ظل أيوب يتحدث بضيقه، فأصبحت كلماته كأنها طعامه وشرابه الذي يتغذى عليه: «أصبح الأنين طعامي، وتنهدي كأنه نهر» (ع24)، والمعنى في العبرية يقول: «لأن تنهدي يأتي قبل أن آكل”.
كثيرون، من شدة الألم والغموض وصعوبة الظروف، يتغذون على الحزن وكلمات الأنين والشكوى والمرارة، وبينما يفعلون ذلك، يغذون الإنسان العتيق بداخلهم، فتجعله مثل هذه الكلمات عملاقًا يبتلع صاحبه في يأس أكبر.
لا سلام ولا راحة
“جاءني ما كنت أخاف منه، وحل بي ما كنت أخشاه، لا سلام لي ولا هدوء ولا راحة بعدما جاءني الضيق” (26).
هذا هو مربط الفرس. لقد تمنى أيوب السلام والراحة، ولما لم يجدهما تمنى الموت، ويبدو أن مخاوف أيوب تحققت، فقد خاف من عظم الخير والبركة غير المحدودة أن تختفي يومًا، والآن يزين له إبليس أن مخاوفه لم تكن عبثًا، بل كانت حقيقية، وإلا لما حدثت، فقد تركه الله، أو نوى هذا منذ وقت.
لقد تسلل الشيطان إلى ذهنه أنه حتى في أيام ازدهاره، أيام بركة الرب على حياته، لم يكن آمنًا أبدًا، ولكن رغم أنه لم يسيء التصرف في الرخاء، وسلك متواضعًا أمام الله، جاءت الكوارث والمعاناة. وكأنه يقول: بين الخوف مما قد يحدث وبين الكارثة، كانت حياتي كلها غير مريحة.
أو لقد حدث ما كنت أخشاه، فقدت التواصل مع الله، خسرت حضور الله وصداقته. فتحدث وقد فقد الأمل في أن تتغير الأمور في المستقبل، فقال: «ما هي القوة التي ستعطيني رجاء الانتظار، ومن أجل ماذا أتمنى طول العمر؟ ليست فيَّ قوة تعينني، والرأي الصائب أخذ مني»، أو: «ما هو المستقبل الذي لدي ليبقيني مستمرًا؟ هل تعتقد أن لدي أعصاب فولاذية؟ هل تعتقد أنني مصنوع من الحديد؟» (6: 11-13). «لماذا أخرجتني من الرحم؟ ليتني مت قبل ما تراني عين” (10: 18).
إن الرغبة في الموت تحزن روح الله الذي هو روح الحياة. وكأولاد الله، نحتاج إلى الصبر والتمسك بالوعود، فهناك دائمًا مكافأة أعظم من كل معاناة أرضية: «آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا» (رومية8: 18).
الانتحار
ربما أبدى أيوب رغبته في الموت، ولكنه لم يفكر في خيار الانتحار، ولم يفعل أي شيء يعجل أو يؤدي إلى موته. وعلى الرغم من كل بؤسه وشكاواه، كان يكتفي بالانتظار إلى أن يأتي وقته المعين: «طوال هذه الأيام الصعبة، أظل آمل، في انتظار التغيير النهائي” (14: 14).
رغم يأسه الشديد وضعف حياته الروحية وبعده عن محضر الله، كان هناك ضوء أمل خافت باقٍ من أوقات انفتاحه على نور الله، وهو ما يعني أنه لم يفقد رجاءه الكلي في الله الذي لا يفهمه الآن، والذي يبدو أنه نسيه وتركه عن عمد، والذي يظل صامتًا لا يريد أن يتحدث. وطالما هناك بصيص أمل في الله، فإن الانتحار ليس خيارًا. ورغم شدة ألمه، إلا أنه لم يفكر، طوال السفر وفي سنوات معاناته الطويلة، في هذا الأمر، فحتى لو لم يكن وجود الله معلنًا في لحظات معينة، إلا أن هذا لا يعني أنه غير موجود.
الطريق والسياج
حاول أيوب يائسًا حل اللغز الكامن وراء معاناته. ظل يبحث ولا شيء، وصلى بترقب ولا مجيب. ربما توقع أن الله سيتدخل بسرعة في حياته، فيشفيه من مرضه ويوضح له ما حدث، ولكن لم يحدث شيء، وبدأ الوقت يهزم توقعاته، والمرض يهزم قوته، فأصبح أكثر تشوشًا وحيرة.
من خلال معاناته، أصبح أيوب مرتبكًا ومتحيرًا ومحبطًا، وبلا رجاء بشكل متزايد. عرف أيوب أنه انتهى، وكأنه يرى نفسه محكومًا عليه بالموت، مكسورًا ووحيدًا ومحتقرًا. «روحي تلفت. أيامي انطفأت. إنما القبور لي” (17: 1).
ورغم معاناته، إلا أن الله لا يزال يختار البقاء مخفيًا: «إليك أصرخ فما تستجيب لي. أقوم فما تنتبه إليَّ» (30: 20). وتناقضت ظروفه مع كل ما كان يؤمن به، لدرجة أنه تمنى الموت لنفسه، لأن طريقه مخفي عن الرب، والرب مختفٍ عنه، مثلما قال إشعياء: «قد اختفت طريقي عن الرب» (أش 40: 27)، فقال: «رجل قد خفي عليه طريقه وقد سيج الله حوله» (ع23).
والآية تعني: «رجل خفي طريقه ويحجبه الله». فما فائدة الحياة عندما لا يكون لها معنى، عندما يسد الله كل الطرق المؤدية إلى المعنى؟ «لماذا أستمر في العيش عندما يحيط بي الله، ولا أستطيع رؤية الطريق؟”
ما يبدو لأيوب هو أن الله اختبأ منه، فلم يعد يعرف أين الطريق الذي يتجه إليه، وما هو المسار الذي يجب أن يسلكه للحصول على الحل، فقد سيج الله حوله، كأنه في سجن، حتى لا يرى سبيلًا أو خلاصًا.
فلم يكن سبب ألمه هو خسارته أو فقده أو مرضه، إنما غياب الله وصمته هو ما كان يزعجه. احتج أيوب على طرق الله، فالطريق إلى الحل مخفي ومحجوب من الله نفسه، وكأن الله سد كل الطرق والحلول، فلم يقدر أيوب أن يرى الطريق.
ومقارنة بسياج الحماية الذي سيج الله به حول أيوب قبلًا، أحاطه الآن بسياج آخر، فأصبح أيوب في ورطة. لقد بنى الله سياجًا آخر حول أيوب، لمنعه من الهروب من تجاربه، فأصبح محبوسًا في الداخل، لا منفذ ولا حل، والأمر في يد الله الذي جعل الطريق إلى الحل مخفيًا.
“قد حوط طريقي فلا أعبر، وعلى سبلي جعل ظلامًا» (19: 8)، أو «سد الطريق علي فلا أعبر، وغطى بالظلام سبيلي»، «قد سيج على طريقي فلا أعبر، وخيم على سبلي بالظلمات”.
ولو استطاع أن يرى تجربته بعين الإيمان، لأدرك أن الله أغلق عليه كل الطرق ليطلبه هو وحده. فعنده المشكلة، ولديه الحل. في ضيقاتنا نبحث عن هذا وذاك، ونطلب تدخل هذا وذاك، ولكن سيكون الأمر دون جدوى، لأن الله يريد أن نتكل عليه وحده، لا على أي إنسان ولا أي معونة.
فلا منفذ، والله في كامل قدرته قاصد ألا يفتح أي باب أو بارقة أمل. لقد حاول أيوب أن يجمع خبرته وإيمانه لتفسير تجربته الصادمة، فهو لا يفهم كل ما يشعر به، لأن ما يفعله الله يؤذي بشدة.
فهل فعلًا الطريق مخفي، وسيج الله حوله؟ ربما في نظرنا يبدو الله غير موجود في الأنحاء، ولكننا نقرأ عن تدرج الطريق المخفي في أيوب 23:
المرحلة الأولى: يختبئ
“شمالًا حيث عمله فلا أنظره (لا أثر له)، يتعطف الجنوب فلا أراه” (23: 9).
قد يخفي الله نفسه، وهذا من أصعب الأمور التي يمكن تحملها عند وقوع المصيبة. ربما في عز أزماتنا ننتظر أن يظهر وبقوة كما نؤمن، ويعلن عن نفسه، ولكننا لا نراه. هذا لأنه محاط بسر طرقه العجيبة. فهل نسيء فهمه حين يخفي نفسه؟ هل يعطينا هذا مبررًا أن نقول إن الله غير محب وغير عادل؟ فأيوب يسير في طريق لا يعرفه ولا يبصر فيه الرب، ويبحث عنه فلا يجده، وكأنه اختبأ منه عمدًا.
المرحلة الثانية: يعرف طريقي
“لأنه يعرف طريقي. إذا جربني أخرج كالذهب” (10).
إنه يخفي نفسه ليرى مدى ثقتنا وتمسكنا به. وبينما يبدو أنه لا أثر له في الأنحاء، فهو يعرف طريقي، أو «لكن الله يعلم كل خطوة أخطوها». فهو يعلم الطريق الخاص بي، وتفاصيل ما يحدث لي، وبلغة (رومية 8: 28): «ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده». أي كل التفاصيل، فقد خطط لكل شيء بحكمة ومحبة كاملة، وسيتكشف الطريق لنا ويخرجنا من الاختبار عندما يأتي الوقت المناسب.
المرحلة الثالثة: يتمم مقاصده
“لأنه يتمم المفروض علي، وكثير مثل هذه عنده»، «يتمم ما رسمه لي، وما زال لديه وفرة منها”.
قد يكون مختبئًا، ولكن إلى حين. لكنه لا يتجاهل ولا ينساني. حتمًا سيأتي الوقت ليتمم كل ما رسمه لي، وما زال لديه خطط كثيرة رائعة. الله ليس مجرد مراقب خفي، بل هو فاعل خفي. هو السبب، وهو الحل، وهو المتمم.