أفتح سفر تكويني، وأقرأ عن قلبها الذي رآني قبل أن تراني عيناها، وعن أحشائها التي ضمَّتني قبل أن تضمَّني ذراعاها، وعن فكرها الذي خاطبني قبل أن تخاطبني شفتاها.
وحين جئتُ، شكرتُ الربَّ المربّي الأعظم، الذي اختارها لتكون مساعدةً له في صياغة إنسانٍ جبله على صورته ومثاله.
ومنذ ذلك الوقت، صار صوتها من صوته؛ فهو مُلهِمُها، وهو قوَّتُها.
وأفتح سفر أعمالها، وأقرأ عن كل رغيفٍ أطعمتني إيّاه، حين تفتَّحت أولُ سنٍّ في ثغري. كان رغيفًا معجونًا بالسهر، والتعب، والآلام.
وحين كنتُ أصعد على كتفها وعمرها، كانت هي مظلَّتي تحت طبقة أوزونٍ مثقوبة.
كانت تعانق كلَّ انفعالٍ ينفلت مني بالحب والحنان والاهتمام.
وفي خطواتها المباركة على درب جلجثتها، حاملةً مسئوليتها، كانت تمرُّ لحظاتٌ في حياتها تشعر فيها بثقل الرسالة؛ فتقول مقولة سيِّد الآلام في جثسيماني: «أيها الآب، إن شئتَ فابعِد عني هذه الكأس، ولكن لا تكن مشيئتي بل مشيئتك».
وأفتح سفر رؤياها، وأقرأ صلواتها وتمتماتها المخلصة، أن يبعث الربُّ فيها كلَّ صباحٍ نسمةً من نسماته العبقرية، لكي تستطيع أن تخوض مع تلاميذها وأصدقائها وإخوتها وأخواتها معركةَ الحياة المُثلى، فتستحق أن تجلس إلى مائدته المقدسة.
كانت تعرف وقت مجيء شهود الزور، وانهيار القيم، ووقت الاستهتار بمشاعر الإنسان وكبريائه، ووقت الجوع الجماعي والاغتصاب الجماعي للقمة والكلمة والحلم، ووقت الحرب على رغيفٍ أو بقعةِ ضوءٍ أو جدولِ ماء، فمنحتنا سلاحًا وجعبةً من محبةٍ وقوةٍ وصبرٍ وأخلاق، وأعلمتنا بجهة المعركة وأسماء المحاربين.
وما يزال ودُّها للناس، كالصدقة الجارية، سلاحَنا ضدَّ الذين يُعِدّون لأولادها المكائد، وما تزال ذرَّةٌ واحدةٌ من ذرَّات رضاها تجعلنا ننقل جبلَ الصعاب إلى هناك.