رمضان وموائد الرحمن وكنيسة هذا الزمان

17

لستُ أدري لماذا أراقب عن كثب ما يحدث في رمضان من كل عام، من كنيسة هذا الزمان، زمان كنيسة اللاودكيين، وأستطيع أن أجزم أن ما يحدث في رمضان من كنيسة هذا الزمان من تشويش على عقول القسوس والخدام، وتركيز عمل روح الغي والضلال والكذب وروح الخوف وروح النوم العميق، وروح ضد المسيح، وعدم التمييز الروحي للأمور، يتطور ويكبر كل عام عن الذي قبله، ويزداد اتساعًا وانتشارًا وإصرارًا من القسوس والقادة، وخاصةً الإنجيليين منهم. فبعد أن كان حفل الإفطار الرمضاني في الكنيسة في القديم يتصدره مرنم أو، كما وصف نفسه، منشد صوفي مسيحي شهير، ويشاركه في المديح وغناء التواشيح منشد مسلم صوفي أيضًا، ويقوم الاثنان بعمل سهرة رمضانية. ويتجرأ المرنم الصوفي والقسيس المستضيفة في كنيسته للسهرة أن يطلقا عليها اسم سهرة رمضانية بعنوان “نقوم ونبني”، تلك العبارة التي استخدمها نحميا نبي الله لتشجيع شعبه في القديم لإعادة بناء أورشليم القدس، نحميا، ذاك النبي الذي رفض بإصرار أن يشرك أو يشترك مع أي شخص من غير شعب الله إسرائيل في البناء أو حتى في مجرد لقاء يه في أي مكان.

واليوم أصبح أمر إقامة الإفطارات أو السحورات الرمضانية غير قاصر على قسيس واحد أو مرنم صوفي واحد يحتاج أن يذهب إلى كنيسة ما ليقيم ويحيي هذه الحفلات، فبعض الداعين والمرنمين بها يمتلكون الشقق الفاخرة الواسعة التي يمكن أن يقيموا بها سرًا إفطاراتهم الرمضانية لأصدقائهم المقربين من الصوفيين والفنانين والمداحين فقط تجنبًا لوجع الدماغ من الآخرين، تلك الشقق التي لا يعلم أحد من أين جاءوا حرفيًا بالملايين من الجنيهات لينفقوه على ديكوراتها. فكم وكم تكون تكلفة شراء الشقة نفسها، فليس هناك تطبيق لقانون “من أين لك هذا” على الخدام والمرنمين والقسوس المصريين. واليوم ازداد عدد فرق الترنيم والمرنمين المشاركين في هذه السهرات الرمضانية، وتتم دعوة شعراء مسلمين لإلقاء قصائدهم وأشعارهم وأفكارهم في مثل هذه السهرات الدينية الروحية الرمضانية، وتجنب دعوة الشعراء المسيحيين المعروفين لنا جميعًا، وتشترك في هذه السهرات أيضًا أعرق فرق الترنيم المصرية وأقدمها تكوينًا، وألمعها اسمًا، وأكثرها انتشارًا ونشاطًا بين المسيحيين المصريين والعرب، وأغناها إمكانيات مادية وبشرية وموسيقية، ظانة أنها بمشاركتها في الحفلات الرمضانية ستجعل الناس يعيشون ويستمتعون بــ “الحياة الأفضل”، وهكذا يزداد عدد الذين يشتركون أو يقومون بعمل موائد الرحمن للصائمين من المسلمين في رمضان، بالرغم من كل الشروحات والتوضيحات والدراسات الكتابية التي تقدم لهم في كنائسنا الإنجيلية على اختلاف أنواعها ومذاهبها والتي يقوم بها رجال الله الأفاضل المشهود لهم من الجميع وتقوم على أسس ودراسات روحية ومنطقية وعملية كتابية بكل محبة للأحباء المسلمين.

والعجيب أن محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد السعودي المسلم، غيَّر من أوضاع المسلمين في السعودية وعدَّل لهم حتى مواعيد الإفطار والصيام في رمضان، وأصبح أمير وولي عهد التغيير والتجديد لخير أمته وديانته. أما الكنيسة المصرية فلا زالت متحجرة في مكانها، لا تسمع ورافضة لأصوات المنادين لها بالإصلاح والتغيير وتتجاهل القول الكتابي: “تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم”.

ولعل السؤال الذي يحتاج إلى إجابة من أولئك الذين يقومون بعمل موائد الرحمن لإفطار المسلمين في رمضان من رؤساء الطوائف أو المجامع أو قسوس الكنائس، سواء أكانوا يعملونها للقادة السياسيين أو الدينيين أو حتى فقط للمسلمين العاديين، هو: لماذا تقومون بعمل هذه الموائد؟ أي ما هو الدافع أو الدوافع الحقيقية التي تجعلكم تعملونها؟ ولا شك في أنه إن كنتُ أنا أسأل القادة والقسوس هذا السؤال، فسيكون من حقهم أن يسألوني هم أيضًا. قائلين: وماذا يضيرك أنت في أن نعمل نحن موائد الرحمن أم لا؟ لماذا لا تهتم بنفسك وشئونك الخاصة وتتركنا وحالنا دون التدخل فيما نعمل نحن من موائد رحمن أو فتح أبواب كنائسنا وحتى منابرنا للمسلمين حتى لو رفعوا الآذان وأقاموا الصلاة من فوقها؟

وللإجابة على السؤال الأول الموجه مني لعاملي موائد الرحمن للمسلمين في رمضان أقول: حيث إنه لن يجيبني أحد عليه، لذا أقول ربما يبررون ذلك في أنفسهم بالقول الذي اعتادوا تكراره كإجابة لسؤالي السابق والذي يتكون من ثلاثة أسباب هامة في نظر المسيحيين الذين يقيمون حفلات الفطور أو السحور للمسلمين في رمضان. السبب الأول هو لكي نُظهِر محبة المسيح لإخوتنا المسلمين ونساعدهم على تحمل ساعات الصيام الطويلة وندخل البهجة إلى قلوبهم ولنثبت لهم أننا مسيحيون ومسلمون نسيج واحد وعاش الصليب مع الهلال. والسبب الثاني هو لنجعلهم يدخلون إلى الكنائس حتى ولو لمرة واحدة في حياتهم ليكسروا حاجز الخوف المسيطر على الغالبية العظمى من المسلمين من مجرد دخول الكنيسة، حيث إن دخول مسلم إلى الكنيسة أمر صعب بعد كل الدعايات والخرافات والقصص الكاذبة تمامًا التي يسمعها المسلم والتي يحكونها بينهم وبين بعضهم عن الكنائس وما يحدث فيها، فمنهم مَنْ ادعى أن الكنائس أوكار لتخزين السلاح والقنابل لاستخدامها ضد المسلمين في الوقت المناسب، ومنهم مَنْ ادعى أن الأديرة والكنائس أوكار لتنصير المسلمين أو لإيواء المتنصرين والمتنصرات منهم بالفعل، ومنهم مَنْ تجرأ وقال إن هناك حفلات رقص ومجون وشرب الخمر بها، لذا فمجرد دخول مسلم إلى كنيسة في حد ذاته فتلك هي معجزة في حد ذاتها. والسبب الثالث هو لكي نبشرهم ونسمعهم رسالة المسيح لتخلص نفوسهم من النار والعذاب الأبدي.

والحقيقة أن الأسباب سابقة الذكر، والتي يتحجج بها المسئولون عن الكنائس لإقامة موائد الرحمن للمسلمين، كلها خادعة وهي من صناعة روح الغي والضلال ومردود عليها ولا توجد إلا في عقولهم وضمائرهم الموسومة فقط، وأعتقد أن قائليها إما أن يكونوا مخلصين ويؤمنون بما يقولونه حقًا، وإما أن يكونوا مغرضين متملقين مداهنين للمسلمين ويتخذون الأسباب السابقة لتبرير ما يعملون. فالسبب الأول وهو إظهار محبة المسيح مردود عليه بأن محبة المسيح لا يمكن أن تظهر للنفوس إلا بالروح القدس، والروح القدس لن يوافق على استخدام وسائل وطرق بشرية جسدية وتعاليم إسلامية من صوم وإفطار وسحور والتي هي ضد المسيح وتعاليمه لكي يُظهِر محبة المسيح للمسلمين ولا للمسيحيين أيضًا، فهذه الأقوال والأعمال من اختصاص روح ضد المسيح وليست من روح المسيح في شيء. فإظهار محبة المسيح الحقيقية لا يكون إلا بالخبر، والخبر بكلمة الله الحية الفعالة التي هي أمضى من كل سيف ذي حدين. ومحبة المسيح لا تظهر للناس إلا بالروح القدس الذي يقتادهم إلى المسيح المصلوب والمقام غافر الخطايا والصافح عن الزلات والذي يلد الإنسان من جديد فيصبح خليقة جديدة، وليس فقط تصليح الطبيعة القديمة الفاسدة بل استبدالها بالجديد. أما السبب الثاني فمردود عليه بأن الخوف المسيطر على المسلمين من الدخول إلى كنيسة ليس بسبب أنهم لم يدخلوا إلى كنيسة من قبل أو بسبب جهلهم بما يحدث داخل الكنيسة فحسب، حيث إن مَنْ له، من المؤمنين الحقيقيين بالمسيح وعمله على الصليب، دراية ولو قليلة جدًا بعالم الروح سيعرف أن هذا الخوف هو من عمل روح الخوف الذي يخيف المسلمين ويجعلهم يخافون من دخول الكنيسة لئلا يتقابلوا مع أحد المسيحيين الحقيقيين فيقتادهم لمعرفة المسيح مخلص شخصي لحياتهم. فحربنا ومصارعتنا ليست بين مسلمين ومسيحيين وفقًا لقول الكتاب المقدس: “فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحية في السماويات.” أما بالنسبة للسبب الثالث والذي هو لكي نُسمعِهم رسالة المسيح لتخلص نفوسهم من النار الأبدية، فمع أنه سبب في شكله الخارجي جميل ويستحق حتى الموت لتحقيقه، لكن السؤال هو: كم من الكنائس التي تقوم بعمل مائدة الرحمن يتكلم قسوسها أو قادتها مع المسلمين عن المسيح المصلوب، وعن أن المسيح قتلوه وصلبوه ولم يشبه لهم، وأن الطريق الوحيد للسماء هو من خلال المسيح يسوع تبارك اسمه وفقًا لما علَّمه هو بنفسه في أثناء حياته على الأرض عندما قال: “أنا هو الطريق والحق والحياة، مَنْ آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل مَنْ كان حيًا فلن يرى الموت إلى الأبد.” وهل يستطيع أحد القسوس أو القادة أو رؤساء الطوائف الفاعلين والمقيمين لمائدة الرحمن أن يشارك معنا اسم شخص واحد قَبِلَ المسيح كمخلص شخصي لحياته نتيجة لحضوره مائدة من موائد الرحمن التي تقام بواسطتهم للمسلمين في كنائسهم واجتماعاتهم؟

أما السؤال الذي وجهته أنا لنفسي قبل أن يوجهه لي القسوس والقادة وأتباعهم عن عمل موائد الرحمن فهو: وماذا يضيرك أنت يا ناجي في أن نعمل نحن موائد الرحمن أو لا؟ لماذا لا تهتم بنفسك وشئونك الخاصة وتتركنا وكنائسنا وطوائفنا وقادتنا في حالنا؟ وللإجابة على السؤال السابق، أقول:

أولًا: لأنني جزء لا يتجزأ من الكنيسة الإنجيلية في مصر، فما يضيرها يضيرني وما يسعدها وينميها يسعدني وينميني.
ثانيًا: لأنني أسمع وأشاهد مدى الخراب الروحي الذي تنزلق نحوه الكنيسة في هذه الأيام وأعمل مع الله ومع الأمناء في الكنيسة لوقف نزيفها وانجرافها نحو كل ما هو غير جليل وغير طاهر وما صيته ليس بحسن.

ثالثًا: لأنني بنعمة الله التي لا أستحقها في ذاتي أمتلك وسيلة للتعبير والإرشاد والتحذير كما هي أيضًا للبركة والتثقيف والنمو لإخوتي وأخواتي المسيحيين الحقيقيين، ومَنْ له أذن للسمع وعيون للنظر ممن يقرأ من المسلمين والمسيحيين الاسميين وبقية أتباع الديانات الأخرى وغيرهم. وهذه الوسيلة هي جريدة “الطريق والحق” وبرامج الإذاعة والتليفزيون المسيحي التي يستخدمني القدير بها، فلربما لوقت مثل هذا منحني الله كل هذه الإمكانيات.

رابعًا: لأبرئ نفسي من المسئولية تجاه الكنيسة أمام سيدي المسيح عندما أقف أمام كرسيه العظيم لأعطي حسابًا عما فعلتُ بالجسد خيرًا كان أم شرًا.

خامسًا: لأسمع الكنيسة ورجالها والمسئولين عنها وقسوسها صوت القدير فلا يستطيع أي منهم في اليوم الأخير أمام كرسي المسيح أن يقول له: لم أسمع تحذير منك ولا من أحد خدامك ومرسليك إلينا.

سادسًا: حتى أرسم الطريق الصحيح الوحيد وفقًا لما جاء بكتاب الله الوحيد التوراة والإنجيل أمام المخلصين أو الغافلين أو المغيبين أو المجرمين الذين قال عنهم الوحي المقدس: “الذين إذ عرفوا حكم الله أن الذين يعملون مثل هذه يستوجبون الموت، لا يفعلونها فقط، بل أيضًا يسرون بالذين يعملون.” ليتم القول المكتوب أنت بلا عذر أيها الإنسان”.

سابعًا: حتى يستيقظ الشعب المسيحي المغيب الذي يملأ الكنائس والذي استطاع قادته وقسوسه ورياساته خداعه وتكميمه لكي لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم إلا ما يقولون هم له من تبريرات وتفسيرات لما يخفيه هؤلاء القادة عنهم من عمل روح الغي والضلال والخوف في حياتهم وشخصياتهم، سواء أكانوا يدركون ويعرفون ذلك ويفهمونه أم لا.

وفي نهاية مقالي هذا، دعني أعيد نشر القصة التالية التي كتبتها في شهر رمضان منذ عشر سنين مضت وقد تم نشرها يومئذِ في مقالي المعنون “تشويش”، والتي سأعيد نشرها كلما أتى رمضان جديد وقامت الكنيسة بعمل موائد الرحمن أو السهرات الرمضانية أو الإفطارات والسحورات. أما القصة فهي كما يلي: لا أدري لماذا تركتُ لنفسي العنان في التفكير والتخيل، وتخيلتُ المسيح تبارك اسمه قرر أن يزور ميدان التحرير في رمضان متخفيًا حتى لا تزحمه الجموع. كانت زيارته في ليلة الخميس، وقبل أن يحين وقت الإفطار بساعة كاملة، نزل تبارك اسمه للميدان المكتظ بالناس، الكل مشغول بإعداد المكان للإفطار، الكل يسرع الخطى ويتعجل الترتيبات، دقائق وينطلق مدفع الإفطار، الناس بدأت تتوافد من كل صوب وفج، الأعصاب مشدودة، والبطون خاوية. اقترب السيد من جماعة يجلسون على طاولة يتطلعون للطعام المعد أمامهم، قال لهم: “سلام لكم.” لم ينتبه أحد لكلمات السلام، فعند الجوع وانتظار الأكل من الطعام بعد يوم حار من الصيام، الناس لا تدقق فيما تقول أو تسمع، أجاب الحضور: “سلام ورحمة الله وبركاته، اتفضل يا أخي المسلم. نحن جميعًا في ضيافة الرحمن. صوم مقبول بإذن الله.” الميكرفونات المعلقة في الميدان بدأت في إذاعة القرآن، كما هي العادة قبل انطلاق المدفع والإذن بالإفطار. لفيف من المسيحيين الحقيقيين المحبين جاءوا بالطعام لإخوانهم المسلمين، التقت عيون اثنين منهما بعيني السيد، فالتهب قلباهما داخلهما، نظرا إليه وكأنهما يعرفانه من عشرات السنين. قال أحدهما للآخر: “هل تعرف هذا الشخص؟ يبدو أنه مختلف. أنا متأكد أنني قابلته قبل اليوم.” نظر إليهما المسيح وقال لهما: “من أين أنتما؟ ولماذا جئتما إلى هنا؟” نظر أحدهما للآخر وأكدا بعضهما لبعض بنظراتهما أن كل منهما قابل هذا الشخص قبل اليوم، فحتى صوته ليس غريبًا عليهما. أجاب أحدهما: “نحن شابان مسيحيان قررنا أن نأتي ونخدم إخواننا المسلمين، ونُظهِر لهم محبة المسيح ونطعمهم بعد يوم من الحر والجفاف والصوم.” علا صوت مكبر الصوت: “قد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، هذا عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون.” بكى يسوع، اقترب منه الشابان يواسيانه. “لماذا تبكي؟ إحنا في أيام مفترجة، كل سنة وأنت طيب، صوم مقبول وربنا يعود عليك الأيام بخير.” سألهما يسوع: “ما رأيكما فيما تسمعان؟” أجاب أحدهما: “هذا ما يؤمن به أحباؤنا المسلمين.” قال يسوع: “وأنتما ماذا تقولان عن المسيح؟” نظر الشابان بعضهما لبعض وقال أحدهما: “هذا ليس وقته ولا مكانه. نحن في مهمة محددة، ولا يصح لنا أن نتحدث في الدين، الوقت غير مناسب.” أجاب يسوع: أليس مكتوبًا في كتابكما: وبخ وانتهر وعظ، أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب؟” أجابه أحدهما: “مَنْ أنت؟ هل أنت مسلم أم متنصر أم مسيحي؟” أجاب يسوع: “مكتوب عني: رئيس هذا العالم قد جاء وليس له في شيء. تأتي ساعة وهي الآن حين يسمع الأموات صوت ابن الله والسامعون يحيون.” كان الشابان يسمعانه بقلبيهما، وأنظارهما تتعلق به، يضرب المدفع، يسارع الجميع لإلقاء الطعام في أفواههم، والمسيح ما زال يبكي. تسمر الشابان في مكانهما، سألاه: “لماذا لا تأكل؟” أجاب: “إن لي طعامًا آخر ليس من هذا العالم، يا قاهرة يا قاهرة، كم مرة أردت أن أجمع أولادك أنت أيضًا، كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولكنك لم تريدي.” ثم التفت إلى الشابين وقال لهما: “أما أنتما فاعملا للطعام الباقي لا للطعام البائد للحياة الأبدية. اذهبا للعالم أجمع واكرزا بالإنجيل للخليقة كلها. مَنْ آمن واعتمد خلص، ومَنْ لم يؤمن يدن. اذهبا وقولا لكنيستي: أنا آت سريعًا وأجرتي معي، وسأجازي كل واحد حسب عمله، فهوذا الفأس قد وضعت على أصل الشجر، كل شجرة تصنع ثمرًا أنقيها لتأتي بثمر أكثر، وكل شجرة لا تصنع ثمرًا تقطع وتلقى في النار.” انفتحت أعين الشابين وعرفاه، فلم يدعهما يسوع يلمساه واختفى. نسى الشابان عملهما على موائد الرحمن، ورجعا إلى كنيستهما وقالا لقادتهما: “لا يصح لنا أن نخدم موائد، فقد قال لنا: اذهبا واكرزا بالإنجيل، ولم يقل لنا ساهما في تغييبهم وإبقائهم على صلاتهم وصيامهم وطقوسهم، لا هم ولا غيرهم من أمثالهم حتى من المسيحيين أنفسهم.”

أفقتُ من تخيلاتي وقررتُ أن أضاعف صرخاتي لهذا العالم المسيحي الأصم والمشوش، محذرًا المسيحيين من أعمالهم وقناعاتهم التي تقلدوها من أرواح الغي والخوف والضلال والتدين. اللهم إني قد أبلغتُ الكنيسة، اللهم فاشهد.

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا