التى نعيش عليها اسم “أرض النسيان” وذلك في قوله: “هل تعرف في الظلمة عجائبك وبرك في أرض النسيان؟” (مز88: 12) وقد تكون هذه القصص عن النسيان مضحكة أو مبكية أو حتى مخجلة، لكنها في الحقيقة قصص واقعية حدثت ولا يمكننا إنكارها أو استعادة الزمان الذي مضى لإصلاح ما أفسده الدهر وما ترتب على هذا النسيان من نتائج. وإليك قصتان حدثتا معي أنا شخصيًا، إحداهما مؤسفة مبكية أتأثر كثيرًا عند تذكرها، ولم أنسها تمامًا من سنين عديدة مع أنني لا أتذكرها، إلا عند التحدث عن خبراتي الشخصية مع قصص النسيان، أما القصة الثانية والتى سأتركها معك هي قصة مضحكة لكن لها دلالات كثيرة حماك الله من أقلها، أما القصة الأولى فحدثت عندما كنت في السنة الثالثة من دراستى في كلية طب الأسنان، كنت يومها أسكن في حي شبرا في المنطقة الواقعة بجوار ميدان الأفضل القريب من منطقة خلوصى، كانت هناك صيدلية بميدان الأفضل أي على بعد أمتار من البيت الذي كنت أسكن فيه، وكانت لي أخت مريضة تعاني من آلام مبرحة في مفاصلها ولا يمكن أن تنام إلا إذا تناولت بعض الأدوية المسكنة التي كانت تساعدها على تحمل الآلام، طلبت منى والدتي أن أذهب لأشتري لأختى المريضة المسكن من الصيدلية القريبة من بيتنا، ارتديت ملابسي وأخذت منها ثمن الدواء ونزلت لأحضره من الصيدلية، لكني لم أعد إلى منزلي إلا في نفس الميعاد من اليوم التالي أي بعد مرور أربع وعشرين ساعة على خروجي من البيت، وبالطبع لم أحضر معي الدواء المطلوب، سألتني والدتي: لماذا لم تحضر الدواء لأختك بالأمس، قلت ماذا تقصدين وعن أي دواء تتكلمين، قالت ألم تخرج بالأمس في نفس هذا الوقت لتشتري دواء لأختك من الصيدلية القريبة منا، صمت برهة كأنها الدهر محاولاًأن أستعيد أحداث الأمس، وبعدها تذكرت خطيئتي، ضحكت بمرارة وقلت لها ماما تعرفي “إحنا مرات بنتصرف زي الحافظين مش فاهمين”، أجابت والدتي: فاهمين “ماذا تقصد بحافظين مش فاهمين؟”، أجبتها: “أنا هقول لك يا ستي إيه اللي حصل إمبارح بالضبط، أنا نزلت من هنا رايح الصيدلية، لكن قبل أن أصل إلى الصيدلية كنت قد نسيت لماذا نزلت من البيت، والحقيقة إنني نسيت أمر إحضار الدواء بالمرة مع أننى مررت أمام الصيدلية مرتين، مرة بالأمس في طريق ذهابي واليوم في طريق عودتي إلى البيت، وبدون تفكير ذهبت كالحافظ طريقه ومش فاهم لماذا يسير في هذا الطريق، فذهبت إلى الكنيسة حسب عادتي اليومية وقضيت بها بعض الوقت، وبعدها قررت أن أذهب وأقضى الليلة في بيت أختى الكبرى بالخلفاوي، والآن أنا رجعت بالسلامة وبرضه نسيت أجيب لأختى العلاج معايا!”، ضحكت أمي وقالت: هذا ما كنت متأكدة تمامًا من حدوثه ولذلك انتظرت عودتك إلى الآن، والحمد لله أن أختك كان عندها بقايا من الدواء من العبوة القديمة فاستعملته بالأمس وإلا لكانت ليلتها ستكون مؤلمة وطويلة جدًا، لم أدر عندها ما كان على أن أعمله، هل أبكي على ما حدث منى، بالرغم أنه لم يحدث عن قصد أو عمد، أم أضحك على نفسي ومنها، بالحقيقة حزنت حزناً عميقاً وظلت هذه الحادثة في ذاكرتي طويلاً بدليل أنني أكتبها لك عزيزي القارئ الآن، وبالطبع كان علىّ أن أنزل على الفور وأذكر نفسي في هذه المرة طوال الطريق أنني ذاهب إلى الصيدلية لإحضار الدواء حتى لا تتكرر المأساة. كم كنت أتمنى أن تنمحي تمامًا هذه الحادثة من ذاكرتي لكن لم يحدث، فعادة لا ينسى المرء ما يريد ويسعى جاهدًا لكي ينساه مع أنه في نفس الوقت قد ينسى الكثير جدًا مما يصر على إبقائه في ذاكرته .

    أما القصة الثانية والمضحكة التي حدثت معي فقد كانت بالنسبة لي أغرب من الخيال، فلا شك أننا سمعنا يومًا ما أحدهم يهدد ويتوعد شخصًا آخر بالقول: “ أنا هنسيك اسمك”، وبالطبع لايمكن أن يكون قائل هذه العبارة يقصد حرفيًا إنه سينسيه اسمه، فهذا في شرع الناس مستحيل، فكيف ينسى الإنسان اسمه، لكن التعبير يفيد أن ما سيلقاه من معاملة سيكون كفيلاً أن يصنع معه المستحيل، حتى لدرجة إنه سينسيه اسمه، لكن ما حدث معى لم يكن مجرد اقتراح أو فعلاً من شخص ما لينسيني اسمي بل كان النسيان نفسه هو بطل قصتى التالية :

  كنت في بيتي أجلس أمام التليفزيون لمشاهدة أحد الأفلام المصرية، بدأ عرض الفيلم كالعادة بظهور أسماء أبطاله وممثليه ثم فريق العمل به وهكذا، مثله في ذلك مثل أي فيلم آخر، ثم ظهرت على الشاشة عبارة مكتوب عليها: “مساعد مخرج، ناجي يوسف”، بدى لي أن هذا الاسم معروف عندي أسمعه كثيرًا، حاولت أن أتذكر من هو ناجي يوسف فلم أستطع، كل ما تذكرته أن هذا الاسم هو لشخص قريب منى جدًا،  وأن هذا الاسم أردده كثيراً لكني فشلت في تذكر من هو صاحبه، لعدة دقائق لم أستطع التركيز في أحداث الفيلم حيث كنت قد استغرقت في تفكير عميق وبحث جاد في ذاكرتي عن من هو ناجي يوسف، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه أنني أكتشفت في النهاية أن هذا الاسم هو اسمى أنا الذي كان الجميع يستخدمونه لعشرات السنين عندما يتعاملون معي .

    تذكرت هذه القصص وغيرها الكثير عندما حاولت الإجابة على سؤالي: النسيان، نعمة من الرحمن أم خدعة من الشيطان؟ وأكتشفت أن إجابة هذا السؤال لا يمكن أن تكون “بنعم أو لا”، فهل النسيان نعمة من الله؟، الإجابة يمكن أن تكون “نعم” ويمكن أن تكون “لا” وفقًا لنوع ما يريدنا المولى أن ننساه أو نظل متذكرينه على الدوام، وهل النسيان خدعة من الشيطان؟، بكل تأكيد لابد أن تكون الإجابة “نعم” والسبب في ذلك واضح لكل ذي عقل مؤمن بالله، فقد يشاء الله في رحمته ومحبته، لأنه رحيم ومحب، أن ينعم على إنسان ما، بنسيان أمر أو آخر، يسبب له حزناً وانزعاجاً ويدفعه لعمل ما لا يرضيه، تبارك اسمه، وقد يشاء الحكيم العليم في حكمته أن لا ينسى المرء أمرًا معينًا فيه نجاحه وفلاحه من رب العالمين. أما الشيطان فحيث أنه لا يهدي إلى الصلاح، فإن أنسى الإنسان شيئًا ما، إنما يقصد به خسارته وإيقاعه في المعصية، كأن ينسيه أمر التفكير في حياته الأبدية قبل أن يرحل من هذه الأرض إلى أرض النسيان والسكوت، وأن ينسيه أن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا وأن ينسيه إن كان الإنسان مؤمناً إيماناً قلبياً بالسيد الرب يسوع المسيح أنه محفوظ لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل وأن الله محبة ويحبه هو شخصيًا وغيرها وغيرها الكثير الذي يعمل الشرير على أن ينسينا إياها، حتى لا نفلت في النهاية من عذاب القبر والنار وأن نكون معه خالدين إلى أبد الآبدين في جهنم أعدها المولى له ولجنوده وللرافضين غفران المسيح يسوع، تبارك اسمه المقدم لهم مجانًا لخطاياهم ومعاصيهم وذنوبهم .

    لقد كتب بولس رسول المسيح إلى الأمم مطالبًا نفسه أن تنسى كل نجاحاته الماضية حتى لا يعيش على ذكرى نجاحات أو إنجازات الماضي بل ليمتد إلى ما هو قدام في قوله: “أيها الإخوة، أنا لست أحسب نفسي أني قد أدركت. ولكني أفعل شيئًا واحدًا: إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام”.

    ولعلم نبي الله داود في القديم إن كل ابن آدم (نساي) كتب في مزموره 103 مخاطبًا نفسه بالقول: “باركي يا نفسى الرب ولا تنسي كل حسناته”، ثم عدد كل الحسنات التى بارك بها الله نفسه حتى لا ينساها في قوله: “الذي يغفر جميع ذنوبك الذي يشفي كل أمراضك الذي يفدي من الحفرة حياتك الذي يكللك بالرحمة والرأفة الذي يشبع بالخير عمرك فيتجدد مثل النسر شبابك”. ولعل أفضل طريقة لعدم النسيان هي أن تكتب ما تريد أن تتذكره وما لا تريد أن تنساه بالتفصيل وبخط واضح كبير وتضعه أمامك وعلى مرأى عينيك لتقرأه نهاراً وليلاً، هذا ما علمنا إياه تنزيل الحكيم العليم في قوله: “الرب إلهنا رب واحد. فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك. ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك وقصها على أولادك وتكلم بها حين تجلس في بيتك وحين تمشي في الطريق وحين تنام وحين تقوم واربطها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك .”

    وهذا ما جربته أنا بنفسي حتى لا أنسى الرب إلهي في خضم السفر والعمل والخدمة وتحديات وملذات عالم أمريكي مختلف تمامًا عن عالمنا في الشرق الأوسط، فقبل مجيئي إلى أمريكا، في أول زيارة لي بها، طلبتْ وألحَتْ وأصرت إحدى الأخوات الفضليات بكنيستي في شبرا، وهي أكبر مني سنًا، طلبت من أختي أن تتقابل معي قبل سفري للأهمية القصوى، قالت هذه السيدة لأختي إنها ستحاول منعي بأي شكل من الأشكال من السفر إلى أمريكا، نقلت لي أختي طلبها وأخبرتني بموضوع المقابلة، وافقت على مقابلة السيدة وما إن رأتني حتى قالت لي: “يا خسارة، يا خسارة، يا خسارة على الدكتور ناجي، أنا لا أستطيع أن أصدق أنك ستذهب إلى أمريكا! سألتها: لماذا وما السبب وراء ما تقولينه الآن، قالت الجميع يقولون، وأنا أومن أنهم على صواب ومعهم كل الحق فيما يقولون وهو أن “أمريكا مقبرة القسوس والخدام”، كانت هذه هي العبارة التي أطلقها أحد الخدام الذين فشلوا في الخدمة والعيش في أمريكا، فعبر عن نفسه بها وألقى اللوم على أمريكا ومن في أمريكا في فشله وهكذا انتشرت هذه العبارة الكاذبة المضللة غير الصحيحة عن خدام المسيح العرب في أمريكا، وانتشرت هذه الضلالة حتى في مصر بين الخدام المصريين عن إخوانهم وأخواتهم الخدام في أمريكا، واستخدمها كلٌ حسب حالته لتحقيق أغراضه الشخصية أو إخفاء فشله في الحصول على تصريح للإقامة في أمريكا وغيرها من الأسباب الظاهرة والخفية، أخذت هذه الأخت تعدد لي أسماء بعض القسوس والخدام الذين ابتلعتهم أمريكا فنسوا الخدمة والمخدومين وعاشوا أسوأ ما تكون العيشة بعيدًا عن الرب، قالت لي أنا بحذرك يا دكتور ناجي أنك لن تستطيع تربية أولادك بطريقة صحيحة في الإيمان بالمسيح ومخافة الرب في أمريكا، لن تعمل كطبيب أسنان هناك، ولن تكون لك خدمة في أمريكا وفي النهاية ستطلق امرأتك كما فعل الأخ فلان وفلان وفلان” كانت هذه السيدة تتحدث بكل حماس وإخلاص ومحبة لشاب (يومها) مثلي في عمر أولادها، تخاف عليه من أن تبتلعه الحياة في أمريكا، طمئنتها وشكرتها على محبتها لي وخوفها علي وعلى عائلتي ومستقبلي وخدمتي وأكدت لها أن الخدام الذين يذهبون إلى أمريكا بأوامر منه ووفقًا لخطته لن يضلوا أبدًا، فالله أمين أن يحرس خدامه الذي يرسلهم في أي مكان، مهما إن كان، صحراء كان أم بستانًا، وباختصار قلت لها: “إن الساكن في ستر العلي في ظل القدير يبيت”، فأنا ذاهب إلى هناك وفقاً لخطة إلهية أنا على يقين منها، ذهبت أختنا العزيزة إلى بيتها لكن كلماتها ظلت ترن في أذنَّي مدة طويلة حتى بعد أن جئت إلى أمريكا وأقمت بها شهورًا كثيرة، ولذلك قمت بكتابة الخطوط العريضة لسبب وجودي في أمريكا، كتبت لنفسي، ما تفصيله، تذكري يا نفسي أننى أولاً وأخيراً لست إلا خادمًا لسيدي الرب الذي أنقذني من سلطان الظلمة ونقلني إلى ملكوت ابن محبته، وأنني جئت إلى هنا لأمريكا بخطة وتكليف منه، وهنا لابد أن أقرر أنني أعلم أن كل من الخدام حتى الفشلة منهم يدعي أنه جاء إلى أمريكا بناء على تكليف من القدير، لكن هذا لا يؤثر فيّ أو فيما أقوله من حقائق، فأنا أعلم أنني جئت تنفيذًا لخطة إلهية ولا يهمني في قليل أو كثير رأي الناس في هذه الحقيقة، وأنا لم آت للهروب من مصر ولا كرهًا لها، فارتباطي بمصر وعشقي لها لم ولن يتغير مهما قابلني أو سيقابلني بها، ولم آت بحثاً عن حياة أفضل، ففي رأيي الخاص ليس أفضل من الحياة في مصر بالنسبة لي رغم كل ما تمر به مصر في هذه الأيام والأيام السالفة، على الأقل في قناعاتي الشخصية، ولم آت حتى بحثا عن خدمة أوسع وأكبر مما كان لدي في مصر، فبالرغم من صغر أعمارنا يومها وقلة عددنا وخبرتنا الروحية والعقلية، وبالرغم من ندرة إمكانياتنا المادية كمسؤلين عن اتحاد الشباب المسيحي، وبالرغم من رفضنا البتة أن ننتمي أو نأخذ أية تبرعات أو مساعدات من أية هيئة أجنبية خارج مصر أو أن نكتب تقارير حتى لو كانت دقيقة وأمينة لمن يريد تمويلنا ماديًا من الخارج، وبالرغم من عدم تصويرنا لمعظم اجتماعاتنا أو مجالات خدمتنا أو محاولة تسويقها عبر الإرساليات، وبالرغم من تحديات السلطات المصرية لنا، والحرب الضروس التى واجهناها من بعض قادة المؤمنين وقسوس وكهنة الطوائف المختلفة، بالرغم من كل هذا لم تكن في مصر يومئذ، أقول كمختل العقل، خدمة أكبر وأوسع من الخدمة التى استأمننا عليها القدير بتأسيس اتحاد الشباب المسيحي، ليس في مصر وحدها بل في الكثير من الدول العربية، ولم تكن هناك من اجتماعات لشباب أكبر من اجتماعات اتحاد الشباب المسيحي التى كان يحضرها ألآلاف من الشباب المسيحي، بمدرسة الدي لا سال بالظاهر، من مختلف الطوائف، ومؤتمرات الترنيم والمؤتمرات العامة يوم كانت كبريات الكنائس الآن تفتقد لعدد من الحاضرين يملؤون بالكاد نصف مقاعدها في اجتماعاتها الأساسية، صباحية كانت أم مسائية، ونتيجة لكل هذا كتبت لنفسي لتذكيرها أنني سأظل هنا في أمريكا طالما هو سبحانه يريدني أن أبقى فيها، فلست يا نفسي لذاتك ولا لشهواتك ورغباتك، وليس من حقك يا نفسي أن تختاري مكان خدمتك بعد، تذكري يا نفسى أنك لست أمريكية ولن تكوني أمريكية المولد أو النشأة أو الطباع أو البيئة في يوم من الأيام مهما قضيت فيها من سنين، أنتِ مصرية وستظلين مصرية إلى أبد الآبدين، والأفضل لك أن تذلي مع شعب الله الذي في مصر، تذكري يا نفسى أنك في أمريكا لخدمة مصر والمصريين والبلاد العربية والشعب العربي المتحدثين بالعربية في كل العالم، ويوم أن تنتهي خدمتك لهم هنا تذكري أنه ليس لك الحق يا نفسى في التمسك بالبقاء في أمريكا بل عليك الرجوع إلى أرضك وإلى عشيرتك، كتبت لنفسى أذكرها أنني لم آت إلى أمريكا لأحصل على الدكتوراه في طب الإسنان، مع إني حصلت عليها، بل أتيت خدامًا ليسوع المسيح ولكنيسته، تلك الحقيقة التي ما زلت أصر على تذكرها وترديدها ليس في أمريكا فحسب بل حتى في مصر وقبل أن آت إلى أمريكا أيضًا، كنت دائمًا أقول لنفسى ناجي أنت لست طبيبًا للأسنان فحسب بل أولاً وأخيرًا أنت خادم للمسيح، ومن الطريف أن هذه هي الحقيقة الوحيدة التى صممت أن تسمعها منى الشابة الجميلة التى اختارها لي القدير أن تشاطرني حياتي ولا يفصلنا إلا الممات قبل أن توافق على الارتباط بي، فلقد اخبرتها يوم أعلنت لها عن حبي إياها أنه عليك يا حبيبتي أن تتذكري أنك لن تتزوجي طبيبًا للأسنان، بل خادماً للمسيح يسوع، وأنا لست أدري إن كنت سأتفرغ بالكامل لخدمة المسيح ومتى سأعتزل طب الأسنان، فأنا لا أريد أن أخدعك بأن تظنين وفقًا لما أنا عليه الآن انني فقط طبيبًا للأسنان، لأ، أنا خادم ليسوع المسيح، قلت لها ولنفسي، صحيح يا حبيبتي ويا نفسى أنا سأعمل كطبيب للأسنان لتحصلى على قوتك اليومي للعيش به لأنه حسب أوامر القدير أنت غير مسموح لك بالحصول على أي أجر أو مكافئة مادية أو غير مادية كثمن لخدمتك لإلهك في أمريكا بأي شكل من الأشكال، وغيرها من الأمور الكثيرة التى كتبتها وكنت قد نويت أن أذكر بها نفسي دائمًا حتى لا أنساها وأضل سواء السبيل. وحيث أن أكثر الأماكن زيارة منا نحن معشر الرجال داخل شققنا وبيوتنا هو المطبخ سواء للأكل أو شرب القهوة والشاي ناهيك عن زياراتنا للثلاجات بها، فقد وضعت هذه اللوحة التى كتبت بها تلك الأمور سابقة الذكر والتى طالبت نفسي بتذكرها دائمًا وضعتها في المطبخ حتى أقرأها في دخولي وخروجي، ذهابي وإيابي، ولقد حفظني القدير في محبته ورحمته وكرمه لتتميم كل ما كتبته منذ سنين عديدة وأنا على ثقة أن الذي ابتدأ في عمل صالح سيكمل إلى يوم مجيئه .

    والحمد للمنان وحده فأنا مازلت متزوج بامرأتي الجميلة الوديعة المؤمنة المصلية صاحبة القلب الكبير زوجتي الدكتورة أماني مكرم، واشكره لأنه أعطى لي ابنان متفوقان ناجحان في كل ما تمتد إليه أيديهما وهما خادمان للسيد الرب يسوع المسيح كل في كنيسته وجامعته، وأنني أعطى الإكرام لمن يستحق الإكرام وحده تبارك اسمه لأنه جعل خدمتى تتسع عشرات الأضعاف عما كنت في مصر وفوق الكل أعظمه لأنه لم يسمح لنبوة الأخت العزيزة صاحبة التحذير السابق ان تحدث بالرغم من أنني مازلت ممتنًا لها وأشكرها من كل قلبي على تحذيرها لي من الذهاب لأمريكا، فقد عملت بإخلاص وأمانة ومحبة في توصيل رسالتها لي خوفاً علىَّ من أن أدخل ما كانت تظنه مقبرة الخدام أي أمريكا .

    ومن نعم الرحمن في فوائد النسيان كما يعلمنا الكتاب المقدس “أنك تنسى المشقة. كمياه عبرت تذكرها. وفوق الظهيرة يقوم حظك. الظلام يتحول صباحًا. وتطمئن لأنه يوجد رجاء.تتجسس حولك وتضطجع آمنًا. وتربض وليس من يزعج ويتضرع إلى وجهك كثيرون”.

   كل هذه البركات الموعود بها في المقطع السابق مبنية على أساس واحد هو أن القدير “ينسيك” المشقة،  كل هذا وغيره الكثير لهو خير دليل على أن النسيان هو نعمة من الرحمن.

    لكن على الجانب الآخر، فالنسيان هو خدعة كبيرة من الشيطان مارسها مع الغالبية العظمى من البشر ونجح في جعلهم ينسون حتى الخالق نفسه الذي خلقهم للتواصل معه وتبادل المحبة بينهم وبين العظيم الوديع المتواضع المحب الآب الصافح عن الخطايا والزلات وغافر الإثم لعباده التائبين إليه سبحانه. والنسيان ليس فقط خدعة من الشيطان لإبعاد البشر عن الله، لكنه أيضًا لإجبارهم على قبول الأمر الواقع في حياتهم وقبول الضغوط والاضطهاد والتمييز الجنسي والعرقي وغيره. فعلى سبيل المثال لا الحصر مما يبدو ظاهرًا فيما يتعلق بشعب الرب في مصر هو أن الشيطان نجح في أن ينسي شعب الله في مصر مكانته في المسيح وأن الشعب الذي للمسيح (ولا أقول المسيحيين) بل الذين هم للمسيح من كل قبيلة وأمة ولسان ودين هم شعب محفوظ في المسيح يسوع لميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل محفوظ لأجلهم في السموات، وأنه هو سبحانه من معه أمرهم كما هو مكتوب عنه: “الذي معه أمرنا” وأن من يمسهم يُمَسُ في حدقة عينه، وأنهم بقوة الله محروسون وليس بقوة أو قدرة أو ذكاء أو دهاء رئيس أو حكومة أو حزب أو أحداث أو ثورات أو أي إنسان مهما كان، ومع كل ذلك فيا للعجب أن نرى أن الكنيسة هي التي تسارع الخطى نحو روح ضد المسيح، الذي لا يؤمن بألوهية المسيح أو صلبه أو موته أو قيامته أو مجيئه ثانية كالملك، تسارع بالزيارة والتقرب والشراكة ومد الجسور ودعوة اقطاب الأديان المختلفة ليقوموا بممارساتهم الروحية الدينية التى هي ضد كل ما عَمِلَه وعَلَّمَه السيد الرب يسوع المسيح فيما أنزله على رسله وأنبيائه القديسين، داخل كنائسهم وكاتدرائياتهم، في الوقت الذي لا يقبلون فيه إخوانهم المسيحيين في كنائسهم ولا اجتماعاتهم ولا احتفالاتهم ولا حتى أفراحهم وأتراحهم، وغالت وتمادت الكنيسة وقادتها في التنازل عن مبادئها الكتابية التى ينبغي أن تحيا بها بدعوى إظهار المحبة، محبة المسيح للآخر فتقع بذلك في حالة من التشويش والنسيان الشيطاني لمن هي الكنيسة في المسيح، جسد المسيح الذي يسرى في كيانها، روح المسيح، الروح الذي أقام المسيح يسوع من الأموات. وفي وسط هذه الحالة من النسيان والتشويش ننسى إحسانات القدير وكيف دافع عني وعنك في مواقف كثيرة كان لا يمكن معها أن نظل أحياء حتى اليوم لولا أن الله كان لنا، فكما قيل في تنزيل الحكيم العليم: “لولا الرب الذي كان لنا عندما قام الناس علينا، إذًا لابتلعونا أحياء عند احتماء غضبهم علينا، إذًا لجرفتنا المياه لعبر السيل على أنفسنا، إذًا لعبرت على أنفسنا المياه الطامية. مبارك الرب الذي لم يسلمنا فريسة لأسنانهم. انفلتت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ انكسر ونحن انفلتنا. عوننا باسم الرب الصانع السموات والأرض “.

    ليس ذلك فقط بل كثيراً ما ينسينا عدو النفوس تطهير خطايانا السالفة وعندما نسقط ننسى من أين سقطنا لنتب.

    ولعل أخطر ما يمكن أن ينسينا إياه الشيطان هو أن ينسينا ماضينا وتاريخنا وشخصيتنا وقوميتنا ولغتنا وينسينا كل ما سلب منا على مر العصور والأجيال، وخطة العدو في ذلك هو باستخدام الرؤساء والحكومات المتعاقبة لمبدأ “الزمن كفيل بأن ينسي الناس الأمر”، فكل حادثة جديدة تحدث يتأثر بها الناس ويتكلمون عنها وكأنهم لن ينسوها على مر الزمان، ثم بمرور الأيام يخبو الاهتمام بها وينساها المرء وقد تصل إلى أن تنمحي تمامًا من ذاكرتهم، فمن منا مازال يذكر باستمرار أنه قبطي قبطي، وهذا التعبير قبطي قبطي يعنى الديانة قبطي والبلد مصري، الحقيقة المرة هي إنه لم يخبرني أحد لا من عائلتي ولا من كنيستي ولا من كتب التاريخ والتراث أنني قبطي قبطي، كل ما أخبروني إياه عن نفسى وعن أجدادي في البيت والكنيسة والمدرسة أنني مسيحي عربي، ولسنين عديدة من حياتي عشت في هذه الكذبة حتى جئت إلى أمريكا وأرسلت لي هيئة التعداد الأمريكية بعض أوراق التعداد الذي تجريه أمريكا لسكانها كل عشرة سنوات لكتابة بياناتي بها، وأرسلت لي أيضًا إحدى الهيئات القبطية القبطية الأمريكية خطابًا تقول فيه: تذكر أن لا تكتب في أوراق التعداد أنك عربي، فالمسيحيون الأصليون أصحاب مصر ليسوا عربًا بل أقباطًا، وليس ذلك فقط، فمن منا لم ينس بعض الوقائع التى لم يمر على حدوثها أكثر من شهور قليلة؟ ومن منا لم ينس صفر مريم أو قضية محمد حجازي أو الأربعة أولاد المحبوسين بتهمة ازدراء الأديان وغيرهم إلا نفر قليل لاتصاله بأصحاب هذه الأحداث شخصياً أو عائليًا؟ !!

    لقد فطنت إسرائيل لهذه الحقيقة وهي أن ما لا تطالب به وما لا تذكره وتتحدث عنه باستمرار في كتبها المدرسية ودور عبادتها ووسائل الميديا على اختلاف ألوانها وأشكالها وما لا تنتج حوله من أغاني وأفلام ومسلسلات تليفزيونية وسينمائية وغيرها لن يبقى في فكر الناس وعقولهم، وسيصبح ذكرى يفتكرها الناس في المناسبات، لذلك تملأ إسرائيل كل الوسائل السابقة والدنيا كلها بحادثة المَحْرَقَة الألمانية لليهود المعروفة بالهولوكوست التى راح ضحيتها أربعة ملايين يهودي في أوروبا على يد هتلر، أليس من المضحك المبكي أن أعرف أنا القبطي القبطي عن الهولوكوست اليهودية قبل أن أسمع وأعرف عما قاساه أجدادي على أيدي من احتلوا أرضي واضطهدوا آبائي؟! لذا فإنني أرى أنه حتى إن كان النسيان نعمة من الرحمن إلا أنه علينا أن ندرك أيضًا أنه خدعة من الشيطان، وأنني أطالب الكنيسة في مصر والوطن العربي أن تصرف الوقت والجهد والمال في إعادة كتابة تاريخنا القبطي القبطي وأن تتعامل معه كما تتعامل إسرائيل مع الهولوكوست، فهذا تاريخ أجدادنا الذي من حقنا أن نعرفه وندافع عنه ونطالب باسترداد المسلوب منه إن كنا نبغي الحفاظ على هويتنا القبطية القبطية، إن نسياننا لما سلب منا سينسينا المطالبة بحقوقنا وسينسينا أن إلهنا قادر على رد المسلوب منا ٍوسيُنْسِينا أصلاً أن لنا إلهًا يحيي الموتى ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة وهو على كل شئ قدير، اللهم إني قد أبلغت، اللهم فأشهد .

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا