انتشرت على صفحات السوشيال ميديا ظاهرة فريدة من نوعها، لم يسبق لها مثيل في مجتمعاتنا الشرقية، وهي ظاهرة تعتمد على أفكار يمكن أن توصف بأنها أفكار تنم عن إصابة العقل البشري بما يُعرف بـ(فوبيا العلم)، أي كراهية وهدم المنهج العلمي بكامله، حيث طلع علينا طبيب ينسف قواعد العلم المتعلقة بالطب الحديث، فهو يصف العلاج الدوائي الذي يعالج أغلب الأمراض بأنه نوع من الدجل لصالح شركات الأدوية التي تعمل على ترويج الدواء بهدف الإتجار بأرواح البشر والربح السريع. لذلك فهو يدعو إلى نبذ العلاج الحديث والالتجاء إلى الوصفات الشعبية لعلاج كل الأمراض.
لقد ادعى أن أغلب الأمراض التي تصيب الإنسان ما هي إلا أعراض وهمية، فأمراض الجهاز الهضمي وخاصة القولون ما هي إلا نوع من الوسواس القهري، كما أن مرض السرطان لا يُعد مرضًا بل هو تغييرات في كيمياء الجسم يمكن أن يُقاوم تلقائيًا دون أن يخضع المريض للعلاج الكيميائي أو الإشعاعي، وأن مريض السكر لا يُعالج إلا بتناول بعض أنواع من الأغذية تحتوي على نسب عالية من السكر مثل النوتيلا والبسبوسة وقوالب السكر الطبيعية، كما دعا إلى شرب السجائر بكثرة، حيث لا تؤثر على صحة الإنسان.
وهكذا سار بنا في متاهة من الضلالات، متناسيًا فضل الطب الحديث في القضاء على بعض الأمراض، كالجدري والتيفود والسل.
ومن الغريب أن من قدّم هذه النظرية لم يذكر لنا الدليل على صحتها أو مصدرها العلمي، كما كان يرفض أي مناظرة أو مواجهة، معتبرًا أنه المرجعية الوحيدة للمعرفة، والتي لا يُسأل فيها، معتمدًا على الثقة الشديدة في المعلومات المضللة التي كان يقدمها.
إن المقصود من هذا المقال ليس الهجوم على أشخاص معينين، ولكن المقصود هو فضح هذا النمط من التفكير الضلالي، والذي لاقى رواجًا كبيرًا، وخاصة بين الأوساط المغيبة عقليًا والتي ترفض التفكير العلمي المستنير.
وفي الواقع، فإننا أمام ظاهرة خطيرة تُعرف في الطب النفسي بـ(اضطراب الضلالات)، وهي حالة مرضية عقلية تتميز بالهذيان الواضح والمستمر، فمريض الضلالات تسيطر عليه المعتقدات الخاطئة والمغلفة بالشعور بالعظمة، فهو الوحيد الذي يملك مفاتيح المعرفة، حيث يعيش أفكارًا تسلطية تسبب له الهذيان.
ومن خصائص هذه الشخصية، والتي تتسم بالتفكير الضلالي، أن هذه الأفكار الخاطئة لا تؤثر على تماسك شخصيته، فهو يتصف بالمنطقية في كلامه وقد تصل إلى حد التأثير على الآخرين وإقناعهم بأفكاره الخاطئة. كما أن لديه القدرة على الجدال والمناقشات الطويلة، معتقدًا بأنه أذكى شخص وأن ليس له نظير، لذا فهو لا يقبل من يخالفه الرأي، فقد يجعله ذلك في حالة غضب وإثارة.
وفي الأغلب يشعر بالاضطهاد، حيث يرى أن الآخرين يتآمرون عليه ويريدون إيذاءه، وهو ما يجعله يكره الآخرين، وقد يسقط هذه المشاعر عليهم ثم يدعوهم إلى نبذ الحقد والكراهية، وهكذا يستخدم الميكانيزم الدفاعي (التكوين العكسي)، ودائمًا ما يصبغ أفكاره الخاطئة بالصبغة الدينية حتى تكون أكثر إقناعًا وتأثيرًا على الآخرين.
إننا حقًا أمام كارثة فكرية وأخلاقية، حيث إن انتشار مثل هذه الأفكار الضلالية يؤدي إلى هدم الثوابت العلمية، وإنكار المنهج العلمي في علاج الأمراض، وبالتالي التلاعب في أخطر مجال إنساني وهو مجال الصحة البشرية.
إن تغييب الوعي الجمعي يحدث ثقبًا في الجهاز الفكري والأخلاقي، مما يؤدي إلى انتشار روح الضلال في المجتمع، بدلًا من روح الحق.
إن روح الضلال كُتب عنه في الوحي المقدس أنه روح عدو الخير الذي يعمل على تغييب العقل الواعي والمستنير، وهو روح يقود إلى التشويش الذهني ونشر الكذب والخداع والشر، وفي النهاية سيادة الظلم والموت. كما أن من نتائجه زرع الخوف والاضطراب والقيود الذهنية، وأن آثاره مؤذية وغير صالحة، فهو ينشر الكراهية والانقسام ويبرر الكذب ويقود إلى الكبرياء وتحريف الحقائق: “هلك شعبي من عدم المعرفة”.
إن عكس روح الضلال هو روح الحق الذي نبع من كلمة الله، والتي تمنحنا التمييز بين الأمور المتخالفة وبين الخير والشر. كما أن روح الحق يرشدنا ويعلمنا الصلاح ويعطي استنارة عقلية وروحية، كما أنه يعطي محبة ووحدة وشفاء وحرية، لأنه روح الله المنسكب في قلوبنا بالروح القدس، فيمنحنا النور والحياة: “لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله”.
لذلك، فلكي نمتلئ من روح الحق لا بد من الاتحاد بشخص المسيح، الذي قال عن نفسه: “أنا هو الطريق والحق والحياة”، ليكون لنا فكره الذي يجعلنا نميز بين روح الحق وروح الضلال، فقد قال الرسول يوحنا: “نحن من الله. فمن يعرف الله يسمع لنا، ومن ليس من الله لا يسمع لنا. من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال” (1يو 4: 6).