ميراثنا في المسيح

2

القس رأفت رؤوف الجاولي

“لنتمسك بإقْرار الرجاء راسخًا، لأَن الذي وعد هو أمين… أما البار فبالإيمان يحيا، وإن ارتد لا تسر به نفسي، ولكن بدون إيمان لا يمكن إِرضاؤه، لأنه يجب أن الذي يأْتي إلى الله يؤمن بأَنه موجود، وأنه يكافئ الذين يطلبونه” (عب 10: 23، 38؛ رو 11: 6).

نتأمل في هذا الموضوع الهام من خلال ما يلي:

الوجه الأول: معرفة الله هي أساس الحصول على الحياة الأبدية (المعرفة الاختبارية)

إن معرفة الله هي أساس حصولنا على الحياة الأبدية. وليس المقصود بالمعرفة هنا مجرد المعرفة العقلية بوجود إله يرعى البشر ويحبهم، وليست هي مجرد الاعتراف بالقول بأننا نعرفه بينما بالأعمال ننكره.”يعترفون أنهم يعرفون الله ولكنهم بالأعمال ينكرونه” (تي 1). فالمعرفة التي نقصدها هنا تتضمن القبول لدى الرب، فعندما نعرفه المعرفة الصحيحة نصبح مقبولين لديه، وهذا ينقلنا لمفهوم الخلاص:

الخلاص هو التدبير الذي صنعه الله أبونا لإنقاذ الإنسان من الهلاك الأبدي. وهو إذا كان يبدأ خطواته الحاسمة بصليب المسيح وموته وقيامته، فهو يتواصل عَبْرَ الإيمان والجهاد والقداسة (عمل الروح القدس في المؤمنين) حتى يبلغ خطوته المجيدة في اكتمال شكل الحياة الأبدية، النهاية السعيدة لتدبير الخلاص التي تعود بها الخليقة الجديدة إلى الملكوت الذي تعثرت الخليقة القديمة في دخوله بسبب السقوط ودخول الموت إلى العالم: وهذه الحياة الأبدية نأخذ عربونها هنا على الأرض. “ها ملكوت الله داخلكم” (لو 21:17)، والروح القدس يملأ الكنيسة منذ يوم الخمسين ويلد كل يوم للكنيسة الذين يخلصون، “حتى كما مَلَكَت الخطية في الموت، هكذا تملك النعمة بالبر، للحياة الأبدية، بيسوع المسيح ربنا لأن أجرة الخطية هي موت، وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا” (رو 5: 21؛ 6: 23).

الوجه الثاني: وهذه هي غاية الحياة الأبدية أن يعرفوك في الشركة (لكي يكون لنا شركة معه)

“إِذْ أعطيته سلطانًا على كل جسد ليعطي حياة أبديةً لكل مَنْ أعطيته وهذه هي الحياة الأبديةُ: أَن يعرفُك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.” فالحياة الأبدية ببساطة هي حياة الله ذاته التي توجد فينا بالميلاد الثاني (يو 17: 2 و3).

فإن كانت معرفتنا الاختبارية هي أساس حصولنا علي بركة الحياة الأبدية ، لكن أيضًا الغاية من الحياة الأبدية هي أن تكون لنا شركة مع الله، فنحن خلصنا ودخلنا دائرة الله وأصبحنا أبناء له لكي نعيش في شركة دائمة معه. في صلاة الرب هنا، نرى أن الحياة الأبدية هي أن نعرف الآب كالإله الحقيقي وحده ويسوع المسيح الذي أرسله، وعبارة “الإله الحقيقي وحدك” الإشارة هنا إلي الآب كالإله الحقيقي بالمقابلة مع الأوثان التي لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم ولا تشعر، فهو إله حقيقي وليس كالآلهة الوثنية المجردة من الحياة. وبولس يشير لله الحي الحقيقي بالمقابلة مع الأوثان: “كيف رجعتم إلي الله من الأوثان لتعبدوا الله الحي الحقيقي” (1 تس 1: 9) .

 هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك، وكلمة “يعرف” في الكتاب تشير للاتحاد الذي يثمر حياة.

اتحاد المسيح بنا، أثمر حياة أبدية لنا.

الوجه الثالث: وهذه هي طريقة التمتع بالحياة الأبدية على الأرض: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته (المعرفة هنا: أن نسعى لمعرفة أعمق لله)

إن الحياة الأبدية تشير أيضًا إلى نوعية وجودة تلك الحياة، فهي نفس الحياة التي أقامت الرب يسوع المسيح من الموت، وهي أيضًا نفس الحياة التي أقامنا بها الله من موت خطايانا. ولا شك أن المؤمن يحصل على نوعية وجودة هذه الحياة وهو لا يزال يحيا علي الأرض، ولكننا لن نتمتع بملئها إلا في السماء عندما نتخلص من العائق الوحيد وهو الجسد الذي تسكن فيه الخطية. ومع ذلك، فنحن نستطيع أيضًا أن نختبر هذه الحياة الأبدية هنا علي الأرض، وذلك عن طريق معرفة الله اختباريًا في كل يوم من أيامنا على الأرض.

تؤكد كلمة الله -كما رأينا- أن الحياة الأبدية هي هبة ووعد نناله من خلال النعمة بالإيمان بالرب كمخلص، ولا يجرؤ واحد -مهما كانت درجة قداسته- أن يدعي أنه ينال الوعد مفتخرًا بأعماله. «وإلا فليست النعمة بعد نعمة» (رو 11: 6). هذا ليس حطًّا من قدر الأعمال -وجه الإيمان الآخر الذي لا ينفصل عنه- فالإيمان يوصف بالإيمان العامل بالمحبة (غل 5: 6)، والأعمال بأنها أعمال الإيمان (تمييزًا لها عن أعمال الجسد وإتباع الناموس والبر الذاتي). فهي جزء طبيعي لا يستقل عن حياة الإيمان، لأنها ثماره التي سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها (أف 2: 10)، وهي هبات الروح القدس وعطاياه (غل 5: 22 و23) من خلال تسليم الحياة والارتباط بين شخص المسيح والكنيسة. “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية.” (يو 3: 16). “أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيًا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد.” (يو 11: 26 و26). “الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية.” (يو 3: 36). “أن كل مَنْ يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير… مَنْ يؤمن بي فله حياة أبدية.” (يو 6: 40 و47). “وهذه هي الشهادة: أن الله أعطانا حياة أبدية، وهذه الحياة هي في ابنه. مَنْ له الابن فله الحياة، ومَنْ ليس له ابن الله فليست له الحياة. كتبتُ هذا إليكم، أنتم المؤمنين باسم ابن الله، لكي تعلموا أن لكم حياة أبدية.» (1 يو 5: 11-13). “أعرف خاصتي وخاصتي تعرفني… خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني. وأنا أُعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي. أبي الذي أعطاني إيَّاها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي.» (يو 10: 14 و27-29).

وأخيرًا:

ما أروع أن يعيش الإنسان مطمئنًا لمصيره الأبدي وشاعرًا بالراحة والسرور، بل السلام العميق والفرح الأكيد لأنه مَنْ سيفصلنا عن محبه المسيح ؟ لا شيء بكل تأكيد. ليت كل قارئ لهذا المقال يراجع حساباته ليكون على يقين الرجاء في يسوع المسيح.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا