ما أكثر الأشياء التي سلبت منا نحن البشر خليقة الله سبحانه وتعالى في الشرق الأوسط، وما أكثر ما سلب منا نحن المسيحيين خصوصًا في البلاد العربية، وخاصة بعد الغزو الإسلامي لبلادنا، فلقد سلبت منا أرضنا، ولغتنا وثقافتنا وممتلكاتنا، وحريتنا وآدميتنا، وبالإجماع لم يبق لنا شيء، فنحن غرباء في بيوتنا، خائفون في حجرات نومنا، صامتون في عالم الصراخ والعويل. ولعل أسوأ ما سلب منا هو إحساسنا بالمهانة والغربة والعجز والقهر والاضطهاد، حتى أصبح كل ذلك جزءًا من نسيجنا وتكويننا الذي ولدنا به ونعيش فيه ويبدو أننا سنموت عليه إن لم يتغمدنا الله برحمته. وما أكثر العظات والتأملات التي سمعناها عن رد المسلوب وعن قول المولى تبارك وتعالى في كتابه الكريم العزيز الكتاب المقدس أنه يعوض لنا عن السنين التي أكلها الجراد. وما أكثر الصلوات التي رفعناها للمولى طلبا لرد المسلوب والتعويض عن السنين التي أكلها الجراد، لكن الحقيقة أننا مازلنا نرى الجراد يأكل ما لنا من أخضر ويابس وتعودنا على وجوده في بيوتنا وأعمالنا ومدارسنا، والمسلوب يتضاعف ويتراكم كل يوم وما زالت الكنيسة تتغنى برد المسلوب والتعويض عما أكله الجراد. ولست في شك أن إلهنا هو إله رد المسلوب فهو القوي القادر على كل شيء، ما لا تأخذه سنة ولا نوم وهو الذي لا يرجع في كلامه ولا يغير ما خرج من شفتيه ولا ينقض عهده ولا ينسخ آياته وهو على استعداد أن يرد المسلوب ويعوض عن السنين التي أكلها الجراد، حتى لو ظن الجراد أنه غطى الأرض وليس من يقف في وجهه ويوقفه عن ظلمه وعدوانه وتخريبه لأرض ليست هي أرضه بل هو وافد عليها، أحبها لكثرة خيراتها فجاء في جحافل وجماعات وغطى الأرض وأخذ يأكل من خيرها وأصبحت بفضله بوارًا لا حياة فيها.
لكنني أيضًا لست في شك من أن المولى له شروط لابد من توافرها قبل رد المسلوب والتعويض عما أكله الجراد، ولنا في كلمة الله أسوة حسنة، فداود الملك والنبي لخير مثال على التحدث عن رد المسلوب، في سفر صموئيل الأول والأصحاحات 27–30 يصف لنا كتاب الكتب كيف سُلب من داود أولاده ونساءه ومدينته التي سكن بها وشعبه، وممتلكاته، فقد أغار على مدينة إقامته “صقلغ” الغزاة فأحرقوها وأخذوا غنائمها ونساءها وأولادها. وفي الكتاب أيضًا ذُكرت الأسباب التي أدت إلى السلب، والسنين التي أكلها الجراد وكيف استعادها، لعل الكنيسة والمسيحيين في الشرق الأوسط يعتبرون.
والقصة التي رواها تنزيل الحكيم العليم هي أن المولى تبارك اسمه قرر أن يقصى شاول بن قيس ملك إسرائيل الأول عن الحكم والملك، وأن يمسح بدلًا منه داود بن يسّى ليكون ملكًا عوضًا عنه، ومنذ ذلك اليوم بغت شاول روح رديء فقرر قتل داود ليضمن أن المملكة لن تنزع منه وأنه سيورثها لابنه يوناثان من بعده، استخدم شاول كل أنواع القهر وخطط القتل والإرهاب مع داود لكي ينهي حياته، وكان داود يفر من أمام شاول كالبرغوث كما قال هو عن نفسه، وعندما أعيت فيه نفسه استسلم لروح الخوف والفشل والإحباط ووضع خطة إنسانية بشرية من بنات أفكاره دون أن يستشير المولى تبارك اسمه فنزل إلى أرض الفلسطينيين ليقم عند لخيش ملك جت الفلسطيني عدو شعب الله، وحاول أن يُظهر ولائه وحماسه لخدمة لخيش حتى أنه كان سيحارب معه وفي صفوفه ضد شعبه، شعب الله، وبالفعل خرج معه وفي إحدى معاركه ضد شعبه لكن رجال الجيش رفضوا أن ينضم إليهم داود الإسرائيلي ورجاله في محاربة إسرائيل فاضطر لخيش ملك جت أن يرجع داود إلى مدينة إقامته “صقلغ” وعند مجيء داود ورجاله إلى صقلغ وجدوا أن العدو “عماليق” وهم أبناء إسماعيل وقد انتهزوا الفرصة لغياب داود ورجاله وغزوا “صقلغ” وسلبوا كل ما فيها وأحرقوها بالنار. هذه هي القصة التي أرى أنها دونت في كتاب الله العزيز، لكي تعتبر بها الكنيسة العربية اليوم وخاصة في مصر.
أما الأسباب التي أدت بنبي الله داود إلى سلب كل ما له فيمكن حصرها فيما يلي:
أولًا: اضطهاد العدو له، وهذا العدو هو شاول ملك البلاد، وحرسه وأمنه ورجاله فلقد كانوا يتعقبونه أينما يذهب، يراقبون حديثه وقيامه وجلوسه ويطاردونه في كل ركن من أركان حياته وعمله وبيته، فأحس في النهاية بالفشل والهزيمة والانكسار وتسلّط عليه روح الرعب والخوف.
ثانيًا: الاعترافات السلبية التي كان يعبّر عنها ويقولها في كل مناسبة فلقد قال داود في قلبه: “إني سأهلك يومًا بيد شاول فلا شيء خير لي من أن أفلت إلى أرض الفلسطينيين فييأس شاول مني، فلا يفتش عليّ بعد في جميع تخوم إسرائيل فأنجو من يده”. وما أكثر ما نسمعه من أفواه المؤمنين اليوم من عبارات سلبية تنم عن الفشل وخيبة الأمل والاستسلام للأمر الواقع والخوف والسلبية والانسحابية والانعزالية، التي تدفعهم إلى قبول الأمر الواقع ولسان حال شعب الله في البلاد العربية “إني سأهلك يوما بيد ….”.
ثالثًا: رؤية داود لنفسه كالبرغوث، فما يراه الإنسان في نفسه هكذا هو، فمن يرى في نفسه جبانًا خائفًا مرتعبًا مما حوله ومن حوله سيعيش في خوفه مدى الدهر، ومن يرى نفسه عبدًا لدى أعداء الله سيظل عبدًا طوال أيامه، أما من يرى نفسه ملكًا وكاهنًا وابنًا للعلي القدير القادر على كل شيء فلا يخاف الأعداء ولن يرضخ للأمر الواقع، ولن يتصالح أو يتهاون مع خطط الرجيم مهما كانت النتيجة، فعندما رأى داود أنه رسول الله والفاعل بأمره، استطاع أن يقهر جليات الجبار الذي ما كان له أن يقهره لولا عونه تعالى، أما عندما رأى نفسه كالبرغوثة، ظل يقفز من جبل إلى جبل ومن معركة إلى معركة وسُلب منه وطنه وأهله وأصحابه ومكانته وانتهى به الأمر عبدًا برغوثًا لدى أعداء الله.
رابعًا: نسيان من هو إلهنا المكتوب عنه أنه نار آكلة وأن له في الموت مخارج وأنه هو الذي رعاني منذ وجودي وهو الذي شق البحر الأحمر أمام شعبه فأهلك فرعون وأفخر جنوده المركبية بعد أن كان الفرعون هو الحاكم بأمره في هذه الحياة، “فبكر شعب الله صباحًا ورأى المصريين على شاطئ البحر” لقد نسى داود النبي أنه هو صاحب الأرض الحقيقي، أنه هو اختيار المولى تبارك اسمه لخلافة شاول، والوريث الشرعي لمملكته، تمامًا كما نسى المسيحيون في هذه الأيام أن لهم إلهًا يُحيي الموتى ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة، فضاع الإيمان واختلط الحابل بالنابل وأصبح كل يفعل ما يحسن في عينيه ولولا البقية التقية الأمينة الباقية، لشابهنا سدوم وكلٍ شاكلنا عمورة في خطيتها وعقابها.
خامسًا: وضع الخطط البشرية الإنسانية للتغلب على الأوضاع الراهنة، فهناك مائة حل بشري في رؤوسنا لكل مشكلة صغيرة أو كبيرة، فلقد خطط داود الملك للهروب إلى مدينة الفلسطينيين وقبول العيش في الذل والمهانة والخضوع بدلًا من أن يحارب كملك ويتكلم كملك ويحيا كملك، رضى بأن يكون عبدًا عند لخيش ملك جت فبعد أن كان سببًا في أن أصبح الفلسطينيون عبيدًا له ولشعبه بعد قتله لجليات الفلسطيني أصبح هو عبدًا لعبيده.
ويذكرني هذا الأمر بأمر المسيحيين الذين يرون أن حل مشاكلهم هو في إعطائهم تراخيص جديدة لبناء كنائسهم أو تصليح ما تهدم منها، أو في المطالبة بمقاعد أكثر في مجلس الشعب أو الشورى، وغيرها من الطلبات المشروعة التي تدل على أن شعبنا المسيحي لم يستوعب المشكلة الحقيقية التي يعانون منها ولم يفهموا حتى الآن ماذا سُلب منهم، ولمّ، وربما لن، يفكروا في استرداد المسلوب أو المطالبة بالتعويض عن السنين التي أكلها الجراد. فخطة المولى لشعبه كما أعلنها في الكتاب المقدس هي أنه لا يستطيع أحد أن يسلبه، وإن تجرأ وسلبه أحد فإن المولى يرد هذا المسلوب، وإن أكل الجراد الأخضر واليابس فخطة الله ليس فقط لطرد الجراد من الحقول والبيوت والمصالح والأعمال والمدارس والنظام ككل، بل خطة المولى تبارك اسمه أن يعوض شعبه ببركات مضاعفة عن المحصول الذي أكله الجراد، ألم يصنع هذا مع شعبه في القديم، الذي أخرجه من أرض العبودية مصر إلى أرض تفيض لبنًا وعسلًا وعلاهم ورفعهم على جميع أعداءهم حتى وقع رعبهم على كل جيرانهم.
نعم قد تنجح الخطط البشرية في حلول مؤقتة، أو مسكنات لحظية لمشاكلنا كما حدث مع داود النبي، فلقد كف شاول عن مطاردته بعد أن نزل ليعيش مع الفلسطينيين، لكن نجاح الخطط البشرية غير الإلهية التي يضعها البشر لإنهاء مشاكلهم يكون لها من الأضرار والآثار الجانبية ما هو أسوأ من المشكلة نفسها.
سادسًا: لقد سُلب داود وأُخذت أرضه لأنه كان في المكان الخطأ، فمكان داود في أورشليم، في مدينة داود، في المدينة التي بها خيمة الاجتماع وتابوت الرب، مدافعًا عن نفسه وشعبه متحديًا لكل جليات خبيث يعيّر صفوف شعب الله أو يحاول استبعادهم، لكن داود ترك مكانه ومكانته وانضم إلى أعداء الله. وكم من المؤمنين اليوم يفضّلون السلامة والراحة والأمان ويتنكرون لإلههم ودينهم وشعبهم وينضمون إلى أعداء شعب الله، يخونون إخوتهم ويرشدون عليهم أعدائهم ولسان حالهم في يأس: “لا شيء خير لي…” فهم لا يفكرون في شعب الله ومعاناته بل في كراسيهم ومناصبهم وأسمائهم ويرون أنه “لا شيء خير لي من ….”
إن مكان شعب الرب قادة ومسئولين ورعاة وخدامًا عند قدمي ذلك الذي معه أمرنا وليس في وسط أعداء الله وشعبه. وما دام هؤلاء ليسوا في مكانهم ومكانتهم، فستظل الأرض تُسلب، والجراد يأكل، ولن يكون هناك رد للمسلوب ولا تعويض عن ما أكله الجراد.
سابعًا: عدم التمييز لدى جُل القادة والمسئولين المسيحيين في بلادنا العربية، فلم يجتمع قادة الكنائس والمسئولين عن الطوائف والمذاهب المسيحية مرة واحدة لبحث ما وصلت إليه حال الكنيسة العامة وما ينتظرها في دول لا يعلم ما ستؤول إليه إلا علام الغيوب وحده لا سواه. لا يرى قادة الكنيسة الخطط الشيطانية التي يضعها عدو الخير ضد الكنيسة العربية ولا يميزونها، فكما قلت إن أعظم ما سُلب منا هو إحساسنا بحجم القضية التي نعيشها والأوضاع التي نقيم فيها وما ينتظرنا على يد دولة دينية (إن حدثت) بواسطة جماعات لا تكفر المسيحي فقط، بل المسلم أيضًا، ومن أفكار تنشرها الهيئات الحكومية الإسلامية في كل العالم وخاصة الأزهر، أطال الله بقاء علمائه والقائمين على الفتوى فيه حتى يضعوا النصارى في عداد الكفرة والمغضوب عليهم والضالين ثم يزوروننا في إفطاراتنا المرائية وحفلاتنا التملقية، وهكذا نحن نبادلهم نفس ما يعملون ونعلن أن وحدتنا الوطنية سليمة قائمة، وعاش الصليب مع الهلال، ولست في هذا المقال بمعلن الحرب على هؤلاء وأولئك، فالمسيحي الحقيقي يحب أعداءه، ويبارك لاعنيه، لكن ما أنا مقرره أننا فقدنا تمييز الأمور ففقدنا هويتنا وأصبحنا من المغيبين. فكل ما نفكر فيه حلول لمشاكل لا أرى أنها مشاكلنا الحقيقية التي نعاني منها، لقد فكر داود في أمر واحد فقط هو كيف يتخلص من اضطهاد ومطاردة شاول فحسب، وظن أن ملك جت هو صديقه الذي سيحميه ويوفر له عيشًا كريمًا ولم يميز أن لخيش ملك جت لديه خطة باستعباده والإبقاء عليه في خدمته له للأبد، فلن يغير الكوشي جلده ولا النمر رقطه.
والآن ولضيق المساحة، دعني أجيب على السؤال الذي يبدو أن لا إجابة له وهو كيف نسترد المسلوب، وكيف يعوض الله لنا عن السنين التي أكلها الجراد. ولنرجع لتنزيل الحكيم العليم لنرى كيف استرد داود المسلوب وكيف عوضه المولى عن كل ما أكله الجراد: يقول تنزيل الحكيم العليم في سفر صموئيل الأول والأصحاح الثلاثين ابتداء من الآية الثالثة: “فدخل داود ورجاله المدينة وإذا هي محرقة بالنار ونساؤهم وبنوهم وبناتهم قد سبوا، فرفع داود والشعب الذين معه أصواتهم وبكوا حتى لم تبق لهم قوة على البكاء… فتضايق داود جدًا لأن الشعب قالوا برجمه.. وأما داود فتشدد بالرب إلهه… فسأل داود من الرب قائلًا إذا لحقت هؤلاء الغزاة فهل أدركهم، فقال له الحقهم فإنك تدرك وتنقذ… فذهب داود هو والست مئة الرجل الذين معه وجاءوا إلى وادي البسور والمتخلفون وقفوا… فصادفوا رجلًا مصريًا فقال له داود هل تنزل بي إلى هؤلاء الغزاة فنزل به (المصري) وإذا بهم (بالغزاة) منتشرون على وجه كل الأرض يأكلون ويشربون ويرقصون بسبب الغنيمة التي أخذوا… من أرض يهوذا فضربهم داود من العتمة إلى مساء غدهم، واستخلص داود كل ما أخذه عماليق… وأنقذ داود امرأتيه… ولم يُفقد له شيء لا صغير ولا كبير ولا بنون ولا بنات ولا غنيمة ولا شيء من جميع ما أخذوا لهم بل رد داود الجميع… ولما جاء داود إلى صقلغ أرسل من الغنيمة إلى شيوخ يهوذا إلى أصحابه قائلًا: “هذه لكم بركة من غنيمة أعداء الرب”.
وبناء على النصوص الكتابية السابقة أرى أننا لابد:
أولًا: نرفع أصواتنا مسؤولين وقادة ورؤساء طوائف ومذاهب وقسوسًا وكهنة ومطارنة وبطاركة وشعبًا، نرفع أصواتنا بالبكاء حتى لا تبقى لنا قوة على البكاء. ولعل قائلًا يقول إن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة فماذا سينفع البكاء في رد المسلوب، أقول لا، فهذا البكاء للدلالة على توبتنا الصادقة من القلب على كل ما اقترفناه في حق بعضنا وبلادنا وأرضنا وشعبنا، بكاء التوبة والاعتراف بأننا مستحقون لعقاب إلهنا إذ أننا اشتركنا مع داود في كل الأسباب التي جعلته يسلب ويأكل الجراد أرضه. ألسنا نحن المسيحيين الذين فتحنا أبواب بلادنا لمن جاءوا لسلب غنائمنا وأولادنا ونسائنا، ألسنا نحن الذين رحبنا بهم ورأينا فيهم خلاصًا من بابا الكاثوليك في روما، فلو كان بطاركتنا وكهنتنا وأجدادنا بكوا أمام الله لدرء هذا الغزو لما سلب منا ما سلب. ثم لابد من البكاء حتى لا تبقى لنا قوة ليس على المقاومة فحسب بل على البكاء. ولعل سائلًا يقول كيف ينتصر في الحرب من لا قوة له على البكاء، ولهذا أقول إن قوة إلهنا لا تظهر إلا بانتهاء قوتنا الأرضية الإنسانية البشرية فلو تعلمت الكنيسة البكاء حتى لا يصبح لها قوة بعد على البكاء سيأتي شديد القوة والقدرة ويعطي للمعيي قدرة ولعديم القوة يكثر شدة. لماذا لا تتكون جماعة وجماعات للبكاء من كل كنيسة، وبيت مسيحي، وقادة ولنثبت عيوننا المليئة بالدمع تجاه وجهه تبارك اسمه حتى نسمع القول: “حولي عني عيناك لأنهما قد غلبتاني”.
ثانيًا: لابد لنا أن نتضايق جدًا حتى نشعر باحتياجنا لتدخل إلهنا في أمورنا، لقد استغنت الكنيسة وصارت بحق مشابهة لكنيسة اللاودكيين التي قال ملاكها: “لأني غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء” وهو ليس يعلم أنه الأعمى والبائس والعريان والشقي والمسكين، لم تتضايق بعد الكنيسة العربية بما فيه الكفاية وإلا لكانت تصرخ إلى مولاها ليخلصها. ليتنا نبدأ بالبكاء الآن قبل ان نتضايق جدًا كما تضايق داود في القديم.
ثالثًا: إن ما عمله داود عندما تضايق وقال الناس برجمه وبعد بكائه وانتهاء قوته، أنه تشدد بالرب إلهه. عاد داود لعلاقته الصحيحة بالرب إلهه وعندئذ استطاع أن يتشدد بالرب إلهه، نعم تشددوا ليتشدد ولتتشجع قلوبكم، وانتظروا الرب.
رابعًا: لابد لنا أن نسأل الرب كما سأله داود، هل أدرك الأعداء وأحاربهم، ما هو نوع المعارك التي تريدنا أن نجتازها (بالطبع أنا لا أتكلم عن قتل وإرهاب ومظاهرات وعقاب، تفجير الأنفس وإراقة الدماء) فإن محاربتنا هي ليست مع لحم ودم. لابد أن نسأل الله عن روح تمييز لإدراك حقيقة الأمور. لابد أن نسأل الله أن ينجحنا ويثبت أقدامنا.
خامسًا: لابد من الالتفاف حول رجل مصري، كان من الأعداء والمغيرين على الكنيسة لكن اليوم هو الدليل لشعب الله ليقودهم لرد المسلوب. أليس من العجائب أن يكون الشخص الذي يقود داود ورجاله هو مصري، ألا نأخذ هذا بروح النبوة أن الله يقيم من مصر شخصًا أو أشخاصًا يتقدمون مسيرة رد المسلوب، ألا نكف عن وضع ثقتنا في الأجانب والمرسلين ورجال الكونجرس الأمريكي ومجالس النواب والشيوخ في أوروبا وغيرها لكي ما يدافعوا عنا ويحموننا ويطالبون لنا بحقوقنا من حكوماتنا وأهلنا وجيراننا.
لن يستخدم الله إلا المصريين لخلاص المصريين من عبوديتهم، لسنا بحاجة إلى الأمريكان ولا غيرهم، إنما حاجتنا هي إلى واحد، الذي قال عن نفسه: “لأنه تعلق بي أنجيه أرفعه لأنه عرف اسمي، يدعوني فأستجيب له، معه أنا في الضيق أنقذه وأمجده من طول الأيام أشبعه وأريه خلاصي”. نعم فإني أقول بكلمة الله لكل من سُلب حقه أو بيته أو… الذين يسألون: “إذا لحقت هؤلاء الغزاة فهل أدركهم”، نعم هكذا يقول الرب “الحقهم فإنك تدرك وتنقذ”.
سادسًا: إن أردت أن تسترد المسلوب فلا تخف، اذهب إلى الغزاة أينما هم، وليعطك الرب حكمة لتفهم أن الغزاة ليسوا هم من يخالفوننا في الدين أو العقيدة فهم كما تقول القصة التي نحن بصددها منتشرون على وجه الأرض، هم يأكلون ويشربون ويرقصون بسبب الغنيمة العظيمة والسلب الذي سلبوه من كنيسة الله، نعم اذهب وراءهم في العتمة التي يعيشون فيها والظلام الذي يخيم على نفوسهم وعقولهم، اذهب واضرب بالمطرقة التي تحطم الصخر، كلمة الله سبحانه وتعالى ولن يفلت منهم أحد.
سابعًا: إن أردت أن تسترد المسلوب، فلا ترض بأقل من أن ترجع كل ما سُلب منك، كما استخلص داود كل ما أخذه عماليق فلم يفقد لهم شيء لا صغير ولا كبير، لا بنين ولا بنات ولا شيء من جميع ما أخذوا لهم بل رد الجميع.
إن الله لا يرد المسلوب لقوم يؤمنون بالمساومة على الحق ويقبلون أنصاف الحلول. إن الله لن يرد المسلوب للذين يتهاونون في حقوقهم ويخافون من أعدائهم، إن الله لا يرد المسلوب لقوم لا يحاربون من أجل قضاياهم وأولادهم وبيوتهم. إن الله لا يرد المسلوب لقوم يتملقون أعداءهم ويخافونهم ويطلقون الشعارات والخطب والدعايات وكأنهم أحباء لم يسلبوا شيئًا منهم.
ثامنًا: أخيرًا أقول: “عندما يفتقدك الرب برد المسلوب والتعويض عن السنين التي أكلها الجراد لا ترض فقط برد ما سلب منك، بل ضع في قلبك أنك ستأخذ غنيمة من أعداء الله، فإذا أخذت منك ابنتك فلا ترضى برجوعها إليك فحسب بل اغتنم ممن أخذوها، إذا أخذت منك وظيفتك، لا ترض برد المسلوب والرجوع إلى وظيفتك بل كن مديرًا في عملك ومتسلطًا على السالبين، إذا سرقت منك مكافأتك أو ترقياتك أو فرص تعليمك، فلا ترض برجوعها فحسب بل اطلب أن يتضاعف لك كل هذا، إذا أغلقت كنيستك وسلب حقك في الصلاة مع المؤمنين والمؤمنات، لا ترض بفتح كنيستك فقط اصنع من كل بيت في كنيستك كنيسة لمجد إلهنا، عندما تحرم من ترخيص لجريدتك أو برنامج إذاعي أو تليفزيوني، املأ الدنيا كلها بالجرائد والمجلات والبرامج.
وأخيرًا لا تنس أن تشكر إلهك وترسل لإخوتك بركة من غنيمة أعداء الرب.
اللهم إننا نشكرك لأنك:
إله التعويض عما أكله الجراد،
وأنت قاشع الغيوم والسواد،
وأنت من تملأ بالحب الحياة والفؤاد،
اللهم أعط شعبك أن لا يستسلم لأعدائك،
وأيقظهم من غفلتهم ليسمعوا نداءك،
واقبل صراخهم وتوبتهم إن صرخوا وتابوا من عليائك،
اللهم فرح قلوبنا برد المسلوب،
وانصر كل أمين لك مضطهد مغلوب،
واسترنا بستر خيمتك فأنت ستار العيوب،
وغفار الذنوب،
ولك منا كل الثناء والحمد يا مهوب.




