الحب باسبور العبور

26

د. فيولا موريس

احتفل العالم كله في الفترة الماضية بعيد الحب (الفالنتين)، وهي الفترة الزمنية التي يعبِّر فيها كل منا عن قوة المشاعر والأحاسيس تجاه الآخرين، سواء كانوا من الأحباء أو الأهل أو الأصدقاء. وتتلخص صور المحبة في الهدايا ذات اللون الأحمر الذي يعبِّر عن التهاب العواطف والمشاعر. ولكن مجرد الانتهاء من موسم الحب، تبدأ العلاقات في الفتور والتباعد، وقد تصل إلى حد القطيعة بل في أحيان أخرى إلى عدم المحبة والكراهية.

وفي الواقع، فإن من أكبر التحديات التي تواجه الجنس البشري بصفة عامة الصراع بين الحب والكره، حتى أن علماء النفس يعترفون بأن الطفل يولد مزودًا بصراع بين هاتين الخاصتين، فمثلًا يحب أمه لتسديد احتياجاته وفي الآن نفسه يكرهها إذا ما قامت بعقابه أو حرمانه من شيء يحبه. وقد ذكر لنا الكتاب المقدس كيف أن هذا الصراع وُجِدَ منذ بداية الخليقة وانتهى بكراهية قايين لأخيه هابيل فقام بقتله.

لقد نشأت العلاقات البشرية على فكرة محبة مَنْ يتجاوب مع محبتنا، وما عدا ذلك فهو يدخل في دائرة عدم المحبة أو الكراهية، وقد يرجع ذلك إلى الطبيعة البشرية الساقطة بالإضافة إلى نوعية التربية والثقافة التي تعمل على تغذية الأنانية والانحصار في الذات، حتى أن الأنانية ارتبطت بظهور النظم الاقتصادية السائدة في المجتمعات والتي تحكمها الرأسمالية والتي حرصت على تمجيد مركزية الذات وتجاهل المشاعر الإنسانية وإضعاف الحب كقيمة إنسانية. وهكذا أصبح الحب مشروطًا بالأخذ والتملك، فاقتصرت المحبة على مَنْ يحبني ويسعدني أو أجد فيه ما يحقق لي مصلحة أو منفعة شخصية.

كما ترجع عدم محبتنا أو كراهيتنا لبعض الأشخاص إلى أنهم يسيئون إلينا أو يصيبونا بالأذى والإحباط أو يكرهونا، بالإضافة إلى أن هناك بعض الأشخاص قد لا يتوافقون مع أمزجتنا الشخصية، وذلك مثل هؤلاء الذين يخالفوننا الرأي ولا يمدحوننا أو يتجاهلوننا.

لذلك يظل السؤال المحير هو: كيف لنا أن نحب مثل هؤلاء الذين لا يتجاوبون مع محبتنا أو الذين يخذلوننا أو يصيبوننا بالأذى أو الذين لا يتوافقون مع أمزجتنا؟ وأيًا كانت أسباب عدم محبتنا، سواء كانت ترجع إلى طبيعتنا الأنانية أو إلى الأشخاص أنفسهم، لا بد أن يُحسم هذا الصراع لصالح المحبة حيث إنها الوصية الأولى والعظمى الذي أوصانا بها السيد المسيح (تحب قريبك كنفسك) وأيضًا لنتمكن من كسر الحواجز النفسية بيننا وبين الآخرين.

خطوات نحو العبور للآخرين

– علينا أن نفهم دوافعنا العميقة من كراهيتنا لبعض الأشخاص، فقد يكون السبب هو اجتيازنا في خبرات سيئة سابقة دفعتنا إلى تعميم مشاعر الكراهية، وذلك مثل الشخص الذي يكره رئيسه في العمل لأنه يمثل رمزًا للسلطة الأبوية التي عانى منها في طفولته.

– وقد يرجع السبب إلى استخدام الشخص لبعض الميكانيزمات الدفاعية مثل الإسقاط أو التبرير لتقديم الأعذار عن كراهيته للآخرين.

– وقد يكون السبب وراء تعطيل محبتنا للآخرين هو التركيز على الذات وتعظيم الـ(Ego)، فنضع كرامتنا فوق كل اعتبارات إنسانية.

– علينا أن نحاول فهم نفسية الأشخاص الذين لا يتجاوبون مع محبتنا أو الذين يسببون لنا الضيق والأذى، فقد يكونون هم أيضًا ضحية لأشخاص آخرين، فالشخص الذي يجرح هو في الأغلب سبق وقد عانى من تجريح الآخرين له.

– ابحث عن احتياج مثل هؤلاء فهم في حاجة إلى الشفقة، إذ غالبًا ما نجدهم متعطشين للحب والاهتمام أو الإحساس بالقيمة. قدم لهم كلمات الثناء والتشجيع.

– قد يستخدم عدو الخير بعض الأشخاص لإيقاعك في الأذى. تذكَّر أن حربك الرئيسية مع إبليس (مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع أجناد الشر الروحية في السماويات). وصلِ من أجلهم لأنهم مقيدون، إذ هم في قبضة عدو الخير.

– اسعَ للسلام مع الجميع، وذلك بأن تبادر بالمواجهة للشخص الذي يسيء إليك وتحاول أن تعاتبه برفق، لا لكي تدينه بل لكي تربحه. وإذا رفض كل محاولات السلام، فضع مسافة بينك وبينه مع الاحتفاظ بمحبتك والصلاة المستمرة لأجله.

– صلِ إلى الله لكي تكتسب فضيلة الوداعة، فالوداعة تجلب بركات كثيرة على حياتك وحياة عائلتك (الودعاء يرثون الأرض)، واعلم أنها لا تُكتسب تلقائيًا، بل هي في حاجة إلى ممارسة وتدريب مستمر.

– اعلم أنك إذا كنت تختزل المحبة في مَنْ يبادلك الحب، فأي فضل لك؟ فالخطاة يفعلون ذلك.

– ثق أن المحبة عمل إرادي واختياري، وليست مجرد مشاعر. فأنت تختار بإرادتك أن تحب مَنْ يخالفك الرأي أو مَنْ يسيء إليك أو مَنْ يكرهك، وبذلك تصبح المحبة قيمة أخلاقية.

– التصق بماء الحياة (الرب يسوع) حتى تشبع من نهر حبه وتفيض منه للآخرين (الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية).

– انظر إلى ما قدمه لنا السيد المسيح من حب كامل تجلى على الصليب. لقد منحنا الحب بدون شروط أو استحقاق (ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا) لكي نتمتع بغفرانه. فكيف لنا أن نمسك على الآخرين خطاياهم ونحن الذين غُفرت لنا خطايانا بهذا المقدار؟

– تذكَّر أنه ترك لنا وصية عظمى وهي أن نحب بعضنا بعض (أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضًا لأن المحبة هي من الله وكل من يحب فقد وُلِدَ من الله … لأن الله محبة). وقد منحنا أيضًا إمكانية أن نحب بعضنا بنفس المقياس الذي أحبنا به، وذلك بانسكاب روحه القدوس في داخلنا. وأخيرًا اعلم أن الحب هو الباسبور الوحيد، ليس للعبور للآخرين فقط بل للعبور إلى الملكوت.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا