الرسول بولس: هل اقتبس تعاليمه من الفلسفة الرواقية؟

85

د. فريز صموئيل

كتب د. رؤوف شلبي نقلاً عن شاول جينيبر وسترابون وغيرهما ما يلي: “لقد ولد (شاول) من عائلة يهودية أقامت بمدينة طرسوس وكانت مدينة طرسوس نشطة غاية النشاط .. كانت حلقة الاتصال بين هضبة آسيا الصغرى والشام ومفرق الطرق التجارية الهامة التي تجلب إليها في آن واحد من اليونان وإيطاليا وقبرس وفنيقيا ومصر سيلاً لا ينقطع من الأفكار والعقائد والتأثيرات المختلفة، وكان لها جامعة وكان أساتذة الدراسات الفلسفية ينتمون إلى المذهب الرواقي، وهكذا نستطيع أن نجد تفسيرًا للأمر الذي يهمنا بالدرجة الأولى: وهو معرفة بولس للمبادئ الأولى في الفلسفة الرواقية وللوسائل الشائعة في الأساليب الخطابية لدى مفكري اليونان فقد كفانا أنه عاش حتى شبابه في هذا الوسط الذي تشبع بالتراث اليوناني.

والدراسة المفصلة لرسائل بولس الكبرى تكشف لنا النقاب عن مزيج من الأفكار يبدو لأول وهلة غريبًا حقًا: مزيج من دعوى الاثنى عشر الأساسية ومن الأفكار اليهودية، ثم من المفاهيم المنتشرة في الأوساط الوثنية اليونانية، ومن الذكريات الإنجيلية، والأساطير الدينية الشرقية.

إن بعض المفاهيم الجوهرية لدى المجتمع الأول نجدها إذًا غريبة أو مجهولة، أو غير ذات شأن لدى الحواري المرسل إلى المشركين، أما المفاهيم التي عرفت له فهو لم يختلقها، وإن قام بتطويرها، ولابد لنا من القول بأنه أخذها من مصادر أخرى غير المجتمع المسيحي الذي أسسه أصحاب عيسى أنفسهم”.

(يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، د. رؤوف شلبي، ص 97، 89، 102)

التعليق

الرسول بولس شخص يهودي متعصب، ولد في طرسوس (في حدود تركيا الآن)، ولأنه كان من عائلة غنية فقد حصل على الجنسية الرومانية، اضطهد المؤمنين بالمسيح وبينما هو ذاهب إلى دمشق، ظهر له المسيح، وغير حياته وأصبح رسول المسيح للأمم (غير اليهود)، وقدم لهم رسالة المسيح، وهذه الرسالة كان لها أصلها التاريخي الذي حدث في زمن محدد ومكان معروف، وهذا الأصل التاريخي يتلخص فيما عمله المسيح في حياته وموته وقيامته، وهذا قد سبق ما جاء في العهد القديم من حوادث ونبوات، وعلى الجانب الآخر قدم الرسول بولس هذه الرسالة لأمم مختلفة في الثقافة، وليس لديها الكتاب المقدس (العهد القديم) لذا كان عليه أن يقدمها لهم بلغة يفهمونها.

وفي ردنا على الادعاءات السابقة نركز على نقطتين:

الأولى: مصادر فكر الرسول بولس

الثانية: تأثير الفلسفة اليونانية على فكر الرسول بولس

أولاً: مصادر فكر الرسول بولس:

لقد كان هناك مصدران أساسيان لفكر الرسول بولس

أ‌- العهد القديم

– لقد عرف الرسول بولس كشخص يهودي العهد القديم في البيت، ثم في مدرسة المجمع اليهودي في طرسوس، ثم كشخص متفوق في هذه المعرفة ذهب إلى أورشليم وتتلمذ في مدرسة المعلم اليهودي غمالائيل (أعظم معلمي اليهود ورئيس المجمع الكبير في ذلك الوقت).

– لقد كان للعهد القديم تأثيره الواضح في كتابات الرسول بولس، وقد اقتبس منه أكثر من مائة اقتباس، غير الاشارات الواضحة المتعددة.

ب‌- المجتمع المسيحي الأول

إن المصدر الأساسي الذي استقى منه الرسول بولس تعاليمه هو المجتمع المسيحي الأول، وما أعلنه المسيح للكنيسة بعد قيامته من الموت، ويظهر هذا بكل وضوح فيما كتبه الرسول بولس “فإني سلمتكم ما أخذته (أو تسلمته) أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب” (1كو 15: 3)

وما كتبه الرسول بولس عن إلوهية المسيح وتجسده وموته على الصليب (في 1: 5- 11) كان أنشودة تترنم بها الكنيسة معلنة عن أساسيات إيمانها في ذلك الوقت، وأيضًا ما كتبه الرسول بولس في رسالته إلى كولوسي هو أنشودة أخرى عبرت فيها الكنيسة الأولى عن إيمانها بإلوهية المسيح، وأنه هو الخالق، وهو الإله المتجسد الذي مات على الصليب فداء لكل البشرية (كو1: 14- 22)

إذًا، المصدر الرئيسي لفكر الرسول بولس هو العهد القديم، وإيمان وتعليم الكنيسة الأولى، والتي أخذتها رأسًا من السيد المسيح ذاته.

ثانيًا: تأثير الفلسفة اليونانية على فكر الرسول بولس

لقد انتشر في الإمبراطورية الرومانية أساطير وديانات وفلسفات كثيرة، فهل فعلاً تأثر الرسول بولس، وكانت كتاباته هي مزيج من الأفكار اليهودية والفلسفة الوثنية اليونانية، والذكريات الإنجيلية، والأساطير الدينية الشرقية كما يذكر د. رؤوف شلبي؟

الرد على هذا الادعاء يحتاج إلى مساحة لا تسمح بها المساحة المحددة للمقال، ولذلك نوجز الرد فيما يلي:

أ‌- الأساطير الدينية الشرقية

لقد انتشرت في الإمبراطورية الرومانية الديانات السرية نتيجة لتلاقي الفكر اليوناني مع الديانات الشرقية، ولا يمكن أن الرسول بولس الذي كان يهوديًا متزمتًا أن يستعير أي فكر أو تعليم من هذه الديانات الوثنية، فالذي اضطهد المسيحية لأنهم قالوا أن يسوع الناصري هو المسيا المنتظر وهو الذي مات على الصليب، وهذا التعليم كان يخالف مفهومه عن المسيح الذي يملك على بيت يعقوب إلى الأبد لا يمكن أن يقتبس عقيدة وثنية ويطبقها على المسيح بعد أن آمن به.

ب‌-    الفلسفة الغنوسية (العارفون)

الغنوسية: فلسفة قد انتشرت في الخمسة قرون الأولى، وأتباعها كانوا يعتقدون أن المادة شر، والإله الحقيقي الأسمى كله خير، ولذلك لا يمكن أن يتعامل مع المادة، ونتيجة لذلك لا يمكن أن يخلق الخليقة، وكان حل المشكلة عندهم، إنه من هذا الإله الأسمى قد خرجت عديد من الأيونات أو الانبثاقات حتى وصلنا إلى انبثاق بعيد عن هذا الإله الأسمى بل وجاهلاً به، استطاع أن يتعامل مع المادة ويخلق البشرية، وهذا هو الإله الخالق.

وكان الغنوسيون يعتقدون أن المسيح هو واحد من هذه الأيونات أو الانبثاقات، ولكن لأن المادة شر، قالوا إنه لا يليق به أن يأخذ من هذه المادة جسدًا وقالوا بأن جسد المسيح خيالي أو أثيري، وهم بذلك أنكروا لاهوت المسيح، وتجسده معًا.

وكانوا يؤمنون أن الخلاص بالمعرفة وأن هذا يتطلب معرفة طقوس وأسرار معينة ليست لكل الناس، وقسموا الناس إلى مجموعتين: الأولى هم الروحانيون وهؤلاء يخلصون، والثانية: الأرضيون وهؤلاء لا خلاص لهم لأنهم لن يعرفوا الأسرار والطقوس اللازمة للخلاص.

ولا يمكن أن يكون الرسول بولس قد اقتبس فكره من هذه الفلسفة، والحقيقة أن الرسول بولس قد رد عليها وفندها في رسالته إلى أهل كولوسي وتحدث عن المسيح الإله الأزلي الخالق، والذي ظهر في الجسد، وكان جسده هذا جسدًا حقيقيًا، أي كان له طبيعة إلهية، وطبيعة إنسانية وأنه مات على الصليب، وأن أساس الخلاص هو موته الفدائي هذا وأن الخلاص هو لكل من يؤمن به (كو 1: 13- 22)

ج- الفلسفات اليونانية وخاصة الفلسفة الرواقية

لقد انتشرت في الإمبراطورية الرومانية الفلسفة الرواقية وأيضًا الفلسفة الأبيقورية وفي سفر أعمال الرسل (أع 17) في أثينا يواجه الرسول بولس أتباع هذه الفلسفات فهل اقتبس الرسول من تعاليم هذه الفلسفات؟

إن الرسول بولس لم يستق فكره من هذه الفلسفات إلا أنه في تبشيره برسالة المسيح في العالم اليوناني:

أ‌-  قدم لهم الرسالة بلغة يفهمونها، ولذلك استخدم بعض مفرداتهم ومصطلحاتهم مثل: “الذي – أي المسيح- هو صورة الله – فيه سر أن يحل كل الملء .. وغيرها (رسالة كولوسي الأصحاح الأول)

ب‌-  اقتبس بعض أقوالهم

– في أريوس باغوس قال الرسول بولس موجهًا كلامه للأثينيين: “لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد كما قال بعض شعرائكم أيضًا لأننا ذرية الله، فإذ نحن ذرية الله لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة” (أع 17: 28 و29)

وعبارة “ذرية الله” قال بها الشاعر اليوناني أبيمندس، والشاعر أراتس

–          في رسالته إلى تيطس، كتب الرسول بولس: “الكريتيون دائمًا كذابون وحوش ردية بطون بطالة، هذه الشهادة صادقة، ولهذا السبب وبخهم بصرامة لكي يكونوا أصحاء في الإيمان، والجزء الأول من النص “الكريتيون دائمًا كذابون وحوش ردية” قال به الشاعر اليوناني أبيمندس

– في رسالته إلى أهل كورنثوس كتب الرسول بولس: “لا تضلوا المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة” (1كو 15: 33). وهذا القول قاله الكاتب الأثيني مناندر

ج- ناقش الرسول بولس بعض الأمور اللاهوتية بأسلوبهم (رو 1: 19 و20)

إذا،ً فالرسول بولس استخدم مصطلحاتهم، وأسلوبهم في توصيل رسالة المسيح لهذه الشعوب، وهذا ليس له أية علاقة بمضمون الفكر والتعليم نفسه.

إن الرسول بولس لم يأخذ مزيج من الأفكار اليهودية والمفاهيم المنتشرة في الأوساط الوثنية اليونانية، والأساطير الدينية الشرقية بل من المسيحية الأصيلة التي تسلمها من الكنيسة الأولى التي شبت ونمت في أحضان اليهودية وما يدعيه البعض هو أقوال مرسلة بغير دليل.

المراجع

1. دائرة المعارفة الكتابية، ج2، الفكر اللاهوتي في كتابات الرسول بولس، بولس الرسول: الإنسان والمعلم، تفسير رسالة كولوسي، وليم باركلي).

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا