28.4 C
Cairo
الخميس, أبريل 23, 2026
الرئيسيةفكر مسيحي"يُبغِض أباه وأمه"

“يُبغِض أباه وأمه”

ق. عزت شاكر

سألني أحدهم قائلًا: أجد صعوبة كبيرة في فهم كلمات المسيح: “إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يُبغِض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته، حتى نفسه أيضًا، فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا” (لو14: 26). أليست التلمذة للمسيح تعني أن نعيش قيم المسيح من حب وتسامح وعطاء، فكيف يضع المسيح البُغض كشرط أساسي من شروط التلمذة؟ وكيف يبغض الإنسان والديه والوصية الخامسة من الوصايا العشر تقول: “أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك” (خر20: 12)؟

وللإجابة على هذا السؤال أقول:

إن هذه الكلمات لا يجب أن تُفهم أو تُفسّر حرفيًا، لأنه من المبادئ الأساسية في تفسير كلمة الله هو أنه لا يجوز تفسير آية من آيات الكتاب المقدس بكيفية تخالف روح الكتاب المقدس، وتخالف آيات أخرى واضحة المعاني وصريحة الألفاظ، إلى جانب أن تفسيرها حرفيًا يناقض أحكام المنطق والعقل السليم.

إن كل الكتاب المقدس يعلِّمنا إكرام الوالدين، فعندما ندرس العهد القديم لا نجد وصية إكرام الوالدين فقط بل سنجد أيضًا أن هناك عقابًا رادعًا لكل مَنْ يهين أو يُسيء لوالديه فتقول الشريعة:

– “ومَنْ يضرب أباه وأمه يُقتل قتلًا” (خر21: 15).

– “ومَنْ شتم أباه وأمه يُقتل قتلًا” (خر21: 17).

– “ملعون مَنْ يستخف بأبيه وأمه” (تث27: 16).

– وقال الحكيم: “العين المستهزئة بأبيها، والمحتقرة إطاعة أمها، تقورها غربان الوادي، وتأكلها فراخ النسر” (أم30: 17). وكان المسيح يعرف ذلك جيدًا.

وعندما ندرس العهد الجديد سنجد أن الرسول بولس اقتبس الوصية بإكرام الوالدين وفسرها قائلًا: “«أكرم أباك وأمك»، التي هي أول وصية بوعد، «لكي يكون لكم خير، وتكونوا طوال الأعمار على الأرض»” (أف6: 2-3). وأضاف أيضًا: “إن كان أحد لا يعتني بخاصته، ولا سيما أهل بيته، فقد أنكر الإيمان” (1تي5: 8).

وسنجد أن الرب يسوع صادق على هذه الوصية، ووجَّه اللوم للكتبة والفريسين الذين علَّموا تلاميذهم أن يقولوا على ما يجب أن يُقدم للوالدين بأنه قربان للرب، وبذلك يتملص الواحد منهم مما يجب أن يقدمه لوالديه (مر7: 10-13)، وقد عاش المسيح هذه الوصية، فيكفي ما سجله عنه البشير لوقا: “ثم نزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان خاضعًا لهما” (لو2: 51). وبالرغم من أن يسوع كان يعلم أن رسالته الأولى هي الخضوع للآب، والعمل تحت إرادته، لكنه كان يعرف الوصية أيضًا، وكان يعرف أن إرضاء الوالدين جزء من إرضاء الله.

وعندما كان معلقًا على الصليب، نسي كل آلامه الشديدة ونظر إلى أمه، وعندما رأى أنها تحتاج لمن يعولها، طلب من يوحنا أن يأخذها عنده لتكون تحت رعايته (يو19: 27).

هذا إلى جانب أن رسالة المسيح هي رسالة المحبة، ويكفي أنه علَّمنا قائلًا: “سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم” (مت5: 43-44).

فهل من المعقول بعد كل هذا يطلب منا المسيح أن نبغض والدينا؟! كلا، إن المشكلة الحقيقية تكمن في كلمة “يبغض”، فهي لا تعني يكره أو يحقد أو يعادي بل تعني محبة أقل، فعندما نعود للنص الموازي لهذا في إنجيل متى نجده يقول: “مَنْ أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومَنْ أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني” (مت10: 37). والفكرة هنا أنه يجب أن تكون محبتنا للرب محبة كاملة ومطلقة وبلا حدود وغير مشروطة، بحيث إذا قارنا محبتنا لأي شخص آخر بمحبتنا له تبدو وكأنها بغضة.

وإلى جانب هذا، فإن المسيح قال هذه الكلمات لمجتمع يهودي، وكان يعلم أن مَنْ يريد أن يتبعه سيواجه كراهية وبغضة شديدة من أهله، وهذا ما كان يحدث فعلًا، وما زال إلى اليوم، فعندما يريد شخص أن يتبع المسيح، ينقلب عليه الأهل ويطردونه من البيت، ويريدون قتله. والمسيح هنا يريد أن يقول لمن يريد أن يتبعه: هل أنت مستعد لأن تتحمل أن يبغضك أهلك من أجلي؟ هل أنت مستعد أن تقبل أن يعاديك أعز وأقرب الناس لديك لكي تكون لي تلميذًا؟

عزيزي القارئ: هل أنت تحب الرب؟ وهل محبتك له أكبر من محبتك لأعز الناس لديك؟ وما هو برهان محبتك للرب؟ أترك معك بعض الآيات التي بها تعرف إن كنت تحب الرب أم لا:

– “إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي” (يو14: 15).

– “قال يسوع لـ…: «أتحبني..؟» «ارع خرافي». قال له أيضًا ثانية: «يا… أتحبني؟» (يو21: 15-17).

– “إن قال أحد: «إني أحب الله» وأبغض أخاه، فهو كاذب.. مَنْ يحب الله يحب أخاه أيضًا” (يو15: 20-21).

المقاله السابقة
المقالة القادمة
مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا