تابعت عن كثب حالة الغضب والقلق والتوجس التي سادت بين الأوساط القبطية والكنسية إثر تداول تفاصيل مشروع قانون مسار العائلة المقدسة، حيث تقدم أحد النواب (وبالطبع بتوجيه حكومي) إلى مجلس النواب بمشروع قانون يهدف لإنشاء هيئة عليا لإدارة مسار العائلة المقدسة، وأُحيل مشروع القانون إلى لجنة السياحة بالبرلمان.
وقد تجاهل مقدم المشروع الكنيسة القبطية، صاحبة الحق الأصيل والولاية على المواقع الكنسية والأديرة للمسار، الذي يتضمن 25 نقطة رئيسية موزعة على ثماني محافظات. هذا التصرف أثار حالة من الجدل والانتقادات داخل الأوساط القبطية والكنسية ولدى المهتمين بالتراث القبطي.
ومما يثير الشكوك حول مشروع هذا القانون المشبوه أن مقدم المشروع تجاهل الكنيسة، فلم يستشرها أو يعرض عليها مشروع القانون قبل التقدم به إلى مجلس النواب، لدرجة أن نيافة الأنبا بيمن، مطران نقادة وقوص ومقرر لجنة العلاقات العامة وإدارة الأزمات في المجمع المقدس، قال إن الكنيسة لا تعرف شيئًا عن مشروع قانون مسار العائلة المقدسة، ولم يُعرض عليها، بل فوجئت بنشره على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا نعرف أهدافه ولا بنوده أو المسؤول عن تقديمه.
فكم من العجائب والغرائب في بلادي، وكم من المضحكات المبكيات من تصرفات وقرارات وشطحات حكومة المدبوليزم.
وهنا، التساؤل الذي يطرح نفسه: ما الهدف وما الداعي من إنشاء هذه الهيئة الجديدة في ظل وجود وزارات وجهات معنية قائمة بالفعل، مثل وزارات السياحة والآثار والتنمية المحلية والتخطيط، التي يُفترض أن تقوم بالدور المنوط بها تجاه المسار؟
والأدهى من كل ذلك غياب أو تغييب الكنيسة عن المشروع، وتهميش دورها، وهي صاحبة الحق الأصيل والولاية الرسمية على المواقع الكنسية والديرية إداريًا وتاريخيًا وروحيًا وماديًا. كما أن هناك ملكيات قائمة ومحمية قانونيًا للكنيسة وللأفراد، وبهذا يُبغى التصرف بتحويل صاحبة الولاية على الأماكن الواقعة على المسار إلى مجرد ممثل بلا صلاحيات حقيقية في إدارة المواقع الدينية التابعة للمسار.
ودعونا نتوقف عند بعض بنود هذا المشروع لنرى مدى خطورته:
فالمادة السادسة تقول: “تنقل تبعية الأراضي والمنشآت السياحية (غير الأثرية) الواقعة في نطاق المسار، بقرار من رئيس مجلس الوزراء، من المحافظات المعنية إلى الهيئة”.
والمادة الرابعة تقول: “أموال الهيئة أموال عامة، ولها في سبيل اقتضاء حقوقها اتخاذ إجراءات الحجز الإداري طبقًا لأحكام القانون رقم 308 لسنة 1955”.
أما المادة الثالثة فتقول: “تتكون موارد الهيئة من الاعتمادات المالية التي تخصصها الدولة، وعوائد استثمار الأراضي والمنشآت التابعة لها أو الواقعة تحت ولايتها، ورسوم الزيارات والخدمات التي تقدمها الهيئة في نقاط المسار، والمنح والهبات والتبرعات والإعلانات”.
ومن النقاط المثيرة للقلق أيضًا في مشروع هذا القانون السماح للهيئة بتأسيس شركات مساهمة أو الدخول في شراكات مع مستثمرين، بالإضافة إلى ما نراه من غموض في المصطلحات الضبابية وتعريفات غير دقيقة يمكن أن تمنح الهيئة سلطات تقديرية واسعة، مما يترتب عليه نزاعات قانونية تتعلق بحقوق الملكية والأوقاف والممتلكات.
كما أن إنشاء كيان جديد يؤدي إلى التضارب في الاختصاصات مع الوزارات القائمة، وتهميش دور الكنيسة صاحبة الحق الأصيل والولاية في هذه الأماكن الروحية والدينية المقدسة، كما يؤدي إلى إرباك مراكز قانونية تاريخية مستقرة منذ قرون، على حد تعبير المستشارين القانونيين الأساتذة هاني رمسيس وإبراهيم إدوار وغيرهم.
كما أن هذا المقترح يصطدم بالمادة الثالثة من الدستور، التي تنص على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود هي المصدر الرئيسي لتشريعاتهم المنظمة لأحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية.
وهنا يطرح السؤال نفسه مجددًا: هل ستتحول الأماكن الدينية والروحية، بما تضم من كنائس وأديرة، إلى مشروع استثماري تجاري، مما يترتب عليه تغيير الهوية الروحية والدينية للمكان، والأماكن المقدسة التي وطأتها وعاشت فيها العائلة المقدسة؟
وبالمرة، تحويل المخطوطات من مقتنيات كنسية مقدسة إلى مواد ثقافية أو سياحية؟
هل الهدف هو خدمة السياحة الدينية أم خلق كيان اقتصادي جديد يتحكم في أموال وأراضي المشروع؟
كما أن فكرة فرض رسوم على دخول هذه الأماكن الواقعة على المسار، وهي الكنائس والأديرة، مرفوضة رفضًا باتًا وغير مقبولة، لأن هذه الأماكن ليست متاحف ولا حدائق ترفيهية، بل هي دور عبادة تُقام فيها الشعائر الدينية.
(هي الحكومة لما تفلس في قراراتها واقتصادها وتخطيطها تعمل زي التاجر لما يفلس ويدور في دفاتره القديمة. يا حكومة المدبوليزم ونوابها في مجلس النواب، الذين هم ليسوا نوابًا للشعب، ارفعوا أيديكم عن مسار العائلة المقدسة، لأنه مخوف هو الوقوع في يد الله).
فالقضية، يا سادة، ليست صراعًا بين الدولة والكنيسة على مسار له قداسته وقدسيته، لكن الرؤية المتوازنة أن يظل مسار العائلة المقدسة تحت إشراف الكنيسة إداريًا وتاريخيًا وروحيًا وماليًا كما كان، وأن تحترم الدولة ذلك، وأن تقوم بدورها في تنمية وتطوير المسار وتمهيد الطرق التي يمر بها وتزويده بالخدمات اللازمة لتشجيع السياحة الدينية.
فلسنا في حاجة إلى قانون جديد أو هيئة جديدة تدّعي تنظيم هذا المسار، فالأقباط يرفضون هذا المشروع بقانون وهذه الهيئة المستجدة، وإلا تكون الحقيقة الخفية والهدف المستتر من وراء مشروع هذا القانون أو الهيئة هو اختطاف مسار العائلة المقدسة أو السطو عليه أو تأميمه، مما يمثل قرصنة مرفوضة من الأقباط، الكنيسة والشعب.
لأنكم بهدفكم الخفي تريدون تحويله عن مساره الروحي والديني المتعارف عليه محليًا وعالميًا منذ آلاف السنين إلى مشروعات استثمارية تجارية تديرها الحكومة وتدر ربحًا لها.
ولنا فيما قامت به الحكومة سابقًا من محاولة القرصنة والاستيلاء على دير سانت كاترين، ثم اصطدامها بإدارة الدير، وكادت تحدث مشكلة دبلوماسية مع الحكومة اليونانية صاحبة الولاية على الدير الأثري والتاريخي والديني، أسوة، ولكنها أسوة غير حسنة، مرفوضة وغير مقبولة.
وقفات في محطات:
قداسة البابا أدلى بحديث للإذاعة الكرواتية قال فيه: “لا يوجد اضطهاد للمسيحيين في مصر”!! ولا تعليق.
نيافة الأنبا بولا، مطران طنطا، أرجوك أن ترفع يديك عن قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، واتركه للمستشارين القانونيين والمتخصصين بالتنسيق مع الكنيسة، وكفى أن نيافتك ورطتنا في مشروع الدستور الجديد وقت لجنة إعداده.
الدكتور القس أندريه زكي، سبق لك في تصريحات سابقة أن قلت إن المسيحيين يعيشون حاليًا أزهى عصورهم، يا ريت تقلل من تصريحاتك شوية.