الأبدية تبدأ من هنا..!! (2)

0

بقلم الدكتور القس ﭽورﭺ شاكر
نائب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر

تحدثنا في العدد الماضي عن قصة ناداب وأبيهو، أكبر أبناء هارون، وكيف بعد أن عاينا مجد الرب، وتم تنصيبهما كهنة، اقترفا شرًا، الأمر الذي وضع كلمة النهاية على قصة حياتهما، فمكتوب في (لا10: 1-3): «وأخذ ابنا هارون: ناداب وأبيهو، كل منهما مجمرته، وجعلا فيهما نارًا، ووضعا عليها بخورًا، وقربا أمام الرب نارًا غريبةً لم يأمرهما بها. فخرجت نار من عند الرب وأكلتهما، فماتا أمام الرب. فقال موسى لهارون: “هذا ما تكلم به الرب قائلًا: في القريبين مني أتقدس، وأمام جميع الشعب أتمجد”. فصمت هارون”.

ورأينا أن هذه المعجزة حافلة بالعديد من الدروس والقيم والمبادئ الروحية، وذكرنا منها:

1- قبل الكسر الكبرياء.

2- تدليل الأبناء يعرضهم لدينونة الله.

3- مكان القداسة لا يحمينا من حياة النجاسة.

4- علينا أن نحترس ونحن في وقت النجاح.

واليوم نتابع هذه المبادئ والقيم:

5- خطأ أن تظن أنك أكبر من الخطأ

علينا أن نحترس من عدو الخير، فليس هناك مَنْ هو أكبر من الخطأ… كيف لا؟! وقد سقط ناداب وأبيهو، اللذان اختارهما الله لكرامة الكهنوت، وقضيا سبعة أيام في خيمة الاجتماع.

كيف لا؟! وقد أسقطت الخطية إبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى وداود وسليمان ويونان وبطرس وغيرهم، كما قال الكتاب: «الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله»، ولم يتورع عدو الخير أن يتقدم للرب يسوع ليجربه، وهو يعلم أنه رب المجد كلي القداسة.

نعم! يجب أن يكون المؤمن في يقظة دائمة ومستمرة، لأن الكتاب يحذرنا قائلًا: «إبليس خصمكم كأسد زائر، يجول ملتمسًا مَنْ يبتلعه هو» (1بط5: 8). لذلك قال الرب يسوع: «اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة» (مت26: 41).

وعلمنا أن نصلي: «لا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير» (مت6: 13).

6- أهمية حياة القداسة وقداسة الحياة

بعد أن سقط ناداب وأبيهو في الخطية، جاءت العقوبة الإلهية فورية، فخرجت نار من عند الرب وأكلتهما فماتا. وهنا يذكّر موسى هارون أخاه بقول الرب، كان قد سمعه من قبل وأخبره به، وربما يكون موسى بقوله هذا يشير لقول الرب: «وليتقدس أيضًا الكهنة الذين يقتربون إلى الرب لئلا يبطش بهم الرب» (خر19: 22). والمعنى هنا أن الله عين الكهنة ليقدسوه وسط الشعب كوسطاء بينه وبينهم، فعليهم أن يعيشوا حياة مقدسة لائقة بخدام الله، لإعلان قداسة الإله الذي يعبدونه.

فعندما يعيش الكاهن حياة مقدسة، سيظهر الله قداسته فيه، ولعل هذا يفسر الآية التي تقول: «في القريبين مني أتقدس، وأمام جميع الشعب أتمجد» (لا10: 3). أما لو أهمل الكهنة في قداستهم فإنهم سيتعرضون لتأديبات قاسية وعلانية أكثر من الشعب… فإن كان ينبغي على كل المؤمنين أن يطيعوا الله، ويحفظوا وصاياه، ويعملوا رضاه، ولا يعبدوا سواه، ويعيشوا حياة القداسة، لأنه مكتوب: «إرادة الله: قداستكم» (1تس4: 3)… فكم بالحري خدام الله يجب أن تكون حياتهم مقدسة بالتمام، ويعيشوا ويسلكوا حياة التدقيق، ويكونوا قدوة في كل شيء… وهؤلاء إن لم يعيشوا هكذا تكون دينونتهم أعظم، والله يتمجد ويظهر قداسته بعقابهم، وأنه رافض للخطية أيًا كان مصدرها، وهذا معنى «وأمام جميع الشعب أتمجد».

7- مع كل امتياز مسؤولية

ومَنْ يعرف أكثر يُدان أكثر، فلقد كان ناداب وأبيهو في مكانة رفيعة المستوى، ومركز مرموق في إسرائيل بعد موسى وهارون. ولقد أكرمهما الرب بنوع خاص، إذ سمح لهما مع الشيوخ السبعين برؤية مجده في الجبل، ولذلك لم يغض الطرف عن خطيتهما، ولم يستخف بها، بل كل هذا زاد من شناعة وبشاعة خطيتهما في نظر الله، إذ كونهما قد حصلا على نور عظيم، وأصبحا مثل رؤساء إسرائيل الذين صعدوا إلى الجبل، وكان لهما امتياز الشركة مع الله، والسكنى في نور مجده، لذلك لم يكن لهما أي عذر بأن يخدعا أنفسهما بأنه يمكنهما أن يخطئا ويعفو عنهما الرب، وأنه لكونهما قد حصلا على هذا الامتياز لن يدقق معهما الرب، ولن يعاقبهما على إثمهما… تلك خدعة قاتلة ومدمرة.

نعم! إن كل امتياز يمنحه الله للإنسان ينبغي أن يشعر معه بمسؤولية أعظم، وبالفضيلة والقداسة بما يتناسب مع النور المعطى له… فبدون أدنى شك، أن الرب لا يقبل منا أقل من هذا، فالامتيازات لا يجب أن تخدر الإنسان وتجعله يطمئن، ويكون عديم اليقظة والحيطة والحذر، ويتهاون ويتساهل في التدقيق في سلوكياته، فيسقط في شر أعماله كما يقولون، وإنما في يقيني وتقديري أنه يجب أن تشعل كل الامتيازات الممنوحة من الرب لنا الحماس في نفوسنا، وتبث الحرارة في قلوبنا، وتحفز التصميم في إرادتنا لنتمم مشيئته وإرادته المقدسة لحياتنا.

8- الخطية هي التعدي

يوضح لنا سفر اللاويين (ص10: 1) أخطاء ناداب وأبيهو، فمكتوب: «وأخذ ابنا هارون: ناداب وأبيهو، كل منهما مجمرته، وجعلا فيهما نارًا، ووضعا عليها بخورًا، وقربا أمام الرب نارًا غريبةً لم يأمرهما بها».

تسرعا وتصرفا من ذاتهما دون أمر الرب، رغم سماعهما قول موسى: «هذا ما أمر به الرب». فلقد تعديا أمورًا سبق تشريعها، ولذلك قدما نارًا غريبةً لم يأمر الرب بها، وكان المفروض أن يأخذا جمرًا من فوق مذبح المحرقة لكي يجعلا عليه البخور، أما هما فقد أخذا جمرًا من موضع آخر… غالبًا من الموقد الذي كانوا يطبخون عليه لحم الذبائح للاحتفال، والتعبير «لم يأمرهما» يأتي بمعنى «نهاهما عنها». كما أن تقديم البخور له أوانه، وذلك عند إصلاح السرج بالمنارة صباحًا وعند إشعالها في العشية، وهذا ما هو مكتوب في (خر30: 7، 8).

كما لا يقدم البخور كاهنان معًا، فالمفروض واحد فقط، وهذا ما نراه في مراعاة زكريا والد يوحنا المعمدان لهذا الأمر (لو1: 9، 10)، فدخول كاهنين معًا كان تعديًا.

وأخطآ بوضع البخور على النار في المجمرة، فلقد كان هذا عمل رئيس الكهنة في يوم الكفارة (لا16: 12-13).

ومن هنا نستنتج أنهما دخلا إلى قدس الأقداس، الأمر غير المسموح به لأحد غير رئيس الكهنة، ودخولهما إلى قدس الأقداس عرضهما للموت (لا16: 1، 2).

كما يرى عدد كبير من المفسرين، في ضوء ما جاء في (لا9: 9)، أن ناداب وأبيهو دخلا إلى الأقداس وبيديهما النار الغريبة، فوقها البخور في المجمرة، وهما في حالة سكر… كل هذه التعديات… صور مؤسفة من صور التعدي وكسر وصايا الرب، الأمر الذي عرضهما للموت… فالخطية والعقاب صنوان لا يفترقان.

9- ينبغي أن نعمل عمل الله بحسب فكر الله

لقد عاقب الرب ناداب وأبيهو لأنهما قربا أمام الرب نارًا غريبةً لم يأمرهما بها. لقد رفضا الطريقة التي أوصى بها الرب، وقررا أن يقتربا بطريقتهما الخاصة، ولذلك قصد الرب أن يعلم شعبه وجوب الاقتراب منه بالكيفية التي قد عينها، إنه لا يقبل طاعة ناقصة مبتورة. لقد أعلن إشعياء اللعنة على مَنْ يحيدون عن وصايا الرب قائلًا: «ويل للقائلين للشر خيرًا وللخير شرًا، الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا، الجاعلين المر حلوًا والحلو مرًا. ويل للحكماء في أعين أنفسهم، والفهماء عند ذواتهم» (إش5: 20، 21).

نعم! الرب لم يقدم في كلامه أمرًا يمكن أن يعصاه الناس أو يطيعوه حسب رغبتهم وإرادتهم دون أن يتحملوا العواقب، فإذا اختار الناس طريقًا آخر غير الطاعة الكاملة، فسيجدون أن عاقبتها طرق الموت (أم14: 12).

وللأسف، إلى اليوم، كثير من الناس يريدون أن يقتربوا من الرب، ولكن بطرقهم وفكرهم هم، وليس بحسب فكر الرب الذي رسمه ووضعه… هناك مَنْ يفكر في إرضاء الله بأعماله وصلواته وأصوامه وصدقاته… والحقيقة أن هذه كلها مجرد نار غريبة لم يأمر بها الله… «لأنه بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه» (عب11: 6).

عبرة في عبارة

لا توجد خطية بلا ألم وعناء.
ولا يوجد إيمان بلا فرح ورجاء.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا