أول دعوى قضائية ضد الله! (10) الحق القانوني

8

أ.د. أماني ألبرت

لا يمكن أن تُحسم الضيقة في العالم الواقعي! ستُحسم أولًا في العالم الروحي، وهذا يعني أنه علينا أن نتواجد أمام المحكمة السماوية، وأن نتأكد أننا نقوم بالدور المنوط بنا وأننا لا نمنح الخصم الحق القانوني ليشتكي علينا.

بسبب عمل المسيح على الصليب، أصبح لنا الحق في أن نتواجد أمام عرش النعمة. “نتقدم بثقة إلى عرش النعمة لكي ننال رحمة ونجد نعمة عونًا في حينه” (عب4: 16).

وبسبب عمل الصليب مُنحنا مكانة قانونية في السماء، صار لنا غفران لخطايانا وتطهير واسترداد، فالرب “محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا وقد رفعه من الوسط مسمِّرًا إياه بالصليب” (كو2: 14). والصك هو وثيقة الدين المكتوبة ضدنا، وهو ملفات مسجل عليها كل ما كسرناه من وصايا، ولكن بالصليب حدثت المصالحة بيننا وبين الله الآب.

والمعنى أن الرب يسوع المسيح أزال وثيقة ديوننا، وهي الصك، كما لو كان قتل هذه الوثيقة. فقد سمَّر الرب المستند الذي سُجلت عليه ديوننا مع جسده على الصليب وماتت ودُفنت بلا عودة وقام الرب منتصرًا من الأموات.

 ولكن هذا لا يعني ألا نتقدم بتوبة مستمرة عن خطايانا. فكرة أننا نكتفي بأن المسيح غفر خطايانا على الصليب دون أن نقدم توبة مستمرة على الخطايا والضعفات اليومية تمنح العدو الحق القانوني للشكاية علينا. التوبة تُخرس وتُسكت صوت المشتكي، وهو ما حدث مع يهوشع الكاهن، فبينما الشيطان قائم عن يمينه ليقاومه بسبب ثيابه القذرة، وضع الرب عليه ملابس وعمامة طاهرة. وقال: “إِن سلكت في طرقي، وإِن حفظت شعائري، فأنت أيضًا تدين بيتي، وتحافظ أيضًا على دياري، وأعطيك مسالك بين هؤلاء الواقفين” (زك3: 7). “إذا كنت تعيش بالطريقة التي أقولها لك وتبقى مطيعًا في خدمتي، فسوف تتخذ القرارات هنا وتشرف على شؤوني” كما تُترجم: “إذا سلكت في طرقي وحفظت ما دفعته إليك، تكون القاضي على هيكلي وتحفظ بيتي، وأعطيك الحق لتدخل بين الموجودين”. سلوكنا في القداسة يعني أننا نسلك ضمن قواعد الله، وهو ما يعطينا الحق القانوني لندخل محضره ونقف أمامه ونصلي لحسم الأمور، وطالما نحن نعمل في ظل قوانين محكمة الله ونسلك باستقامة فلا حق قانوني للعدو.

التوبة والاحتماء تحت ستر دم المسيح يضمنان لنا خرس المشتكي، فالدم يرعب الأرواح الشريرة فلا تقدر أن تتكلم.

أيضًا، ما يعطي العدو الحق القانوني ويطيل من حسم معاركنا عدم تقدير القاضي. لو دخلنا إلى أي قاعة محكمة يتم إجلال وتقدير القاضي والوقوف عند دخوله، فما بالك بقاضي قضاة السماء والأرض.

تقدير الله القاضي يتم بتقديم العبادة المناسبة له، بإعلان مجده وصلاحه وقوته ومحبته وأمانته رغم عدم فهمنا، “الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له” (يو4: 23). العبادة تُدخلنا في بُعد سماوي يصنع استجابات غير عادية، أما التذمر والشكوى والاعتراض على طرقه والتحدث ضد الله، فكلها أمور تعطي العدو الحق القانوني ضدنا.

العبادة تعطينا الحق القانوني لننطق بالأحكام التي قالتها السماء، كما في السماء كذلك على الأرض (مت6: 10)، فتغزو السماء أرضنا بشكل قانوني.

حين يقع الشر لا بد أن نبحث عن الباب المفتوح الذي منح العدو الحق القانوني، لندخل سريعًا محكمة السماء ونغلق بوابات الشر.

عند الأبواب

حينما تحدث مشكلة معينة، أو ضيقة أو أزمة أو مرض، لا بد من التواجد أمام عرش النعمة، لا بد من دخول محضر الله للصلاة ولتقديم العبادة والتسبيح، لا بد من التواجد أمام العرش الإلهي حيث مجلس القضاء السماوي، وبينما نتوب عن خطايانا ونقدم كل إجلال للقاضي رغم الألم الذي نمر به، ونصلي كي يتدخل الرب في الأمور نكون مثل هؤلاء: “كسهامٍ بيد جبارٍ،.. لا يخزون بل يكَلمون الأَعداء في الباب” (مز127: 5)، فهم لم يقبلوا دخول العدو أرضهم، فوقفوا عند بوابات الشفاء والحرية والامتلاك والنجاح والبركة ولم يسمحوا أن يأخذ منها وطأة قدم، وظلوا واقفين أمام المجلس السماوي متعبدين ومحاربين يرمون سهامهم، مستمرين واحد وراء أخر، ومستخدمين سيوفهم “سيف الروح الذي هو كلمة الله” (أف6: 17)، ومعلنين الحق العام الذي تقوله الكلمة، ومستمرين في تسبيح الملك وإعلان صلاح وقوة وعظمة الله، ما يجعل العدو يخرس وتصمت شكايته.

هؤلاء على الأرض ولكنهم بالروح في بقعة مليئة بحضور الرب تصنع جسرًا بين الأرض والسماء حيث قاعة المحكمة السماوية، وبسبب تواجدهم يسمعون كلمة خاصة في العالم الروحي تلائم ظروفهم.

هذه الكلمة الخاصة قد تكون إعلانًا داخل أرواحهم بوعد من كلمة الله، ولكن هذه المرة ليست مجرد إعلان للوعود العامة التي تقولها الكلمة بل يملأ هذا الوعد يقين قلوبهم فيدركون أن هذه الكلمة تتناسب وتنطبق على ظروفهم، وبينما يستمرون مصلين يسمعون الحكم الذي صدر من فوق فيشِّرعون بكلمة تنفذ الحكم.

هم لا يشِّرعون من أنفسهم بل بناءً على حكم صادر من القاضي الديان العادل، فبسبب الجسر الواصل بين السماء وأرضهم تُطلق الأحكام السماوية التي تحسم معاركهم.

ينفذون الأحكام

“تنويهات (تسبيحات) الله في أفواههم، وسيف ذو حدين في يدهم . ليصنعوا نقمة (عقاب) في الأمم، وتأديبات في الشعوب. لأسر ملوكهم بقيود، وشرفائهم بكبول من حديد، ليجروا بهم الحكم المكتوب” (مز149: 6-9)

يتحدث مزمور 149 عن أشخاص ممسوحين مهمتهم تتحدد في تنفيذ القضاء على العدو، وهو الحكم الصادر ضدهم والمكتوب عليهم، هؤلاء أفواههم مملوءة بكلمات تسبيح لله ومعهم سيف يحاربون به، وبهاذين الأمرين يصنعون العقاب الذي أمر به الله أو ’’يفرض المحاربون المسبحون الحكم الصادر ضد أعدائهم‘‘. هنا الحكم مكتوب بالفعل ضد الأعداء، لذا يقومون وينهضون لتنفيذ الحكم والتشريع في الأجواء الروحية، وهو ما يصيب العدو بالخرس.

فلنلاحظ الترتيب في الآية التالية ’’ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ‘‘ (رؤ 19: 11). هو يُصدر أحكامه على العدو أولًا ثم يحارب، وهكذا نسمع كلمة خاصة من الرب بشأن ظروفنا نصلي ونحارب بها فنفرض الحكم الصادر ضد أعدائنا.

والآن بما أنه لديهم حكم ينطقون به ليتحقق، والكتاب يقول: ’’شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ‘‘ (ع 10) فلديهم شهادة قضائية من المحكمة فيها الحكم لصالحهم، فهموها بسبب تواجدهم في قاعة المحكمة السماوية، لذا تتحول هذه الكلمات في أفواههم إلى نبوات، فينطقون بالأحكام واثقين بإيمان أنها تتحقق، أي يتنبئون عما سيحدث في أبوابهم، إذ يرددون أحكام السماء.

#يتبع

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا