التَّرْكِيْبُ النَّفْسِيُّ لِلجَمَاعَاتِ الإرْهَابِيَّةِ

34

د. بليغ حمدي اسماعيل 

لأنها ليست الأكثر غموضًا فهي سريعة السقوط وقليلة الصمود إزاء إحداثيات الوطن، هكذا يمكن توصيف حال ومقام تيارات الإسلام السياسي أو الجماعات السيسيودينية التي اعتلت صدارة المشهد السياسي منذ استقرار الانتفاضة الشعبية في يناير 2011 حتى وقت سقوطها الشعبي في يونيو 2013، وبرغم أن الصورة الإعلامية التي صورت تلك التيارات السياسية التي استهدفت جمهورها من بوابة الفقر الديني لديهم انحصرت في كونها تيارات سرية وغامضة مما يعتقد الكثيرون أنهم الأكثر حراكًا وقدرة على التنظيم والاستهداف المباشر، إلا أن الحقيقة النفسية لتلك التيارات لا تؤكد ذلك أو تشير إليه من قريب أو بعيد.

فالمستقرئ لحركات الإسلام السياسي منذ اشتعال الفكر الوهابي في شبه الجزيرة العربية مرورًا بالحركات المزجية بين الدين والسياسي في مصر وسوريا والعراق وتونس، يدرك أن هذه الفرق بعيدة تمام البعد عن تطوير الاستخدام السياسي مما جعلها أكثر سطحية ومباشرة لا غموضًا وسرية ويكفي تحركات ما بعد ثورة يونيو لتكون خير شاهدة على افتقار هذه الفصائل والحركات إلى سرية التكوين والتنفيذ. لكن ظل الغموض فقط مصاحبًا لسير المؤسسين لهذه التيارات، فمن بالغ الصعوبة أن تجد سيرة لهؤلاء الذين صاغوا حركاتهم سيرًا بأقلام غير المريدين لهم، بل إن قصص حيواتهم تظل رهن الاستقطاب التمييزي ولا تقترب إلى حد المكاشفة التاريخية رغم وجودهم التاريخي.

وكون هذه الحركات لا تفكر في تطوير المصطلح السياسي لديها فهي الأقرب إلى الجمود منه إلى الفعالية والنشاط حتى وإن كانت قادرة على التحشيد، لكن الشهود الحضاري يفي بأنها على علاقة مستدامة بفكرة الامتلاء السياسي ومن ثم الاكتفاء الفقهي ووجود مرجعية ثابتة لا تعرف للاختلاف سبيلًا ولا تفطن للتعددية طريقًا.

وهذا الامتلاء السياسي هو الدافع الحقيقي وراء معظم أفكار تيارات وحركات الإسلام السياسي، وهذه الأفكار شكلت منظومة أيديولوجية يمكن توصيفها في ملامح محددة، منها ضرورة التغيير الشامل وليس التطوير الجزئي، ورغم ما يشاع عن تيارات الإسلام السياسي ومنها جماعة الإخوان بأنها تسير بخطى وئيدة حتى تحقيق أهدافها فإنها بالفعل حركات تفتقد حيلة ومزية الصبر، كما تفتقد فضيلة التواضع لأن أبرز عوامل سقوط الجماعة سياسيًا هو الاستعلاء السياسي الذي مُورس على قطاعات عريضة من الشعب. وظل الاستعلاء كسمة مصاحبة لتيارات الإسلام السياسي في نمائه حتى أصيب بحالة من التضخم الذاتي للقيمة مما دفعها جميعًا إلى عدم الاكتراث بأية تنظيمات أخرى.

وليس من المنطق أن تحدث تغييرًا شاملًا إلا إذا كنت نبيًا يُوحى إليك ولست بشرًا عاديًا ربما لا تمتك قدرات استثنائية، لكن هاجس التغيير الشامل ظل وسيظل محركًا لكافة الممارسات السياسية لتلك الجماعات دون أدنى اعتبار لوقع الشارع وأدائه.

ومن ملامح الأيديولوجية أيضًا استخدام خطاب المظلوم سياسيًا والذي يعاني دومًا الإقصاء عن المشاركة الدينية أو السياسية وربما انتفاء الذوبان المجتمعي اللهم سوى الذوبان داخل التنظيمات الخاصة فقط، مما أدى إلى استسلام المنتمين إلى تلك الحركات إلى نهايات التهميش والاضطهاد من قبل طبقات المجتمع، لذلك لم يكن عجبًا أن تسعى جماعة الإخوان في مصر إلى تهميش الجميع حينما وصلوا إلى سدة الحكم وهو ما أطلق عليه آنذاك أخونة مفاصل الدولة.

وتلك الحالة الاضطهادية التي لا تزال محل شعور تلك الجماعات أو التيارات التي اقتحمت العمل السياسي من بوابة الدين واستهداف فقر المواطن دينيًا ومعرفيًا جعلت المنتمي إليها يرى المجتمع منحرفًا عن الوجهة الصحيحة التي تلقى تعاليمها أو مواصفاتها في نفس الوقت الذي تتنامى لديه عقدة الشعور بالظلم مما يجعله حاكمًا على مجتمعه بالكفر، وفي كثير من الأحايين يرى وجوب محاربة العدو القريب بدلًا من أعداء الخارج وهو ما نراه واضحًا في حالتي الجماعة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وهذا ما وجدناه رأى العين في كتاب “الفريضة الغائبة” حينما نطالع قولاً يرى أن قتال العدو القريب داخل الوطن أولى من قتال العدو البعيد، وإذا استرجعنا وعي هؤلاء بذواتهم المضطهدة من وجهة نظرهم والمهمشة بفضل ممارسات الأنظمة السياسية التي لم تر نفعًا في دمج هذه التيارات داخل سياق المجتمع، نكتشف مشاهد الثأر المستدامة صوب بعض الفئات كالقضاء والشرطة وأخيرًا الجيش، وهذه المشاهد نراها متأصلة في تاريخ الجماعات التي وصفت مؤخرًا بالإرهابية.

والثأر كسمة تعد ملمحًا مهمًا ونحن بصدد تحليل الحالة النفسية لتيارات الإسلام السياسي، لأن موقف الثأر الدائم يفرض على تلك الجماعات وجود حالة من التعبئة الدائمة للصراع مع السلطة والذي انتقل مؤخرًا بفضل البلادة السياسية لهذه الفصائل إلى الصراع مع كل فئات المجتمع الرافضة لوجودها نظرًا لأعمال العنف والإرهاب وترويع الآمنين.

وربما أساتذتنا من علماء النفس الذين غرقوا حتى آذانهم في أوراقهم التي لا تخص سواهم غفلوا عن حقيقة تصل إلى تمام الشهود الحضاري وهي سيطرة اللاواقعي على فكر وسلوك تلك التيارات والفصائل السيسيودينية. وسيطرة اللاواقعي تعني أنهم فقدوا السيطرة في التمييز بين السلطة كنظام سياسي حاكم وبين المواطنين كأفراد مستقلين يشكلون المجتمع الكبير. فرأينا حوادث القتل في الشوارع وتدمير بعض البنايات وحوادث الترويع وإشاعة الخوف من تفجيرات قادمة مرتقبة الأمر الذي يدعو إلى مزيد من الدراسات السيكولوجية لطبيعة شخصيات المنتمين لتلك الفصائل.

وبسبب سيطرة اللاواقعي على فكر تنظيمات الإسلام السياسي كانت الدعوة إلى إحياء فكرة الخلافة، والانفصال عن الوطن وقضاياه ومشكلاته الاجتماعية والاقتصادية وغلق فكر الاجتهاد إلى منتهى غير معلوم، وبات الأمر في البداية شركًا أوقع الكثير من البسطاء في فخاخه وأوكاره، لاسيما أولئك الذين استمرأوا ثقافة الاستماع دون اكتراث بفعل القراءة والتأويل وتحليل المعطيات. ورغم طموحات المغامرين بفكر الخلافة إلا أنهم سقطوا وطنيًا حينما سقطت دولتهم بإرادة وثورة شعبية في يونيو الأحمر فتخلوا عن مزاعم تحرير القدس من الغاشم الصهيوني وتحولت فكرة الثوار والأحرار المجاهدين صوب القدس لتحريره إلى حرب غير واعية من الدولة والمواطنين في الداخل.

