في العشرين من شهر مارس من كل عام، يقف العالم أمام معنى إنساني عميق في اليوم العالمي للسعادة.
ليس هذا اليوم مجرد مناسبة احتفالية، بل هو دعوة صادقة لإعادة النظر في معنى الحياة نفسها. فقد أدرك العالم، بعد رحلة طويلة، أن السعادة لا تُقاس بما يملكه الإنسان، بل بما يحمله قلبه من سلام. ومن هنا ظهرت مبادرات إنسانية، أبرزها ما قدمته دولة بوتان (قرب جبال الهيمالايا بقارة آسيا بين الصين والهند) بفكرة “السعادة القومية الإجمالية”، حتى تبنّت الأمم المتحدة هذا التوجه، وأعلنت عام ٢٠١٢ يوم ٢٠ مارس يومًا عالميًا للسعادة، في توقيت يتزامن مع الاعتدال الربيعي، حيث يتساوى الليل والنهار… كأن الرسالة تقول: لا سعادة بدون توازن.
ما هي السعادة؟… منظور كتابي ولاهوتي
إذا كان العالم قد اجتهد في تعريف السعادة، فإن الكتاب المقدس قدّم رؤية أعمق وأبقى. فالسعادة في المفهوم الكتابي ليست مجرد شعور، بل حالة روحية مرتبطة بعلاقة الإنسان بالله.
يقول المرنم في (مزمور ١): “طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار…” وكلمة “طوبى” هنا تعني: السعادة الحقيقية العميقة، التي لا تعتمد على الظروف.
ويؤكد داود في (مزمور١٦: ١١): “تُعرّفني سبيل الحياة. أمامك شبع سرور. في يمينك نعم إلى الأبد”. فالسعادة الحقيقية ليست بعيدًا عن الله، بل في حضوره.
أما السيد المسيح فقد أعلن مقياسًا مختلفًا للسعادة في التطويبات (متى ٥): “طوبى للمساكين بالروح… طوبى للودعاء… طوبى لصانعي السلام…”
وهنا يربط المسيح السعادة لا بما نأخذه من العالم، بل بما نصير عليه في الداخل.
ويكتب بولس الرسول، رغم آلامه وسجنه، قائلاً: “افرحوا في الرب كل حين، وأقول أيضًا افرحوا” (فيلبي ٤: ٤)، ليؤكد أن الفرح (السعادة) ليس نتيجة ظروف، بل ثمرة علاقة.
يحذرنا الكتاب المقدس من أمور تسرق سلام القلب:
1- إلقاء اللوم والهروب من المسؤولية. كما فعل آدم حين قال: “المرأة التي جعلتها معي…” (تكوين ٣)، ففقد السلام بدل أن يتوب.
2- التذمر. كما تذمر شعب إسرائيل في البرية، رغم معجزات الله، ففقدوا الفرح (خروج ١٦).
3- الانتقاد والدينونة: يقول المسيح: “لا تدينوا لكي لا تُدانوا” (متى٧: ١)، لأن الروح الناقدة تفقد السلام.
٤- القلق والخوف: يقول الكتاب: “لا تهتموا بشيء…” (فيلبي٤: ٦)، لأن القلق يسرق الفرح.
٥- العيش في الماضي، يقول بولس الرسول: “أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام” (فيلبي٣: ١٣) وهكذا، نرى أن السعادة لا تُفقد فجأة، بل تُفقد حين يبتعد القلب عن الله.
مقومات السعادة…
السعادة الحقيقية تُبنى حين يعود الإنسان إلى الله، ويعيش بحسب فكره:
1- تحمّل المسؤولية: “لأن كل واحد سيحمل حمل نفسه” (غلاطية٦: ٥).
2- الامتنان بدل التذمر: “اشكروا في كل شيء” (١تسالونيكي٥: ١٨).
3- نقاوة القلب بدل الانتقاد: “طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (متى٥: ٨).
4- الإيمان بدل القلق: “ملقين كل همكم عليه لأنه هو يعتني بكم” (١بطرس٥: ٧).
5- التحرر من الماضي: “أنسى ما مضى وأمتد إلى ما هو قدام” (فيلبي٣: ١٣).
6- تقدير الوقت: “مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة” (أفسس٥: ١٦).
7- اختيار الأصدقاء: “المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة” (١كورنثوس١٥: ٣٣).
٨- استخدام المواهب: مثل الوزنات (متى ٢٥)، حيث الفرح كان لمن استخدم ما أُعطي له.
9- العيش للآخرين: “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ” (أعمال٢٠: ٣٥).
10- الله هو المصدر: “ملكوت الله… بر وسلام وفرح في الروح القدس” (رومية١٤: ١٧).