الحب… الحب هو الحل

3

لقد كثر الكلام في هذه الأيام عن قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، والذي استغرق حتى الآن أكثر من ٢٠ عامًا في انتظار إصداره، وكثرت اللقاءات والاجتماعات والمناقشات والخلافات والسلبيات والإيجابيات والتكهنات والتشنجات حول هذا القانون الذي لا يعلم توقيت إصداره إلا علام الغيوب سبحانه وتنازل إلينا. وهذا القانون وما شابهه من قوانين بالطبع لا تبحث في أمر الصلح والغفران والحب من طرف من طرفي الزواج إلى الآخر، بل تبحث في كيفية إنهاء العلاقة الزوجية بحيث يخرج كل من الزوجين، وخاصةً المرأة، بأكبر قطعة من تورتة الانفصال والطلاق على فرض أنها المظلومة والمعتدى عليها.

وتحضرني واقعة حدثت معي في احتفال عام في إحدى كنائس كاليفورنيا الأمريكية، حيث اقتربت مني ومن زوجتي إحدى الأخوات الأمريكان، وهي زوجة قسيس زميل لنا في الكنيسة الأمريكية وقالت لي: “د. ناجي، أريدك أن تصلي لأخي لأنه يمر بوقت صعب فهو يطلق امرأته ونحن نصلي من أجله ليكون طلاقًا سريعًا سهلًا بأقل تكلفة ومعاناة، فأرجوك صل لأجل هذا الأمر”. ابتسمتُ في وجهها وقلت لها: “لا يمكنني أن أذهب إلى الله وأطلب منه أن يسهل طلاق أخيك من زوجته، فهذه ليست مهمة الله ولن يتدخل هو سبحانه في مثل هذا الأمر. أنا يمكنني أن أصلي لأجله ليساعده الله على حل مشكلاته مع زوجته، ويعيد لهما علاقتهما الزوجية بأقوى مما كانت، ويحل كل مشكلة تعترضهما، أما أن أصلي للرب ليسهل طلاقهم فهذا ما لا يمكنني فعله”. قالت المرأة: “آمين”، لكن كان مما يبدو على ملامح وجهها أنها لم تقتنع بكلامي. وبعد حوالي ٦ شهور، قابلتني أنا وزوجتي نفس السيدة وقالت لي: “أنا فكرتُ فيما قلته لي عندما طلبتُ منك أن تصلي لأخي لكي يحدث طلاقه من زوجته بصورة سهلة. في البداية، لم أقبل الفكرة، لكن بعدها شكرتُ الرب على الاتجاه الإيجابي الذي علَّمتني إياه في الصلاة من جهة المشاكل العائلية، فنحن كثيرًا ما نضع حلول وخطوات وشروط لإنهاء أي علاقة متعثرة بيننا دون أن نرجع للرب القادر على كل شيء ونأخذ منه الخطوات العملية لحل مشاكلنا، كل مشاكلنا، بعض النظر عن نوعها، وسهولة أو صعوبة أو حتى استحالة حلها من وجهة نظرنا بالطبع، فليست هناك مشكلة يعسر على الرب حلها”.

ولذا “فالحب هو الحل”، فالحب هو أعظم نعم المولى تبارك اسمه على الإنسان. الحب هو أعظم اسم من أسماء الله الحسنى، فالله محبة.

تحتفل الكثير من الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية في الرابع عشر من فبراير من كل عام بعيد الحب. ملايين الورود تزين الأعناق والبيوت والقلوب، وملايين البطاقات التي تتحدث عن الحب تُرسَل إلى ملايين البشر في كل مكان، حتى قيل حسب الإحصائيات الرسمية في الولايات المتحدة إن عيد الحب هو ثاني الأعياد ازدحامًا بالمراسلات بعد عيد الميلاد. الأحباء يتعانقون، والأعداء يتصافحون، والمُساء إليهم يغفرون، والمسيئون إلى غيرهم يعترفون ويتوبون.

لكنني جُلتُ أفكر في وطننا العربي وما آل إليه، ولا أكون مغاليًا في الكلام لو قلتُ إنني أفكر في الكنيسة في مصر والوطن العربي، الإخوة يتشاجرون ويتقاتلون، المسيحيون والمسلمون، السُّنة والشيعة، الأرمن، الأثيوبيون، الأقباط الأرثوذكس والروم، يتشاجرون حتى في كنيسة القيامة، كما حدث سابقًا.