وربما لم تدرك تلك الفصائل الحراك السياسي التركي نحوها ومدى الاهتمام المدهش في رصد أنشطتها الليلية في منتديات الرأي أو مظاهرات الجامعة وطرقات القرى المصرية، لكن ثمة أسئلة ربما تفضح هذا الحراك، منها لماذا لم تتحرك تركيا بنفسها وتعلن مزاعم عودة الخلافة المنشودة وتذهب مباشرة تجاه إسرائيل لتخليص القدس من براثنها ومخالبها ومخططاتها الخبيثة؟

ولماذا تأخرت تركيا كل هذا الوقت في مساندة حليف يحمل نفس الحلم القديم وهو الخلافة وانتظرت حتى بزوغ تيارات الإسلام السياسي في مصر؟

ويظل تساؤل آخر يبدو مهمًا وهو أن تركيا التي تلهث وراء ترويج منتجات الشرعية وتحالف القوى الوطنية هي نفسها التي تؤكد ليل نهار أنها استحالت حضنًا هادئًا وناعمًا للعلمانية، وأنها لن ترجع خطوة واحدة مرة أخرى للوراء؟ لكن مشكلة تيارات السيسيو دينية أنها لم تعي إلى مشاهد المباحثات الأمريكية التركية أو التركية الصهيونية، وربما هذا المشهد يدرج أيضًا تحت السمات المميزة لتيارات الإسلام السياسي ألا وهو الغفلة!.

وتبدو الخلافة دومًا فكرة قائمة كملك عضوض في عقلية الجماعات والتيارات الدينية السياسية.

والعامل الرئيس الذي أفضى بسقوط كافة الخلافات الإسلامية منذ اعتلاء واغتصاب معاوية بن أبي سفيان الخلافة وتحويلها إلى ملك عضوض هو امتلاك السلطتين الزمنية والدينية، بل إن اقتناص خلفاء بني أمية ومن خلفهم خلفاء الدولة العباسية واستلابهم للهيئة الدينية الرسمية في تلك العصور هو مفاد السقوط النهائي لهم، وهذا ما يدور بالضرورة في أذهان أمراء وقيادات جماعات التكفير والهجرة مرورًا بتنظيم القاعدة الدموي وصولًا إلى تنظيم الدولة (داعش).

ومن معالم طريق الجماعات الراديكالية المتطرفة المغالية في استخدام العنف والبطش والقتل إبطال عمل العقل والتفكير رغم كونه -التفكير والاجتهاد معًا- فريضة إسلامية ضرورية ولازمة وفقًا لإشارة الأستاذ عباس محمود العقاد، كان هذا الإبطال المتعمد والممنهج سببًا قويًا في توطين ثقافة النقل الحرفي وفقر الاجتهاد.

المثير في صحائف القهر بتاريخ الجماعات الراديكالية لاسيما في القرن المنصرم أن كل جماعة دينية زعمت أنها تمثل الإسلام بشريعته السمحة وفضائله ومناقبه، وهي بذلك الزعم استطاعت أن تستغل الدين لاسيما الترويج للفكر الديني الذي بدا متطرفًا في تلك الفترات، ولجأ قيادات التكفير والهجرة والتبليغ والدعوة والجماعة الإسلامية والسلفية الجهادية تحديدًا إلى استغلال الدين، لتحقيق مآرب شخصية وطموحات عائلية، بل ومطامح قبلية خاصة لذا لم يستطيعوا أن يمثلوا الإسلام ولا المسلمين على امتداد سيطرتهم المجتمعية آنذاك. وتبدو ممارساتهم السياسية والاجتماعية والدينية أيضًا كفيلة بالحكم على فساد رأيهم لاسيما فيما يتعلق بأمور النساء عمومًا وقضايا التعليم الرسمي ومؤسسات الدولة.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا