“اكتب برقية إلى (عمك) تهنئه بسلامة الوصول بعد أداء فريضة الحج.” إجباري

152

فاطة ناعوت

الحقيقة هذا السؤال في امتحان اللغة العربية للصف السادس الإبتدائي ينطوي على بضعة فخاخ وإشكاليات غير تربوية. وعزاؤنا أن مثل تلك اللمحات الطائفية في منظومة التعليم هي آخر بقايا التعليم القديم الذي سوف يختفي بإذن الله مع دخول أبنائنا العام القادم الصف السادس الإبتدائي مع مناهج التعليم الجديدة التي بدأت منذ خمس سنوات في جمهوريتنا الجديدة، والتي وضع ملامحها د. “طارق شوقي” وزير التعليم السابق، ويحمل مشعلها الآن د. “رضا حجازي” وزير التعليم الحالي.

ومن بين تلك الإشكاليات:

1- إشكالية طائفية. إذ أن واضع السؤال لم يحترم مبدأ “التعددية” وأهدر مبدأ “المواطنة” الذي هو نهج “الجمهورية الجديدة” والدولة المدنية التي تظللنا، إذ تغافل واضع السؤال عن وجود طلاب مسيحيين من بين المُمتَحَنين. ورغم أنه امتحان “مادة لغة عربية”، وليس مادة دين أو مقارنة أديان، إلا أن واضع الامتحان وضع سؤالًا من شأنه أن يؤجج “المختلفات” بين العقائد بدلًا من أن يُكرِّس “المشتركات” بين الأديان، وهي كثيرة للغاية، وهذا ما يجب أن نؤكد عليه: “أن ما يجمعنا أكثر كثيرًا مما يفرقنا”، وفضح هذا التوجه إصراره أن يجعل هذا السؤال إجباريًا وليس اختياريًا. وكان يمكن أن يطلب السؤال من الطالب كتابة برقية تهنئة بفوز العم بجائزة الدولة في العلوم أو الآداب، أو لاكتشافه دواءً جديدًا لمرض عضال، أو ابتكاره اختراعًا يفيد البشرية، أو رجوعه سالمًا إلى أرض الوطن بعد معركة شريفة من أجل الوطن، أو مئات الموضوعات الأُخر المستلّة من نسيج مظلة الإنسانية الواسعة، بعيدًا عن العنصريات الضيقة التي تثير المرارة في النفس والشعور بالتمييز والفرز الطائفي.

2- إشكالية تمييزية. واضع هذا السؤال الطائفي يمنح الطالب المسلم درجات مسبقًا لن ينالها زميله الطالب المسيحي. فالطالب المسلم سيكون قادرًا على التعبير على نحو أبلغ وأجمل وأكمل من الطالب المسيحي، وذلك لأن حصيلته المعرفية من واقع الخبرة والمشاهدات تتيح له الدراية بطقوس الحج إلى بيت الله الحرام وأدبيات الاحتفال به، على عكس زميله المسيحي الذي سوف يكتب من خلال ما يتسقط في ذاكرته من خبرات الجيران والأفلام، فتكون قدرته التعبيرية ضعيفة وغير واقعية ومجرد حشو لغوي ركيك.

3- إشكالية تفخيخية. لأن الطالب المسيحي من السهل جدًا أن يصوغ كلماته من معجمه الفطري اليومي المعتاد عليه مثل “مبروك نعمة الرب عليك” أو “حمدًا للرب على سلامة الوصول” إلخ، وبالتأكيد قد ينسى كتابة “عليه الصلاة والسلام” بعد كلمة “النبي” كما اعتدنا نحن المسلمين أن نفعل إلخ، فتثور حفيظة المصحح (الذي قد لا يقل طائفيةً وتعصبًا عن واضع الامتحان)، وقد يعاقبه بالرسوب أو بحذف درجات يستحقها في مجمل الامتحان.

4- إشكالية أخلاقية. فالسيد واضع هذا الامتحان يحض الطالب المسيحي على النفاق، فكلما كان الطالب المسيحي منافقًا وكتب وأسهب وجامل وداهن فيما لا يعرف ولا يعتقد، زادت حصيلته من الدرجات. ولو افترضنا أن طالبًا مسيحيًا صادقًا أمينًا قد كتب: “إن عمي مسيحي، فكيف له أن يحج إلى الحجاز؟!”، ألن يرسب هذا الطالب عقابًا على صدقه وعدم نفاقه؟!

5- إشكالية تكسير الإبداع. لو افترضنا أن طالبًا مسيحيًا موهوبًا قد فكَّر خارج الصندوق وسمح لخياله بالجموح و”ركب حصان خياله” فكتب عن عمه بطرس الذي عاد من الحج إلى كنيسة القيامة في القدس الشريف، خصوصًا أن السؤال كتب “فريضة الحج” دون تخصيص. وهنا أترك لكم تخيُّل مصير إبداع هذا الطالب.

يا دولة المواطنة، يا دستور بلادنا، يا وزير التعليم، يا الله العادل العدل، نلوذ بكم من أمثال واضع هذا السؤال المفخخ.

وآخر قولي، الحمد لله أن هذا الامتحان المفخخ هو آخر بقايا التعليم الطائفي القديم الذي سوف يختفي بإذن الله مع دخول أبنائنا العام القادم الصف السادس مع مناهج التعليم الجديدة في جمهوريتنا الجديدة.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا