إلى الرئيس اللبناني: استمر في المفاوضات مع إسرائيل من أجل مصلحة لبنان

0

نشأت أبو الخير

خاض اللبنانيون في سبيل استقلالهم نضالًا طويلًا، وكانت معركة عام 1943 تتويجًا لإرادة وطنية عبّرت عن نفسها بقوة، وتطورت بشكل تصاعدي إلى أن تحقق الاستقلال، مكرسًا لبنان وطنًا حرًا سيدًا مستقلًا واحدًا لجميع أبنائه. ولقد كان سعي اللبنانيين إلى الاستقلال والحرية من السمات البارزة التي عُرف بها خلال حقبات التاريخ المختلفة، بدءًا بالقديم، مرورًا بالعهد العثماني، وصولًا إلى الانتداب، فقد كان الثاني والعشرون من نوفمبر عام 1943 هو التاريخ الذي يمثل نهاية الانتداب الفرنسي بعد 23 عامًا من حكم الانتداب.

لبنان كما يصفها الدكتور غسان خلف: “هذه البقعة الجغرافية الرائعة الطبيعة الواقعة بين الماء والصحراء، وشعبها الطموح الذي أسس أعظم إمبراطورية تجارية وحضارية في العالم القديم، صاحب الحضارة الفينيقية العريقة، حيث ينتمي تاريخيًا وبشكل أساسي إلى الحضارة الفينيقية”. لقد قامت هذه الحضارة على التجارة وإرساء قواعد التعامل التجاري بينها وبين الشعوب الأخرى على سواحل البحر المتوسط، وأقامت مراكز تجارية، ولم تخض معارك مع الشعوب المعاصرة، فكيف حال لبنان الآن؟ دعوني أقتبس جزئية من الكتاب الذي أهداني إياه صديقي اللبناني الراحل، العالم اللاهوتي اللبناني الشهير الدكتور غسان خلف، حين التقيته في إحدى زياراتي للبنان، وأهداني كتابه “لبنان في الكتاب المقدس”، يقول ما نصه: “شرعت في تأليف هذا الكتاب يدفعني حبي للبنان، وطني الجريح، وشعبه المعذب، فيكون هذا الكتاب رسالة تبعث فينا نحن اللبنانيين روح الصمود في وجه المحن التي تعصف بوطننا، وتحفزنا على الجهاد للإبقاء على لبنان خالدًا في قيم المحبة والإخاء والتسامح الديني والحرية والكرامة، ولبناء صرح العدالة والحق والخير والجمال والبر والصلاح، فمثل هذه حياة لبنان واستمراره، وبنقيضها زواله”. والشيء بالشيء يُذكر، كان قد أهداني كتابًا آخر بعنوان “الله والسياسيون”، انتهى الاقتباس.

فحين يُذكر اسم لبنان، يُذكر اسم شجرة الأرز الخالدة، هذه الشجرة العظيمة التي لا تنبت سوى في لبنان في هذه المنطقة من العالم، وهي ترمز للشموخ والمجد والخلود، لذا كانت الرمز الرسمي للبنان وشعار العلم الوطني، وتتشابك مع هوية اللبنانيين الذين اعتادوا رؤيتها على علم بلادهم والوثائق الرسمية. لبنان البلد الجميل، وشعبه العاشق للحياة، سويسرا الشرق، منارة الثقافة والفنون والعلم والأدب، تعرض لعدة محن ألمت به على مدار تاريخه الحديث والمعاصر نتيجة التداخلات الخارجية في شؤونه، من الوجود الفلسطيني للوصاية السورية لهيمنة حزب الله للاجتياح الإسرائيلي لأراضيه. ولنعرض بشيء مقتضب لتلك الأحداث الثلاث، ففي نشوة التيارات القومية العربية في خمسينيات القرن الماضي، حين شكّل مشروع عبد الناصر للوحدة العربية خطرًا فعليًا على استقلال لبنان، في مرحلة هيمنة منظمة التحرير الفلسطينية لتحويل لبنان إلى وطن بديل، لم يكن مجرد دعم للقضية الفلسطينية كما سُوِّق في الإعلام العربي آنذاك، بل خطة متكاملة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان على حساب التركيبة اللبنانية والسيادة الوطنية، وتحول جنوب لبنان إلى منصة عسكرية تنطلق منها العمليات الفدائية ضد إسرائيل، مما أعطى إسرائيل مبررًا لعملية الليطاني في عام 78، ثم اجتياح عام 82 وصولًا إلى بيروت العاصمة. والمهم تم بعد ذلك إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 82 بشكل رئيسي عبر اجتياح إسرائيلي شامل، تبعته وساطة أمريكية أفضت إلى خروج آمن لقوات المنظمة وقيادتها برئاسة ياسر عرفات من بيروت في 21 أغسطس 82 بعد حصار طويل للمدينة، وتم توزيعهم على عدة دول عربية.

وكان لبنان قد ابتُلي بالحرب الأهلية من 75 إلى 90، التي استمرت 15 عامًا، وترتب عليها دخول القوات السورية خلال الحرب الأهلية، فقد دخلتها سنة 76 بتأييد من الجامعة العربية باعتبارها قوة ردع عربية، وكانت ذريعة السوريين في هذا التدخل طرد جيش الاحتلال الإسرائيلي ووقف الحرب الأهلية والسيطرة على الوجود الفلسطيني الذي كان له دور في تأجيج الحرب الأهلية اللبنانية. وترتب على الوجود السوري في لبنان دعم نشر النفوذ الإيراني عقب ثورة الخميني سنة 79، وتأسيس ميليشيا حزب الله، ذراع إيران العسكرية في لبنان، وانتشار التفجيرات والاغتيالات في صفوف خصوم سوريا ولبنان. ولم يحمِ الجيش السوري لبنان من الاجتياح الإسرائيلي ولا الحرب الأهلية، وسيطرت المخابرات السورية على لبنان، وتعزز الوجود الفلسطيني المسلح وتغول على الجيش اللبناني، واستمرت الوصاية السورية على لبنان من سنة 76 إلى 2005، نحو ثلاثة عقود، بدأت بدخول القوات السورية خلال الحرب الأهلية، وانتهت بثورة الأرز عقب اغتيال رفيق الحريري، وانتهى الوجود السوري بالانسحاب الكامل في 26 أبريل 2005، بعد أن كان بمثابة قوات احتلال للبنان تتحكم في القرار اللبناني.

ونذكر أنه في خضم الأحداث العالمية والمحلية تأسس حزب الله سنة 82 في سياق اضطرابات إقليمية (الثورة الإسلامية) ومحلية كالحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي، وتحول حزب الله، وهو حزب سياسي إسلامي شيعي، إلى جماعة مسلحة، واعتبر نفسه قوة مقاومة بدعم إيراني سوري لمواجهة إسرائيل، واختطف القرار الوطني، وأصبح دولة داخل الدولة، وزج بلبنان في أتون الحروب التي ليست لها ناقة ولا جمل، مرة كقوة إسناد لغزة فيما عُرف بوحدة الساحات، ومرة كقوة إسناد لإيران في حربها ضد أمريكا وإسرائيل، مما جلب على لبنان الخراب والدمار.

إزاء هذه الحروب التي خاضها الحزب، والتي أدت إلى الاجتياح الإسرائيلي الحالي لجنوب لبنان، وقد كان لانتخاب جوزيف عون رئيسًا للبنان، وتكليف نواف سلام برئاسة الحكومة اللبنانية، بداية مرحلة جديدة منذ عقود. وقد كان قرار حزب الله بخوض الحرب إلى جانب إيران، وما ترتب عليه من الاعتداءات الإسرائيلية، والاشتباك في حرب دامية، وما أسفر عنه من اجتياح إسرائيلي لجنوب لبنان.

كان القرار الجريء للرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بنزع سلاح حزب الله، واتخاذ قرار في هذا الاتجاه ينص على حصرية السلاح بيد الدولة وبسط سيادتها على كل الأراضي اللبنانية، ثم اتخاذ قرار آخر بتجريم أي شكل من أشكال الأنشطة العسكرية غير الرسمية.

وتجاهل حزب الله القرارين، وقرر منفردًا خوض الحرب إلى جانب إيران. وبعد أن ضيع لبنان الكثير من الفرص بسبب الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، جاء القرار الجريء للرئيس جوزيف عون، مدعومًا من رئيس الحكومة نواف سلام، بالتفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أمريكية لوقف النار والحرب والاعتداء على الأراضي اللبنانية، من أجل انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية واسترداد الأسرى، والذي سيقابله نزع سلاح حزب الله وتوقيع اتفاقية سلام بين الدولتين.

والكرة الآن في ملعب السياسي المخضرم نبيه بري، رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل الشيعية، بأن يأخذ موقفًا وطنيًا يرتفع فيه عن الحسابات الحزبية والطائفية الضيقة، ويكون داعمًا لرئيس لبنان، الذي من حقه دستوريًا عقد الاتفاقات، والذي أعلنها عون صراحة أن التفاوض لا يعني التنازل أو الاستسلام، بل حرصًا على لبنان واللبنانيين، والذي أكد على ذلك رئيس الحكومة حين قال إن الدبلوماسية ليست ضعفًا بل من أجل السيادة اللبنانية.

هل يتضامن معهما نبيه بري من أجل إنجاح المفاوضات، أم أنه يتماهى مع حزب الله؟ وفي حالة لم يأخذ موقفًا حاسمًا من أجل ألا يغضب حليفه حزب الله الإيراني، على الرئيس اللبناني أن يمضي قدمًا في المفاوضات المباشرة، وهو حق كفله له الدستور، والغالبية العظمى من اللبنانيين الذين اكتووا بنيران الحرب والدمار والخراب وظروف المعيشة الصعبة سيكونون داعمين ومؤيدين لرئيس لبنان.

ولا شك أن هذه المفاوضات ستكون طويلة وشاقة، تحتاج لدعم شعبي ومساندة السياسيين ورؤساء الأحزاب اللبنانية، ومساندة دولية من أمريكا والاتحاد الأوروبي والدول العربية لإنقاذ لبنان، ليعود لبنان سويسرا الشرق، يملك قراره والسيادة اللبنانية وقرار الحرب والسلم.

أتمنى أن تُفضي المفاوضات الدبلوماسية إلى اتفاق سلام بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية، ونزع سلاح حزب الله، ويعم الأمن والأمان والسلام لبنان، وحينئذ نقول: لبنان عادت شمسك الذهب.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا