* مسلسل اختفاء الفتيات والسيدات القبطيات المستمر منذ عقود يطل علينا بوجهه القبيح المقزز من حين لآخر، ألم يحن الأوان لانتهائه؟ ففي الآونة الأخيرة وجدنا كمًا من الاستغاثات والمناشدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأسر مكلومة بسبب اختفاء أو خطف بناتهن، وحتى البنات القاصرات لم يسلمن من الاختفاء القسري أو الاختطاف أو التغرير بهن ثم في مرحلة لاحقة يتم الإعلان عن أسلمتهن، مما يشي بوجود منظمات وراء هذا الاختفاء القسري للفتيات وحتى السيدات المسيحيات أيضًا. والغريب والعجيب في الأمر والذي يدعو للدهشة والحيرة هو: لماذا البنات والسيدات المسيحيات بالذات دون الشباب والرجال من الأقباط؟ ولماذا المسيحيات دون المسلمات؟ لماذا الاختفاء القسري وغير الطوعي؟ أسئلة كثيرة تطرح نفسها وتظل دون إجابات شافية شفافة. هذا المسلسل البغيض من الواضح أن وراءه جماعات منظمة، وهو مستمر منذ عقود مع ما يسببه من مآسي وآلام للأسر القبطية وما يترتب على هذا الاختفاء أو الاختطاف أو التغرير بوسائل شيطانية من تقطيع للأواصر وتمزيق نسيج الأسرة وكسر روح الأقباط وإذلالهم، خاصةً في المجتمع الصعيدي وما يسببه ذلك من عار وكسر شرف وسمعة الأسرة التي حدث معها ذلك.
إن هذه الجريمة مكتملة الأركان جريمة نكراء بكل المقاييس في حق المجتمع، تهدد السلم المجتمعي وتناقض مبدأ التعايش لوطن يحتضن جميع أبنائه. والواضح للعيان والبيان أن الفاعل في كل الحالات يكون إسلاميًا، وتتعد الأساليب والوسائل، فقد يكون بالتهديد أو الترغيب باستغلالهن وأحيانًا استدراجهن عن طريق علاقة عاطفية أو بالتغرير والخداع للقاصرات أو بالخطف والإخفاء القسري للوصول إلى الهدف هو أسلمة هؤلاء السيدات أو الفتيات أو القاصرات. ويعتقد مَنْ يقوم بذلك أن في هذا نصرة لدين الأغلبية. ويا ليت الأسلمة تكون للبالغات الناضجات وتكون عن طريق الاقتناع وبإرادة حرة وباختيار حر وبشفافية ودون خطف أو اختفاء، وتكون حرية الاعتناق لدين ما باقتناع وحرية تامة دون أي ضغوط وبإرادة حرة ويكون ذلك على قدم المساواة، أي تكون حرية الاعتناق متاحة للجميع من هنا ومن هناك ولا يكون ذلك قاصرًا على جانب واحد فقط دون الجانب الآخر بعيدًا عن الخطف أو الاختفاء القسري أو التهديد أو الترغيب أو التغرير والخداع والأساليب الملتوية، مع العلم أن هذا لا يجوز للقاصرات وذلك وفقًا للقانون. ورغم خطورة هذه الأحداث الشائكة بالغة الأهمية لأنها تتعلق بالسلم المجتمعي وسلامة الأسرة إلا أن الإعلام الرسمي يتغافل أو يتجاهل ذلك الأمر الخطير ويقلل من خطورته بالادعاء بأنها حالات فردية على غير الحقيقة. لكن الأمر المحير هو: لماذا الإسراع بإصدار شهادات الأسلمة؟ ويقابل ذلك أمر محير آخر ويثير الدهشة، إذ يكتفي بعض المسئولين في الكنائس أو الأبرشيات بالاتصال بالمسئولين لاحتواء الموقف بل قد يلقي بعضهم للأسف باللوم على الأسرة وجلد الضحية. أما إذا تجرأ أحد النشطاء أو أحد المثقفين المستنيرين بإثارة الموضوع على وسائل التواصل الاجتماعي فقد يُتهم بإثارة الفتنة في المجتمع، وهنا يصرخ أهل الضحية على وسائل التواصل الاجتماعي لعل صوتهم يصل إلى المسئولين. وفي مقابل ذلك، يمكن أن نجد بعض الأقباط المتملقين المنافقين يجلدون الفتاة أو السيدة المختفية أو المختطفة ويلقون باللوم على الأسرة، أما الجهات الأمنية، فالموقف بالنسبة لهم قد يكون غض الطرف أو التهوين من الأمر، بل قد توجد بعض العناصر متورطة في الموضوع، ولكن هناك من رجال الأمن مَنْ يشعرون بمدى معاناة هذه الأسرة أو تلك بسبب اختفاء ابنتهم فيسعون بجدية للبحث عنها من أجل عودتها، خاصةً إن كان اختفاؤها قسريًا أو كان خطفًا أو كانت قاصرًا، وذلك لتهدئة ثورة الغضب التي تجتاح الكثيرين.
* لذلك نرى أن أول خطوة في علاج ذلك هي ضرورة عودة جلسات النصح والإرشاد. ودعوني أشير بشيء من التفصيل لهذه الجلسات: متى بدأت؟ وكيف طُبقت؟ ولماذا تم إلغاؤها رغم أهميتها القصوى؟
*فجلسات النصح والإرشاد جرى إلغاؤها قبل ما يزيد على العشرين عامًا بقرار من وزير الداخلية وقتئذٍ، اللواء حبيب العادلي، في أعقاب قضية وفاء قسطنطين، كما يقول الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ حمدي رزق. وجلسات النصح والإرشاد نص عليها الكتاب الدوري رقم (40 لسنة 1969) الصادر من وزارة الداخلية، وتحدد فيه الوزارة إجراءات إشهار الإسلام، ويتضمن الكتاب ما يلي:
– يتقدم المسيحي الراغب في اعتناق الإسلام بطلب إلى مديرية الأمن التابع لها أو التي يباشر أعماله في نطاق اختصاصها ولا تُقبل الطلبات التي تخالف ذلك.
– تقوم مديرية الأمن بتحديد موعد للطالب يحضر فيه إلى مقر المديرية، ويتم إخطار (واعظ) لإسداء النصح والإرشاد، فإذا لم يحضر الواعظ أو القسيس تحدد المديرية موعدًا آخر ثم تسير الإجراءات في طريقها المعتاد إذا لم يحضر.
– خلال الجلسات، تكلف مديرية الأمن (مندوبًا) تكون مهمته (فقط) التأكد من هدوء الاجتماع وصحة مجرياته، فإذا قبل المتقدم بالطلب الاستمرار في دينه الأصلي يتم حفظ الطلب، وإذا أصر على إشهار الإسلام يتم توثيقه في مكاتب الشهر العقاري.
– جرى التفاهم بين وزارة الداخلية ومشيخة الأزهر الشريف على أن تقوم (لجنة الفتوى بالأزهر) بإرسال أوراق طالب إشهار الإسلام إلى مديرية الأمن الواقع بدائرتها محل إقامة طالب الإشهار، وكانت الإجراءات تتم سواء بقبول إشهار الإسلام أو العدول عنه بسهولة ويسر مع طمأنة أسر الحالات.
– جلسات النصح والإرشاد شكلت حلًا من جهة التيقن من (حرية العقيدة) عن اقتناع، ومن جهة أخرى وفرت ضمانات تترجم تطمينات لأهل الفتاة التي تطلب إشهار إسلامها بعيدًا عن مهددات الغضب أو مغريات الجذب.
– الجلسات كانت محل اعتبار من عموم المسيحيين والكنائس والقيادات الروحية ومحل تراضٍ من المسلمين على قاعدة مُسَلَّم بها وهي “لا إكراه في الدين” (سورة البقرة 256).
– إذن لماذا أوقف وزير الداخلية الأسبق اللواء حبيب العادلي العمل بجلسات النصح والإرشاد؟ ولماذا خضع لضغط التظاهرات التي قامت ضد عودة وفاء قسطنطين إلى المسيحية وفق جلسات النصح والإرشاد؟
والجدير بالذكر في ذات السياق أن آخر جلسة (جلسة وفاء قسطنطين) عُقدت في 8 ديسمبر 2004.
– وبح صوت المسيحيين منذ هذا التاريخ وقدموا مئات المذكرات ورفعوا عشرات القضايا ولا مجيب.
كل الشكر والتقدير لإخوتنا المسلمين وللمثقفين والمستنيرين ممن يضمون أصواتهم إلى صوتنا بالمطالبة بعودة جلسات النصح والإرشاد والذي، وقد كان في طليعة هؤلاء، الكاتب الصحفي الكبير والقدير الأستاذ حمدي رزق.
*ونطالب حين تتم عودة جلسات النصح والإرشاد أن يكون مقر انعقادها في المجلس القومي لحقوق الإنسان وبحضور عضو من المجلس القومي لحقوق الإنسان وعضو من المجلس القومي للمرأة كشاهدي عيان لتوكيد معاني الرضا والقبول وحرية الاختيار بكل شفافية والتي هي عين حرية الاعتقاد.
النداء موجه للمسئولين، فمن يتصدى لإصدار القرار الجريء؟ هل يأتي من سيادة وزير الداخلية أم من معالي رئيس الوزارة أم يضطر السيد الرئيس للتدخل بشجاعة منقطعة النظير ويصدر قرارًا عودة جلسات النصح والإرشاد، وهي أولى الخطوات في تصحيح مسار الاختفاء القسري أو الخطف للفتيات والسيدات المسيحيات؟