المحبة والسلام وغيرة الإنسان

3

أشرف ونيس

باتت الحماسة قابعة خلف أسوار عدم إنصافها، حين تداخلت المفاهيم في أذهان بني البشر، وقت أن ظنت العقول خطأً أن إيذاء النفوس لغيرها في سبيل الحصول على المرجو والمرغوب فيه هو بالأمر الذي يجب أن يحظى بمدح وثناء الجميع، لكنها فرت من محبسها حين تحملت تلك المشار إليها سالفًا – الحماسة – بدلًا عنها ما لا قبل لأحد أن يتحمله، بينما أمست هي حرة طليقة تعبث وتهدم وتقوض كل ما طالته أياديها الآثمة وبراثنها الهالكة… الغيرة!

الغيرة؛ تلك هي العاصفة الهوجاء التي حسمت الهلاك لمن قابلها طريقًا ودربًا وسبيلًا. إنها الصفة التي حوت جميع الشيم المقيتة والقميئة لمن مال بوجهه ناظرًا إليها، مرتشفًا منها، محاولًا أن يطفئ قيظ جوف شيطانه ومن أملى عليه بشر أفعاله. فهي لا تتورع في أن ترى الباطل حقًا والحق باطلًا، للوصول إلى المأرب والهدف المنشود، ولو كلف ذلك فاعلها الكثير، وضحيته من الهلاك الأكثر والأكثر.

لم تشرق شمس الغيرة المظلمة، بل والدامسة أيضًا، سوى من سماء الحسد؛ تلك السماء التي تلبدت بغيم الكراهية وسحب عدم المحبة. تتنفس الصعداء من هواء كانت وما زالت ذراته تحمل بين طياتها الموت وعدم الحياة… تتبرأ تبرؤًا من الشبع وعدم الاحتياج، فلا تنظر سوى إلى الأخذ، ولا تعرف سوى عدم العطاء. كان توسدها هو الظلم والظلام، بينما بات التحافها من سقيع الأمانة وبرد النزاهة هو الكذب والنفاق والرياء… تسبر أغوار ضحالة الطرق، وتتقعر بين ثنايا عدم الشرف، تتعامى عن الاستقامة في سلوكها، وتتَبَنّى الانكسارات والتعرجات التي لطالما تأفف وضج منها الجميع، وفي هذا كله تشدو بالنصر، رافعة رايات الشموخ المنكس، وألوية الرفعة الوضيعة!

لم يكن بحر ذلك السلوك المشين – الغيرة – ببعيد عن رافد عدم الاكتفاء، الذي رافق ولازم روافد أودت بحياة الإنسانية إلى حيث العدم وغير الموجود. فلقد تزايد منسوب الفراغ والشعور بالنقص، الممتزجين والمختلطين بوازع الطمع إلى ما لا يحق امتلاكه أو اقتناؤه، فكان فيضٌ من الصراع مع النفس والاقتتال مع الذات. فيه تخضبت ساحة الإنسان بدماء الخير، بينما صدح صوت الشر مستعليًا، مستقويًا، مستأسدًا، معلنًا انتصاره، شاخصًا إلى ما يصبو إليه حيث الهلاك والدمار… فكم تفانى أشخاص تأخذهم حمية الغيرة، بل حُمّى البغضاء، إلى ما لا يُحمد عقباه. فيه أودى بسلام الحاسد إلى الإعياء الشديد، والمَحسود إلى ما لا يتوقعه أو ينتظره. وهكذا خسر الجميع في تلك الوقائع، ولم يسلم سوى من لم يتحيز بتلك الدائرة الهاوية بأصحابها إلى ما لا حيث أرض به أو قاع له!

ليتنا نتحصن ونتسلح بنية الاكتفاء والثقة بالنفس، والتي تنحني كلها إلى فضيلة الفضائل، ألا وهي المحبة؛ تلك المحبة التي يشدو لها السلام، ويتغنى لها الكمال، وترتل لها الكفاية، كما يرنم لها الرضى والازدياد والتضاعف والاستكمال. فيها نَسلم إلى الإنسانية في قمتها، ونخضع إلى العطاء في سموه، ونأخذ ونتآخذ من الإيثار والتضحية والمنح والإنعام.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا