الملك شلوم (18) الملك الذي مَلَكَ شهرًا واحدًا

46

ملوك إسرائيل في العهد القديم (29)

الملك شلوم (18)

الملك الذي مَلَكَ شهرًا واحدًا

بقلم الدكتور القس ﭽورﭺ شاكر

نائب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر

    سطرت ريشة الوحي المقدس في كلمات معدودة وعبارات محدودة سيرة ومسيرة الملك شلوم في الإصحاح 15 من سفر الملوك الثاني. وقد مَلَك شلوم في السنة التاسعة والثلاثين للملك عزريا (عزيا) في يهوذا، أي حوالي سنة 750 ق.م. وقدمت عدسة الوحي المقدس صورة له وهو يقتل الملك زكريا الذي كان يعتلى العرش قبله… ذاك الذي “عمل الشر في عيني الرب كما عمل آباؤه… لم يحد عن خطايا يربعام بن نباط الذي جعل إسرائيل يخطئ، ففتن عليه شلوم بن يابيش وضربه أمام الشعب فقتله، وملك عوضا عنه” (2مل15: 9، 10). وقصة الملك شلوم القصيرة حافلة بدروس غاية في الأهمية أذكر منها ما يلي:

أولًا: ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا

   لقد قام الملك شلوم بقتل الملك زكريا، ومَلَك عوضا عنه. ومن الملاحظ أن نفس التعبير يقوله الوحي المقدس ويكرره عن الملك منحيم الذي اعتلى كرسي المُلك بعد الملك شلوم، فمكتوب أنه جاء إلى السامرة، وضرب شلوم بن يابيش في السامرة فقتله، ومَلَك عوضَا عنه” (2مل15: 14).

  نعم! كما قَتَلَ قُتِلَ، وكما فَعَلَ فُعِلَ به، فهذا هو القانون الإلهي، فلقد قال الرب يسوع لبطرس عندما استل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه: “رد سيفك إلى مكانه. لأن كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون!” (مت26: 52). ويقول الرسول بولس: “الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا” (غلا6: 7).

  وكلمة الله حافلة بالأحداث التي تؤيد وتؤكد هذا المعنى، أليس مكتوبًا عن هامان: “فصلبوا هامان على الخشبة التي أعدها لمردخاي” (أستير7: 10).

  وألم يقل أدونى بازق: “كما فعلتُ كذلك جازاني الله” (قض1: 7).

  نعم! الحصاد من نفس نوع البذار. نعم! فما زرعه الملك شلوم حصده … وهكذا كل إنسان يحصد ما يزرعه.

  ثانيًا: السلطة شديدة الإغراء، ووراء الكثير من العداء

  عندما يسطر الوحي أن شلوم قتل الملك زكريا وملك عوضًا عنه، ونقرأ أن منحيم قتل الملك شلوم وملك عوضًا عنه… نرى الطبيعة البشرية الفاسدة، والصراع الدائم والدائر حول السلطة والمركز.

  نعم! إن أبشع وأشنع ثلاثة أعداء للإنسان كما يقال هم: المال والجنس والسلطة.

  1. يقول الرسول بولس عن المال: “لأن محبة المال أصل لكل الشرور، الذي إذ ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان، وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة” (1تي6: 10).

  حقًا! كم من أناس تخيلوا أن المال هو كل شيء في الحياة فركضوا وراءه، فطعنوا أنفسهم بآلام فوق الخيال، وخسروا حياتهم وأبديتهم بسبب حبهم للمال. فها هي ريشة الوحي المقدس تقدم لنا قصص عخان بن كرمى، وشاول، وجيحزي، والشاب الغنى، ويهوذا الإسخريوطي، وحنانيا وسفيرة… وغيرهم، وتصور لنا كيف لطخهم المال ودمر حياتهم.

  2. الجنس عدو رهيب، كم دمر من شباب، وكم هدم من بيوت… كيف لا وقد رصدت عدسة الوحي المقدس صورة لشمشون مثال القوة والجبروت وقد حولته الخطية إلى بقايا إنسان؟! ويقدم الوحي نصيحته: “لا يمل قلبك إلى طرقها، ولا تشرد في مسالكها. لأنها طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء. طرق الهاوية بيتها، هابطة إلى خدور الموت” (أم7: 25-27).

  3. إغراء السلطة وبريق المركز هما السر وراء العنف والصراع والقتال والنزاع على مستوى الأفراد والبيوت والدول… وهذا ما نراه في مواضع كثيرة من كلمة الله أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

  (أ) في قصة يوسف ابن يعقوب، عندما روى لإخوته عن أحلامه التي توحي بأفضليته عنهم، يقول الكتاب: “فقال له إخوته: ألعلك تملك علينا ملكًا أم تتسلط علينا تسلطًا؟ وازدادوا أيضًا بغضًا له من أجل أحلامه ومن أجل كلامه” (تك37: 5-8)، وفي يوم من الأيام، “لما أبصروه من بعيد، قبلما اقترب إليهم، احتالوا له ليميتوه. فقال بعضهم لبعض: هوذا هذا صاحب الأحلام قادم. فالآن هلم نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول: وحش رديء أكله. فنرى ماذا تكون أحلامه” (تك37: 18-20)، لولا نعمة الله التي حفظته وصاغت منه شخصية استثنائية قيادية.

  (ب) ورسمت ريشة الوحي المقدس صورة للملك شاول وهو يطارد داود ويحاول بكل طريقة قتله وتدميره (1صم 19: 10، 11)، وكل هذا بسبب خوف شاول على مكانته ومركزه وغيرته من داود.

  (ج) لكن الأبشع من هذا هو عندما نرى الصراع على السلطة بين الابن وأبيه كما رأينا أبشالوم يحارب داود. كم هو مؤلم لقلب الأب أن يجد نفسه هاربًا من وجه ابنه، وكم هو مؤسف أن يطارد الابن الأب ويحاول أن يغتصب العرش منه وهو لا يزال على قيد الحياة (2صم17، 18).

  (د) عندما تجسد الرب يسوع جاء المجوس من المشرق قائلين: “‘أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له. فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجميع أورشليم معه… حينئذٍ دعا هيرودس المجوس سرًا، وتحقق منهم زمان النجم الذي ظهر. ثم أرسلهم إلى بيت لحم، وقال: اذهبوا وافحصوا بالتدقيق عن الصبي. ومتى وجدتموه فأخبروني، لكي آتي أنا أيضًا وأسجد له… حينئذٍ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به غضب جدًا. فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها، من ابن سنتين فما دون، بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس” (مت 2).

  ياه! بسبب خوف هيرودس على مركزه ومكانته وسلطته، راح يدمر بيوتًا وعائلات كثيرة. هذه هي نتيجة الصراع والقتال على المركز والسلطة.

  (ه) ونقرأ عن التلاميذ أنه حدثت بينهم مشاجرة بشأن مَنْ هو الأكبر والأعظم بينهم، وهنا قال لهم الرب يسوع: “… الكبير فيكم ليكن كالأصغر، والمتقدم كالخادم. لأن مَنْ هو أكبر: ألذي يتكئ أم الذي يخدم؟ أليس الذي يتكئ؟ ولكني أنا بينكم كالذي يخدم” (لو22: 25–27).

 فحب السلطة جعل الملك شلوم يقتل الملك زكريا ليغتصب منه العرش.

  ثالثًا: العدل أساس الملك، والحب سر ازدهار المملكة

   هذه الحكمة تعني أن العدل هو أساس استمرار وبقاء الملك، فإذ انتفت العدالة ضاع الملك، وانهارت الشعوب والدول، وأصبحت تاريخًا… أما إذا تواجد العدل قويت الدول واستمرت، لكن الكتاب يخبرنا عن الملك شلوم (2مل 15) أنه فتن على الملك زكريا وضربه أمام الشعب فقتله واستولى على الحكم (2مل15: 10). كان القتل والدمار هما الأساس في وصوله للحكم لذا لم يهنأ إطلاقا بتتويجه ملكًا ولم يستمر أكثر من شهر على العرش… وبالتأكيد كان شهرًا حافلًا بالغضب والشغب من الشعب… كان شهرًا يموج بالعنف والتوتر… فلم تعرف البلاد استقرارًا أو ازدهارًا.

هذه هي النتيجة الطبيعية لمن يفكر في اغتصاب ما للغير، لا يستمتع ولا يسعد بما يصل إليه بأسلوب غير مشروع… ولعل هذا يذكِّرنا بالملك أخاب عندما اغتصب كرم نابوت اليزرعيلى، وكيف امتلأت حياته بالجراح والآلام والآهات التي تفوق الوصف… فمكتوب أن إيليا “كلَّمه قائلًا: هكذا قال الرب: هل قتلت وورثت أيضا؟ ثم كلَّمه قائلًا: هكذا قال الرب: في المكان الذي لحست فيه الكلاب دم نابوت تلحس الكلاب دمك أنت أيضا… هأنذا أجلب عليك شرًا، وأبيد نسلك… مَنْ مات لأخآب في المدينة تأكله الكلاب، ومَنْ مات في الحقل تأكله طيور السماء” (1مل21: 19، 21، 24).

   أما مَنْ يبنى مملكته على الحب كما فعل الرب يسوع، فمملكته تستقر وتستمر وتدوم طويلًا.

  لقد كان نابليون بونابرت في مذكراته: “إن الإسكندر الأكبر وقيصر وشارلمان وأنا أسسنا إمبراطوريات عظيمة جدًا، ولكننا اعتمدنا في تأسيسها على القوة لذلك انهارت وزالت وانتهت، لكن السيد المسيح وحده أسس إمبراطورية على الحب فبقيت ودامت واستمرت حتى يومنا هذا، وامتدت واتسعت وستبقى إلى الأبد… لذلك ملايين من البشر لا يُحصى عددهم يموتون حبًا فيه وهيامًا به.”

  نعم! كل هذه التعاليم ليس من السهل تنفيذها وترجمتها على أرض الواقع، ولكنها ليست مستحيلة… فالله لا يطلب منا المستحيل بل الممكن والمتاح، فأولئك الذين جعلوا الله نصب عيونهم لا يصعب عليهم شيء، بل شعارهم هو “أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني” (في4: 13).

  عبرة في عبارة

  ما أكثر الممالك التي تأسست على حب القوة… فانهارت وزالت وانتهت

  لكن الرب يسوع المسيح أسس مملكته على قوة الحب… فبقيت وامتدت ودامت

  إلى يومنا هذا وستبقى إلى الأبد

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا