في نهاية عام 1943 اجتمعت في طهران ثلاث شخصيات لها دلالة تاريخية: تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا العظمى، وفرانكلين روزفلت، رئيس أمريكا، وستالين، رئيس اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية، لمناقشة حادة. كل واحد من هؤلاء كان يمثل نموذجًا للقائد الذي يُتوقع منه ما يُتوقع عادة من أي قائد. فكل منهم كان يعتقد أنه زعيم أمة عظيمة، وأن لديه قوة لا مثيل لها؛ قوة تتحكم في المواطنين، وقوة رؤية مستقبلية مزدوجة: حماية أمن الوطن وترسيخ سلام كوكبي.
ثم انضم إلى هؤلاء الثلاثة شارل ديجول، الذي كان زعيمًا لقوى فرنسا الحرة، إلا أنه لم يتلقَّ التدعيم المطلوب بعد الحرب، ولذلك اعتزل وتفرغ لكتابة مذكراته بعد عمر مديد. ومع ذلك فقد استعان به الفرنسيون مرة أخرى في عام 1958 أثناء الاضطرابات في الجزائر، ثم اعتزل.
وكل هؤلاء من أسر برجوازية لها تاريخ طويل في الاندماج في الحياة السياسية، وكانوا مهرة في الخطابة. ومع ذلك فإنه يمكن القول إن ستالين كان قائدًا شاذًا من بين هؤلاء الذين اجتمعوا في قمة طهران، فقد قُبض عليه خمس مرات فيما بين 1902 و1913 بسبب أنشطته الثورية.
وأثناء حكم لينين، مع بداية العشرينيات من القرن العشرين، اعتلى ستالين عدة مناصب، وهو الأمر الذي جعله يتمكن من تأسيس حزب موالٍ، ومن هنا استطاع سحق أعدائه بعد موت لينين، وفي الصدارة كان تروتسكي ومن شابهه من المعارضين. وبعد ذلك استطاع الحكم بوسائل قمعية لمدة عشرين عامًا تمكن فيها من القضاء على معارضيه وتمكين الاتحاد السوفيتي من أن يكون دولة صناعية.
وعلى الضد من هؤلاء كانت الفاشية بقيادة موسوليني، والنازية بقيادة هتلر. وعندما استولى موسوليني على الحكم قال: إن قوة الأمة والدولة هي القوة المهيمنة، وعلى جميع المواطنين الانتماء إلى كل منهما. ثم قال: كلنا إيطاليون ولسنا إلا إيطاليين، وتحيا إيطاليا.
أما هتلر فكان أبشع من موسوليني، إذ قال: إن الغاية من خلق النازية ليست فقط في أن تكون دولة عظيمة، بل أيضًا أن تكون أرقى جنس في العالم، وأن تكون منتصرة على جميع الدول، وأن يكون قائدها القوي جديرًا بأن يكون موضع انتماء بلا حدود.
وفي عام 1937 أعلن هتلر أن الخطة الرئيسية للحزب تكمن في القضاء على المفهوم الليبرالي للفرد والمفهوم الماركسي للإنسانية، وأن البديل هو الشعب المزروع في التربة، وأن فن القيادة يكمن في تركيز الشعب على عدو واحد، وفي الانتباه إلى تماسكه، وأن عبقرية القائد يمكن إيجازها في قدرته على جعل أعدائه وكأنهم كلهم من صنف واحد.
وعلى نقيض هذه القيادات السياسية ثمة قيادات علمية، أو إن شئت فقل قيادات فيزيائية، وفي الصدارة ثمة اثنان، وهما أينشتين وأوبنهايمر.
وكان أينشتين يواصل أبحاثه التي استغرقت أربعين عامًا في الواقع الفيزيائي، والتي أحدثت ثورة في علم الفيزياء بسبب نظريته في النسبية الخاصة، وفي النسبية العامة التي صاغها بعد عشر سنوات. وكان لهما في البداية مغزى أكاديمي، ولكن مع التطبيق العملي كان لهما نتائج عملية لا مثيل لها.
وفي خطاب مرسل من أينشتين إلى روزفلت في عام 1939 جاء فيه أنه في الإمكان صناعة قنابل شديدة الانفجار إذا انطلقت سلسلة تفاعلات نووية من كتلة من اليورانيوم. وقد حدث بالفعل في نهاية عام 1943 في لوس ألاموس بنيو مكسيكو تطوير في صناعة القنبلة الذرية.
وما كان أحد يتصور هذا التطوير بدون الذهنية الثورية لأينشتين في مجال العلاقة بين المادة والطاقة، والتي تبلورت في المعادلة الآتية: الطاقة تساوي الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء.
وفي هذا السياق وجدنا أينشتين على الضد مما هو سائد عما حدث في قمة طهران جالسًا في معمله ومهمومًا بصناعة معادلات رياضية يصعب تناولها إلا في حدود ضيقة.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية عُرض على أينشتين أن يكون أول رئيس لدولة إسرائيل، فرفض بلا تردد، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى التفرقة بين نوعين من القيادات: قيادة سياسية وقيادة فيزيائية. ومع ذلك فهما يتفقان في سمة واحدة هي التأثير، ويفترقان في درجة التأثير.
والسؤال بعد ذلك: في أي مجال يتم التأثير؟ في العقل أولًا.
وأنا هنا أنتقي من بين القيادات الفيزيائية العالم روبرت أوبنهايمر، الذي اخترع هو وزملاؤه القنبلة الذرية، وكانوا سببًا حاسمًا في انتصار الحلفاء. فما هو تاريخ هذا العالم؟
وُلد في عام 1904 في نيويورك من أسرة يهودية ثرية، وكان متميزًا في دراسته بجامعة هارفارد، وبعد تخرجه تعلم اللغة السنسكريتية وقرأ بها، ثم تعلم اللغة الهولندية في ستة أسابيع وحاضر بها في الفيزياء.
وكان ملهمًا لمعاونيه، ومغرمًا بالبحث في طبيعة المعرفة الإنسانية وفي أسرار العقل والكون، وهو الأمر الذي أدخله في توتر مع الرئيس هاري ترومان الذي قال عنه: لا أريد الالتقاء به، إنه صنع القنبلة وأنا الذي فجرتها.
وانتهى الأمر بعد ذلك، وانتقل إلى قيادة نسائية بلا منافس: إنها مارجريت ثاتشر التي انتُخبت لرئاسة الوزارة في بريطانيا ثلاث مرات في القرن العشرين، والتي غيرت مسار ما بعد الحرب الثانية في سياق مخاطبتها للجمهور عما تعنيه رؤيتها بأن تكون بريطانيًا، أي كيف تكون ضد بدلًا من أن تكون مع، أي كيف تكون نحن ضد من يكون هم، ولكنها في النهاية فشلت في تحقيق رؤيتها.