الأشقاء في العراق والجزائر وليبيا ولبنان والسودان وسوريا وفلسطين، أصحاب الدين الواحد، يفجرون نفوسهم وأجسادهم لقتل بعضهم البعض، تحركهم البُغضة والكراهية، باكستان وأفغانستان، فرنسا وإنجلترا وإسرائيل، إرهاب وسفك دماء، أين الحب شريعة السماء؟ مآذن تصرخ: “اللهم يتّم أولادهم”، ويقول المصلون: “آمين”، “اللهم رمل نساءهم” ويقول المصلون: “آمين”، “اللهم انصرنا على القوم الكافرين”، ويقول المصلون: “آمين”. جرح للمشاعر وإهانات، خطط لسفك الدماء ومشاحنات. نعم، أين الحب شريعة السماء؟ أين السماحة والإخاء؟ أين الشهامة ورجولة الفهماء؟ أين التضحية لأجل الآخر والوفاء؟ أين نصائح الرسل والأنبياء؟ وأين كلام المولى عز وجل؟ فهو تبارك اسمه الحب وهو العزاء.

رجعتُ لتنزيل الحكيم العليم، الكتاب المقدس، لأنهل منه فن الحب بقدر المستطاع ولأعرف ما هو الحب الحقيقي، أنواعه، ظواهره وبواطنه وكيف أرتوي منه، وأفيض به على البشرية جمعاء.

وجدتُ في كتاب الله سبعة أنواع من الحب، (على سبيل المثال لا الحصر) رأيتُ أن أذكرهم في هذا المقال، ففي كلمة الله هدى للناس ورحمة.

رأيتُ الحب الإبراهيمي، نسبةً إلى أبينا إبراهيم، خليل المولى تبارك اسمه، ذلك الحب الذي يتجه نحو المحبوب في السراء فقط لا في الضراء، حب يلتصق بالحبيب ما دامت الأحوال على ما يرام، أما إذا اختلفت الأوضاع وتعرض الحبيب لامتحان وضغط وتهديد، تنكر الحبيب لحبيبه وقال: “أنا وبعدي الطوفان”.

لقد ذكر تنزيل الحكيم العليم أن إبراهيم أبا المؤمنين كان يحب سارة، وكان من الطبيعي لأنه يحبها ألا يتزوج عليها في حياتها إلا ما اقترحته هي عليه في مسألة زواجه من هاجر المصرية. فمن يحب من قلبه لا يفكر في الزواج من أكثر من واحدة، فهذه شريعة الله. أحبها، اصطحبها معه في كل رحلاته إلى أن نزل إلى مصر فطلب منها ما لا يطلبه حبيب من محبوبته، فتخلى عن شهامته ورجولته حين شعر بتهديد المصريين له. ويقول الكتاب الكريم: “وحدث لما قرب أن يدخل مصر أنه قال لساراي امرأته: إني قد علمتُ أنك امرأة حسنة المنظر، فيكون إذا رآك المصريون أنهم يقولون هذه امرأته، فيقتلونني ويستبقونك، قولي إنك أختي ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك… ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون، فأُخذت المرأة إلى بيت فرعون”.

أي حب هذا الذي يتحلى به رجل شرقي فيترك امرأته تذهب لتتزوج برجل آخر، ويسلمها بيده لذلك الرجل؟ إنه حب النفس الذي لا يكترث بالحبيب، فكما قلتُ: “أنا وبعدي الطوفان”.

الحب الثاني هو الحب الإسحاقي، نسبةً إلى إسحق بن إبراهيم، وهو حب المصلحة، حب مغرض ذو أهداف. يقول تنزيل الحكيم: “فأحب إسحق عيسو لأن في فمه صيدًا…” ومع أن إسحق كان أبًا لعيسو وكان من واجبه أن يحبه لأنه ابنه وليس لأي غرض آخر، إلا أنه كان يحبه لأن في فمه صيدًا، وهذا هو الحب المغرض، حب المصلحة، حتى أنه طلب من عيسو أن يذهب ليصطاد له من الذبائح ويقدم له طعامًا لكي تباركه نفسه. فما علاقة الذبائح والطعام ببركة من الله كانت لابنه لا بد أن تُعطى بغير حساب؟

الحب الثالث هو الحب الدليلي، نسبةً إلى دليلة عشيقة شمشون الذي ذكره العهد القديم في سفر القضاة، وهذا هو حب غاش خادع متملق مدمر يتظاهر فيه الحبيب بالحب للمحبوب حتى يتمكن منه لإذلاله. لقد استخدمت هذه المرأة اللعوب سلاح الحب في قتل شمشون، قاضي إسرائيل آنذاك، وقيل فيها: “وأنامته (دليلة) على ركبتيها ودعت رجلًا وحلقت سبع خصل من رأسه وابتدأت بإذلاله وفارقته قوته”. فهذا ليس حبًا بل هو خطة شيطانية لتدمير الحبيب وفصله عن الله.

الحب الرابع هو الحب الأمنوني، نسبةً إلى أمنون بن داود، حب جنسي خادع، أحب أخته وأحصر للسقم من أجلها وتظاهر بالمرض، وجاءت أخته لتزوره في غرفة نومه “فتمكن منها، وقهرها واضطجع معها، ثم أبغضها أمنون بغضة شديدة جدًا حتى أن البغضة التي أبغضها إياها كانت أشد من المحبة التي أحبها إياها… ودعا غلامه الذي كان يخدمه وقال: اطرد هذه عني خارجًا وأغلق الباب وراءها” (2 صم 13). هذه شهوة ظهرت في صورة حب حتى أشبع أمنون غريزته كالحيوان، فانقلب حبه إلى بغضة والعياذ بالله.

الحب الخامس هو حب عروس النشيد لعريسها، وهو حب أناني خامل لا يعرف ما عليه من واجب بل يطلب فقط ما له من حقوق. فالعريس ينادي محبوبته وقد وقف طويلًا خارج غرفتها بالليل وهو يقرع على بابها ويصفها بأجمل الأوصاف التي إذا ما سمعتها امرأة من حبيب كحبيب هذه العروس لقامت تقبل قدميه. قال لها: “افتحي لي يا أختي، يا حبيبتي، يا حمامتي، يا كاملتي، لأن رأسي امتلأ من الطل وقصصي من ندى الليل”، فأبت الحبيبة أن تقوم وتفتح له وقدمت له عذرًا أقبح من ذنب، فقالت: “خلعتُ ثوبي فكيف ألبسه، غسلتُ رجلي فكيف أوسخها”. يا له من حب أناني خامل، يتقوقع حول نفسه ولا يصنع تجاوبًا مع الحبيب.

الحب السادس هو الحب السليماني، نسبةً إلى الملك سليمان بن داود، وهو حب جشع منقسم وموزع غير مميز لحكمة الله، تبارك اسمه، في مسألة الزواج بواحدة فقط، يقول تنزيل الحكيم العليم: “وأحب الملك سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون… فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة وكانت له سبع مئة من النساء السيدات وثلاث مئة من السراري فأمالت نساؤه قلبه”.

لقد شرع السيد المسيح تبارك اسمه أن يتزوج الرجل بامرأة واحدة، ويصير الاثنان جسدًا واحدًا، فهو العالم بكل شيء، مَنْ يعلم أن تعدد الزوجات ما هو إلا وبال على الفرد والأسرة والمجتمع.

الحب السابع هو الحب اليوناثاني، نسبةً إلى يوناثان بن شاول الملك الأول في إسرائيل. ذلك هو الحب القلبي الإلهي المضحي، وهذا الحب هو الذي يريده الله من الإنسان في محبته للإنسان، حب لا يقتصر على علاقة بين رجل وامرأة، بل قد يكون بين رجل ورجل، امرأة ورجل، امرأة وامرأة، فالحب الإلهي أصل الوجود وإكسير الحياة.

لقد أحب يوناثان داود وتعلقت نفسه بنفس داود، أحبه كنفسه، بالرغم من أنه كان يعلم أنه سيأخذ مكانه في حكم البلاد، فطالما كان داود حيًا فلن يتمكن يوناثان أن يخلف أباه في الحكم. وتعدت محبة يوناثان الكلام، فقد أعطى داود جبته وثيابه وسيفه وقوسه ومنطقته، تجرد من كل شيء طوعًا واختيارًا لأجل الحبيب، وضع كل ما يملك، كل مستقبله، في يدي منافسه في الحكم.

بقى لي أن أقدم حبًا فريدًا عجيبًا شاملًا كاملًا، اتجه نحوي أنا، واتجه نحو المزدرى وغير الموجود، أثمة، فجار، خطاة، قيل عنهم إنهم أبناء المعصية، أبناء الغضب، أعداء زاغوا وفسدوا، سم الأصلال تحت شفاههم، بألسنتهم قد مكروا. ومع كل ذلك، فقد أظهر رسول المحبة السيد الرب يسوع المسيح حبًا فاق إدراك العقول من نحونا نحن البشر. جاءه الأعمى صارخًا: “يا ابن داود ارحمني”، فلم يعبس ولا تولى، بل أوقف الجمع والركب ولمس عينيه. جاءته الزانية يحيط بها رجال يرفع كل منهم حجره ليرجمها، فلم يأمر بجلدها ولا بإمساكها في بيت حتى تموت، بل غفر لها خطاياها وستر عيبها وأنقذها من يد الطغاة الذين همّوا برجمها وعلَّم الجمع ألا يدينوا غيرهم وهم أهل الدينونة والخطية والعذاب، وقال لهم قولته الشهيرة: “مَنْ كان منكم بلا خطية فليرمها أولًا بحجر”. جاءه الأعداء ليقبضوا عليه وخرجوا عليه كخروجهم على لص بسيوف وعصى، وظن أتباعه أن السيف هو الحل، فلا بد من الدفاع عنه، تبارك اسمه، فهو نبيهم ووليهم، فاستل بطرس أحد حوارييه سيفه وقطع أذن عبد رئيس الكهنة، فقال تبارك اسمه قولته الشهيرة: “رد سيفك إلى غمده لأن جميع الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون”. وفي حب كامل حقيقي لأعدائه لم يقل: “عين بعين وسن بسن والبادي أظلم”، بل انحنى وأخذ الأذن المقطوعة ووضعها في مكانها فعادت صحيحة.

أرسل تلاميذه ليكرزوا بالإنجيل، فأوصاهم ألا يأخذوا معهم في الطريق لا كيسًا ولا مزودًا ولا كيسًا ولا عصى، بل أوصاهم أن يحملوا معهم الحب الذي به يستطيعون أن يشفوا مرضى، ويطهروا برصًا، ويُخرِجوا الشياطين من الناس، وينادوا بسنة الرب المقبولة.

قال لهم: “إن سلاحكم هو الحب، أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم”. وقال لهم: “إن دخلتم إلى قرية أو مدينة ولم يقبلكم سكانها فاخرجوا منها وانفضوا غبار أرجلكم. لا تجبروا أحدًا على الإيمان بالله، ولا تقودوا حملات عسكرية وغزوات لتجبروا الناس على الدخول في المسيحية، ولا تهددونهم بالقتل أو دفع الجزية عن يدهم وهم صاغرون، لأن مَنْ لا يجذبه الحب لن يجذبه السيف والقهر والإجبار”.

لقد كان في إمكانه تبارك اسمه حسب قوله الطاهر أن يطلب من أبيه السماوي أن يرسل له اثنا عشر جيشًا من الملائكة ليغزو بها أورشليم وليجبرها على الدخول في دينه أفواجًا خوفًا عليها وإشفاقًا بها، لكنه بكى على أورشليم وتمنى لو كانت قد عرفت زمان افتقادها. فكيف يجبرها على الاستسلام والخضوع الجبري له وهو الذي ميّز الإنسان بحرية الإرادة واختيار الدين وقبول المولى، تبارك اسمه، أو رفضه؟ وأخيرًا أظهر حبه اللانهائي بتقديم نفسه ذبيحة عنا، فحق لنا أن نتغنى بحبه ونقول: “انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله، الذي أحبنا وأسلم نفسه لأجلنا”.

ذلك قول الحق عيسى بن مريم الذي فيه يمترون، رسول الحب والسلام والإخاء، فلا عجب أن كتب أحد تلاميذه، رسول المحبة يوحنا يقول للناس إن الحب هو الدليل على الولادة من الله: “أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضًا لأن المحبة هي من الله وكل مَن يحب فقد ولد من الله ويعرف الله. ومَنْ لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة”. فكل مَنْ يبغض أخاه هو قاتل نفس، وكل مَنْ يكره ولا تعرف المحبة طريقها إلى قلبه فلا يعرف الله، وحتى ولو كان اسمه عبد الله.

وإليك عزيزي القارئ بعض ظواهر الحب لكي تعرف إن كنت تحب بالعمل وبالحق أم فقط باللسان والكلام:
أولًا: الحب لا بد أن يكون من قلب طاهر وبشدة، والقلوب الطاهرة هي فقط التي اغتسلت بدم المسيح يسوع تبارك اسمه لأنه مكتوب إن دم يسوع المسيح يُطهرنا من كل خطية.

ثانيًا: الحب الحقيقي يصيّر المحب والمحبوب خدامًا كل للآخر بل وعبيدًا كل للآخر، فشريعة العبد العبراني تقول إن العبد يرفض أن يتحرر من عبوديته لا لسبب آخر سوى أنه أحب سيده وزوجته وأولاده (خروج 21 : 5).

ثالثًا: الحب يعطي قوة على خدمة المحبوب والتضحية لأجله، فلقد قيل عن يعقوب أبو الأسباط إنه خدم أربعة عشر سنة لكي يتزوج راحيل امرأته وكانت في عينيه كأيام قليلة (تكوين 29 : 20).

رابعًا: الحب يرى كل شيء جميلًا في المحبوب، ففي سفر نشيد الإنشاد ترى الحبيبة أن كل شيء في الحبيب إنما هو كامل ورائع ومجيد، وهذه هي الحقيقة، فالحبيب يشير إلى رب المجد يسوع، أما العريس الحبيب فيرى أنه لا شيء يعيب الحبيبة فيقول لها: “كلك جميل يا حبيبتي وليس فيكِ عيب”، فهذه محبة إلهية سامية فائقة من رب محب منعم وهاب.

خامسًا: الحب يقف صامدًا أمام التجارب والمصاعب والسيول “فمياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها. إن أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر احتقارًا”.

أخيرًا أقول إن الحب ليس بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق، وكما تعودتُ في أبحاثي ومقالاتي أن أقدم حلولًا عملية لتطبيق ما أكتبه، فالحل العملي أنك عزيزي القارئ لا تستطيع أن تنكر أن هناك إنسانًا ما أو إنسانة ما لا تشعر بالحب تجاهها، ربما كان رئيسك في العمل، ربما كان جارك المسلم أو المسيحي في البيت أو زميلك في المصلحة التي تعمل بها، ربما كانت كنتك أو حماتك تلك التي تضمرين لها الكراهية والضغينة والشر. لماذا لا نتفق على يوم نطلق عليه “عيد الحب” في بلادنا العربية ونرسل هدايا رمزية بسيطة بعضنا لبعض؟ أنا لا أتكلم عن لقاءات على التلفزيون بين قادة مسيحيين ومسلمين، أو حفلات رمضانية مغرضة، أو لقاءات حكومية مدبرة لغرض في نفس يعقوب، بل أتكلم عن إظهار محبة المسيح الذي أحبنا وأسلم نفسه لأجلنا. لماذا لا تبادر الكنيسة العامة، الكنائس المحلية، والقسوس، بإظهار الحب لجيراننا من المسلمين؟ لماذا لا ندعوهم إلى بيوتنا وولائمنا وأفراحنا وأحزاننا بقلوب ملؤها الحب، حتى لو رأى البعض أن هذا الحب ما هو إلا خوف أو جبن أو تملق أو اتقاء لشر أحدنا ضد الآخر؟ فالله العارف القلوب والضمائر يستطيع أن يطفئ نيران الحسد والغيرة والضغينة.

إن ما لا يكسبه الحب لن يكسبه غير الحب. إن النيران التي لا يطفئها الحب لن تستطيع قوة أخرى أن تطفئها. لا نهاية للإرهاب في العالم إلا بالحب، لا سلام مع النفس والأهل والأصدقاء إلا بالحب. لا إصلاح لشئون البلاد والعباد إلا بالحب. لا دخول إلى النعيم الأبدي إلا بالحب. لا انفلات من عذاب القبر والنار إلا بالحب. فالله محبة ومَنْ لا يعرف الحب لم ولن يعرف الله. لماذا لا تنظم الكنائس والأفراد لقاءات تحت عنوان “في حب مصر”، فمصر تستحق منا كل الحب؟

اللهم ارونا من حبك يا أعظم مَنْ أحب، واشفنا من بغضنا لأنفسنا وذوينا وإخواننا يا رب، اللهم بارك لاعنينا وأعداءنا، وأحسن إلى مبغضينا والمسيئين إلينا، اللهم اشرح صدورهم بالإيمان بشخصك، وأنقذهم من عذاب القبر والنار بمحبتك، واضمن لهم النعيم الأبدي بعفوك ورحمتك، اللهم وطد المحبة في قلوبنا يا رب العالمين. آمين.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا