22.4 C
Cairo
السبت, مايو 23, 2026
الرئيسيةفكر مسيحيحياة بطرس قبل وبعد القيامة..!!

حياة بطرس قبل وبعد القيامة..!!

بقلم الدكتور القس ﭽورﭺ شاكر
نائب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر

يصف البعض قيامة الرب يسوع من الموت بأنها معجزة المعجزات… بالطبع الحقيقة التي لا يشوبها أدنى شك هي أن تجسد وحياة وتعاليم ومعجزات وموت وقيامة المسيح بالفعل آية الآيات عبر كل الأزمان والعصور… معجزة تفوق حد التصور… معجزة أكثر من الخيال.

إلا أنه ونحن بصدد الحديث عن القيامة في ضوء كلمة الله المقدسة يمكننا القول بملء الفم بأن “قيامة المسيح ليست معجزة مبهرة… وقد يسأل البعض متعجبًا قائلًا: كيف؟! وللإجابة على هذا التساؤل أقول:

القيامة بالنسبة للمسيح أمر طبيعي وبديهي ومنطقي للغاية، فقيامته لا تجعلنا نفتح أفواهنا في دهشة وذهول، ولا ترسم أمامنا علامة استفهام واحدة… إذ هي ضرورة ترتبط به.

   فهل معجزة أن يقوم رب الحياة؟ … ذاك الذي في مجد لاهوته دُعي الله الذي ظهر في الجسد، وأنه رب الكل، وهو رب الأرباب، وهو الذي له وحده عدم الموت … وهو الحي إلى الأبد … وهو والآب واحد.

هل معجزة أن يقوم ذاك الذي قيل عنه: “كُلُّ شَيءٍ بهِ كانَ، وبغَيرِهِ لم يَكُنْ شَيءٌ مِمّا كانَ” (يو 1: 3)،  والذي قال: “أتيتُ لتكونَ لهُمْ حياةٌ وليكونَ لهُمْ أفضَلُ” (يو10: 10)؟.

هل معجزة أن يقوم رب الحياة الذي قال: “أنا هو خُبزُ الحياةِ… أنا هو القيامة والحياة” (يو6: 35)؟

أيكون القبر نهاية مثل هذه الحياة الفياضة بالخير الدافقة بالعطاء؟

لا وألف لا، إنما سيدي دخل القبر ليحارب الموت في عرينه فيصرعه، ويبطل قوته، وينزع شوكته.

وهل معجزة أن يقوم مَنْ أقام الموتى؟ … مَنْ أقام ابنة يايرس من الموت بعد أن أعلنوا خبر وفاتها، وبعد أن تهالك وانهار الأب على الأرض عند سماعه الخبر المحطِم، لأن ابنته كانت بالنسبة له حب قلبه، وأمل حياته، ونور عينيه، وحلم عمره، لكن رب الحياة قال لأبيها يايرس كلمته الحاسمة الفاصلة: “لا تخَفْ! آمِنْ فقط”  (مر5: 36)، وبالفعل أقامها.

   وهل معجزة أن يقوم مَنْ أقام في يوم من الأيام شابًا وحيدًا لأمه ابن أرملة نايين، كان قلبها النابض، وعكازها الوحيد، ونافذة الرجاء التي تطل منها على الدنيا… وأشفق الناس على قلبها المكسور، ولكنهم أحنوا هاماتهم أمام سلطان الموت، أما الرب يسوع فأبى إلا أن ينتزع الفريسة من فم الجبار، وصاح بصوت آمر مقتدر: “أيها الشاب، لك أقول: قم!” (لو7: 14).

وعاد ملك الأهوال ليجرب حظه من جديد، وكان في هذه المرة قد أطبق على الفريسة بقبضة من حديد، فالميت كان قد أنتن، وتمت مراسيم العزاء، ولكن ها هو رب الحياة يأتي ويعلن بكل قوة وسلطان قائلًا: “أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يو11).

وبكل سلطان قال: “لعازر، هلم خارجًا!… فقام لعازر” (يو11).

على أن أعظم تلك المعارك جميعًا كانت معركة الصليب، فيومها بدا الموت وكأنه انتصر على الحياة، وبدا الظلام وكأنه أدرك النور، وبدا الوجود وكأنه قبر كبير.

ولكن كيف يمكن أن يكون الصليب والقبر نهايته، ذاك الذي قال: “لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضًا” (يو10). كيف يمكن أن يبقى تحت الثرى مقبورًا؟!

حقًا! إن سحابة الجور قد تغطي إلى حين شمس العدالة، وقد يلون الشيطان الظلم بصفة الشرعية، ولكن صبرًا فهذا الحجر الذي أراده سدًا منيعًا جعله الفادي المقتدر برجًا عاليًا شامخًا في البناء المسيحي… أراده حجر عثرة في طريق الحق، فإذ برب الحق يجعله حجر زاوية في الإيمان المسيحي.

   ما أعجب تفكيرك أيها الإنسان، فهل من المنطق أن يقف الحجر حائلًا أمام صخر الدهور؟! وهل يُعقل أن يمنع الحراس الشمس من الشروق؟… بكل تأكيد لا وألف لا… لقد عاد جيش الموت مدحورًا، وأقبل رب الحياة رافعًا لواء النصرة ظافرًا منصورًا… لتغني الكنيسة على مر الأجيال والعصور المسيح قام… بالحقيقة قام… لقد قام… وأقامنا معه.

نعم! لم تكن قيامة المسيح معجزة… لكن المعجزة هي أن القيامة كان لها التأثير والثمر الكثير في حياة التلاميذ، وفي حياة الملايين من المؤمنين عبر السنين… فنرى على سبيل المثال لا الحصر… أثرت وغيرت القيامة في الكثير من جوانب حياة بطرس أذكر منها الآتي:

أولًا: من حياة الكبرياء إلى حياة التواضع

   ترسم ريشة الوحي المقدس في متى 26 صورة التلاميذ وهم حول الرب يسوع ساعة العشاء الرباني وهو يقول لهم: “كلكم تشكون فيّ في هذه الليلة، لأنه مكتوب: ‘أني أضرِب الراعي فتتبدد خِراف الرعية’… فأجاب بطرس وقال له: ‘وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشكّ أبدًا'” (مت26: 31، 33).

هنا نجد بطرس يتحدث بنغمة فيها لون من ألوان الكبرياء على التلاميذ، ولا شك أن هذه الكلمات أثارت التلاميذ… لكن بعد القيامة تحول بطرس إلى حياة تنادي بالتواضع فيقول: “وتسربلوا بالتواضع، لأن: ‘الله يقاوِم المستكبِرين، وأما المتواضعون فيعطيهِم نعمة’. فتواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه” (1بط 5: 5، 6).

ويحكي تاريخ الكنيسة أن بطرس ظل يخدم ويخدم الرب يسوع حتى أنه مات مصلوبًا، وساعة صلبه قال لصالبيه: “إنه شرف لا أستحقه أن أموت مصلوبًا مثل سيدي، ولكن أرجو أن أصلب وقدماي إلى أعلى ورأسي إلى أسفل لأني أقل من أن أكون كسيدي”.

ثانيًا: من حياة الإنكار إلى حياة الشهادة

    في (مت26: 69-75) يسجل الوحي: “أما بطرس فكان جالسًا خارجًا في الدار، فجاءت إليه جارية قائلة: وأنت كنت مع يسوع الجليلي! فأنكر قدام الجميع قائلًا لست أدري ما تقولين! ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى، فقالت للذين هناك: وهذا كان مع يسوع الناصري! ‘فنكر أيضًا بقسم: إني لست أعرف الرجل! وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس: حقًا أنت أيضًا منهم، فإن لغتك تظهرك! فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف: إني لا أعرف الرجل! وللوقت صاح الديك. فتذكر بطرس كلام يسوع الذي قال له: أنك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات. فخرج إلى خارج وبكى بكاءً مرًا”.

    لكن بعد القيامة في يوم الخمسين نجد بطرس وقد تغير تمامًا، ونراه يقف ويعظ في الجماهير الغفيرة. وراح يتحدث بكل شجاعة وبسالة وجسارة قائلًا: “أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم، كما أنتم أيضًا تعلمون. هذا اخذتموه مسلمًا بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه. الذي أقامه الله ناقضًا أوجاع الموت، إذ لم يكن ممكنًا أن يمسك منه” (أع2: 22-24).

وانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس (أع2: 41)، فمكتوب: “فقبلوا كلامه بفرحًا، واعتمدوا، وأنضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس”. هنا نجد تأثير القيامة المعجزي، عندما نرى أن بطرس يتحول من ناكر للسيد وهارب من دائرة الخدمة والشهادة إلى كارز من طراز فريد بدرجة امتياز.

ثالثًا: من حياة العنف إلى حياة اللطف

  في ساعة القبض على الرب يسوع يبدو أن عبد رئيس الكهنة “ملخس” كان يتعامل مع الرب يسوع بشراسة ووحشية وعنف فمكتوب:  وإذا واحد من الذين مع يسوع مد يده واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه. فقال له يسوع: رد سيفك إلى مكانه. لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون!” (مت26: 51، 52).

نعم! لقد كان رد بطرس على عبد رئيس الكهنة بالعنف لكن الرب يسوع عالج الموقف ولمس أذنه وشفاه.

ولكن بعد القيامة في أعمال ص3 ترصد لنا عدسة الوحي المقدس صورة بطرس وهو يمسك بيد الرجل الأعرج من بطن أمه الذي كان يستعطي على باب الهيكل ويقول: “ليس لي فضة ولا ذهب، ولكن الذي لي فإياه أعطيك: باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش!”. وأمسكه بيده اليمنى وأقامه، ففي الحال تشددت رجلاه وكعباه، فوثب ووقف وصار يمشي، ودخل معهما إلى الهيكل وهو يمشي ويطفر ويسبح الله” (أع 3: 6-8). شتان الفرق بين الصورتين قبل وبعد القيامة وهذه هي معجزة من معجزات القيامة.

فهل نتعلم أن نقابل العنف باللطف؟… فإن كنا قد قمنا مع المسيح فلا بد أن نعيش كما سلك المسيح.

عبرة في عبارة

+ المسيح قام… هذه حقيقة لا تحتاج إلى برهان

+ حقًا قام… فكيف لا يقوم مَنْ أمر الموتى بالقيام؟!

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا