لاحظنا في السنوات الأخيرة اقتحام الذكاء الاصطناعي (AI) أغلب المجالات العلمية والمهنية حتى كاد أن يهدد أغلب الوظائف البشرية الحساسة والتي يتقلدها البشر، وقد تنبأ البعض بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي في خلال سنوات قليلة قادمة يمكن أن تكون بديلًا قويًا عن أغلب التخصصات مثل الطب والمحاماة والمحاسبة.
وهكذا يمكن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي ليحل مكان القوى البشرية، وبالتالي يمكن الاستغناء عن أغلب الوظائف التي يشغلها البشر، وهو ما يهدد بوقوع كارثة عالمية سوف تؤدي لزيادة نسبة البطالة والتشرد.
والأمثلة كثيرة تدل على ذلك، حيث يمكننا الاستعانة بهذه الأنظمة التي تستخدم الروبوت الإلكترونية في الاستشارات الطبية وإمداد الأشخاص بأحدث الأبحاث العلمية في مجال الطب، بل في أحيان أخرى نجدها تقوم بإجراء بعض الجراحات البسيطة. أما في المجال القضائي، فيمكن الاستعانة بهذه الأنظمة في كتابة مذكرات وعرائض الدعاوى والاستشارات القانونية والتشريعية، وبالتالي يمكن بالتدريج الاستغناء عن الخدمات التي يقدمها العاملين في سلك المحاماة. وهكذا بالنسبة للأمور المحاسبية، حيث يمكن لأنظمة الـ(AI) تقديم خدمات محاسبية وضريبية وكشوف موازنة دون اللجوء إلى أشخاص متخصصين.
ومن أحدث ما وصلت إليه أنظمة الذكاء الاصطناعي هو اقتحامها المجال النفسي، وخاصةً الصحة النفسية، حيث قامت بعلاج بعض الحالات المرضية مثل القلق والاكتئاب. ويمكن الاعتراف بوصولها إلى حد ما لنتائج لا بأس بها في هذا المجال.
ولكن إلى أي مدى استطاعت أنظمة الذكاء الاصطناعي أن تكون بديلة عن العلاج النفسي البشري في شفاء حالات مثل القلق والاكتئاب؟
لقد أفادت دراسة بأن برنامج (شات بوت)، وهو أحد الأنظمة التي تُستخدم في العلاج النفسي وتعتمد على الأساليب المعرفية والسلوكية (CBT)، ساهم في خفض أعراض القلق بنسبة 20% تقريبًا لدى المشاركين.
كما أظهرت دراسة أخرى طُبقت على طلبة الجامعات تحسنًا معنويًا في نسبة القلق والاكتئاب، إلا أن نسبة 60% من الطلبة انقطعت عن تكملة الدراسة.
وفي دراسة أخرى طُبقت على 84 طالب، وُجِدَ تحسن في نسبة الاكتئاب. وهكذا وُجِدَ أن هناك دلائل داعمة بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل (الشات بوت الذكية) يمكن أن تخفض بعض حالات الاكتئاب والقلق ولكن على مدى قصير وخاصةً الأنظمة التي تستخدم منهج العلاج المعرفي السلوكي GBT كما سبق القول.
ولكن إلى أي مدى يمكن الاعتماد على أنظمة الـAI؟
– لقد ثبت أنه رغم وجود نتائج إيجابية فإن تأثير هذه الأنظمة في العلاج النفسي ليس كبيرًا أو مستديمًا، حيث لوحظ أنه بعد ثلاثة أشهر من الخضوع للعلاج لم تظهر أي تأثيرات واضحة أو فعالة لها.
– كما لوحظ وجود معدل الانقطاع عالٍ لبعض المشتركين في هذه الأنظمة العلاجية، حيث وُجِدَ أن الأغلب يتوقف عن استخدام الشات بوت قبل إتمام البرنامج.
– كما أنه لا يمكن الاستعانة بأنظمة الذكاء الاصطناعي في الحالات النفسية المعقدة كالاضطرابات الذهانية، وذلك مثل البارانويا أو الشيزوفرنيا (الفصام الذهاني) أو الـBipolar (الاكتئاب ثنائي القطب).
– كذلك فإن بعض الحالات تحتاج إلى علاج دوائي، لذلك فإن الشات بوت لا يفيد، حيث إن هذه الحالات في حاجة إلى متابعة مستمرة.
– إن نظام الشات بوت يعتمد على مشاركة المستخدم واستمراريته، لذلك فإن التوقف أو تقليل التفاعل مع هذا النظام قد يؤدي إلى عدم فاعلية العلاج.
– كما اتضح أن لغة هذه الأنظمة قد لا تصلح مع لغة وثقافة بعض الشعوب.
والخلاصة: أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُستخدم في علاج بعض الحالات المرضية لا يمكن الاعتماد عليها واستخدامها كبديل عن العلاج النفسي البشري، حيث تفتقر لبعض الخصائص الحيوية، ومن أهمها:
– غياب التعاطف الحقيقي والاتصال الإنساني، فرغم أن الشات بوتات قد تحاكي التعاطف لفظيًا، ولكنها لا تمتلك فهمًا عاطفيًا أو روحيًا أو خبرة إنسانية حقيقية، مما يقلل من فاعلية العلاقة العلاجية، بالإضافة إلى غياب لغة الجسد أو نبرة الصوت، والتي تحمل أبعادًا انفعالية هامة، وهكذا تفتقر إلى السياق العميق للمفاهيم الإنسانية.
– وقد ثبت ذلك في دراسة مقارنة بين العلاج البشري والعلاج بالشات بوت، حيث وُجِدَ أن العلاج البشري قد وصل إلى نجاح بنسبة 46% في مقابل 30% فقط للشات بوت.
– قد يفقد الشخص الدافعية والتفاعل مع تلك الأنظمة بسبب إحساسه بالشعور بالسطحية مقارنة بالتفاعل البشري.
– أن العلاقة التفاعلية بين المريض والمعالج لها تأثير فعال في الجانب العلاجي، خاصةً وأن المريض يكون في حاجة إلى الدعم العاطفي والروحي والإحساس بأن الآخر يفهمه، وهذه من العوامل الجوهرية في العلاج النفسي.
– قد يحدث خلل في تلك الأنظمة أو خطأ في استخدام البيانات أو التخزين، مما يفقدها خاصية الأمان والخصوصية بالنسبة للمشاركين.
– إن هذه الأنظمة ليست بديلة عن العلاج البشري، ولكن يمكن اعتبارها أداة مكملة ومساعدة في العلاج النفسي، كما أنها في حاجة إلى مزيد من الأبحاث التجريبية ذات فاعلية وجودة عالية، وذلك تحت إشراف بشري لتقييم مدى ملاءمتها.
وأخيرًا، فإن أنظمة الذكاء الاصطناعي رغم محاولاتها في الوصول إلى مجال العلاج النفسي، إلا أنها مازالت قاصرة على أن تصل إلى أعماق النفس البشرية بما تحمل من أفكار ومشاعر ووجدان ودوافع وخبرات وكلها موجهة بقيادة من روح الخالق العظيم الذي لديه وحده كتالوج تشغيل أجهزة الجسد والنفس والروح. لذلك فهو وحده القادر على الوصول إلى أعماق النفس ليشفيها ويحررها ويقودها لترجع إلى هويتها الأصلية التي خُلقت عليها والتي أبدعها في أكمل وأحسن صورة حتى يمكنها أن تصل إلى قامة ملء المسيح، وهو الهدف الأسمى من الوجود الإنساني.