19.4 C
Cairo
السبت, أبريل 4, 2026
الرئيسيةتحقيقاتتقارير مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» لعام 2025: أكثر من نصف سكان العالم...

تقارير مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» لعام 2025: أكثر من نصف سكان العالم يتعرّضون لانتهاكات الحرية الدينية

تقارير مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» لعام 2025: أكثر من نصف سكان العالم يتعرّضون لانتهاكات الحرية الدينية

413 مليون مسيحي يعيشون في دول تُنتهك فيها الحرية الدينية بشدّة.. أكثر من نصف سكان العالم تحت قيود دينية

تحقيق: إيهاب أدونيا

أصدرت مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» البابوية نسخة عام 2025 من تقريرها حول الحرية الدينية في العالم، والذي يغطي أوضاع 196 دولة، ويقيّم البيئة القانونية والاجتماعية لممارسة الشعائر الدينية، استنادًا إلى بحوث ميدانية وشهادات شركاء محليين ووثائق عامة.

ويغطي التقرير الفترة الممتدة من يناير 2023 حتى ديسمبر 2024، مقدّمًا صورة شاملة عن كيفية تأثير الحكومات والجهات غير الحكومية على الحياة الدينية، مع تصنيف الدول بحسب مستوى القيود المفروضة على المجتمعات الدينية، سواء المعترف بها رسميًا أو غير المعترف بها.

ويؤكّد التقرير على طابعه غير الحكومي والمستقل، موضحًا أن هدفه يتمثّل في تقديم قراءة موضوعية للتطوّرات العالمية المتعلّقة بحرية الفكر والضمير والدين، بعيدًا عن الاصطفافات السياسية أو الإيديولوجية.

يشير التقرير إلى أن أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في بلدان تشهد انتهاكات خطيرة للحقوق الأساسية، وفي مقدّمها حرية التفكير والاعتقاد والدين، ما يعكس اتساع نطاق القيود المفروضة على الممارسة الدينية في مختلف القارات.

وبحسب أحدث البيانات الواردة في التقرير، يعيش 413 مليون مسيحي في دول تُنتهك فيها الحريات الدينية بشكل شديد، من بينهم نحو 220 مليونًا يتعرّضون لاضطهاد مباشر.

ولا يقتصر هذا الاضطهاد على أعمال العنف الجسدي والاعتقالات التعسفية، بل يشمل أيضًا أشكالًا أخرى من القمع، مثل التضييق القانوني، ومنع ممارسة الشعائر، والاستيلاء على الممتلكات الدينية، فضلًا عن التهجير القسري الذي طال مسيحيين في 33 دولة حول العالم.

يلفت التقرير إلى أن الاضطهاد الذي يواجهه المسيحيون يتخذ أشكالًا متباينة بحسب السياق السياسي والاجتماعي لكل دولة، إذ يتراوح بين العنف الدموي المباشر الذي يصل إلى القتل والخطف، وبين سياسات تمييزية «ناعمة» تُفرغ الحرية الدينية من مضمونها، عبر القوانين والإجراءات الإدارية والضغوط المجتمعية.

ويحذّر التقرير من أن استمرار هذه الأنماط، سواء العنيفة أو غير المباشرة، يهدّد الوجود التاريخي للمجتمعات المسيحية في عدد من المناطق، ويقوّض أسس التعدّدية الدينية وحقوق الإنسان.

العراق: حرية دينية هشة وسط نزاعات قانونية وضغوط طائفية وتهديدات داعش

يرسم تقرير مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» صورة قاتمة لواقع الحرية الدينية في العراق، حيث تبدو الحماية القانونية للأقليات الدينية قائمة نظريًا، لكنها تبقى هشّة على أرض الواقع، في ظل المناورات السياسية، والضغوط الطائفية، واستمرار التهديدات الأمنية، ولا سيّما من تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش).

ويشير التقرير إلى أن هذه العوامل مجتمعة تجعل حرية المعتقد موضع تهديد دائم بالنسبة للمسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم من المكوّنات الدينية في مختلف أنحاء البلاد.

بحسب التقرير، ينصّ دستور العراق لعام 2005 على عدد من الحقوق الخاصة بالجماعات الدينية غير المسلمة، من بينها حماية اللغات الخاصة بها، وحق إدارة الأوقاف الدينية، إضافة إلى تخصيص مقاعد برلمانية للأقليات.

إلا أن التقرير يؤكد أن هذه الضمانات القانونية لم تُترجَم في كثير من الأحيان إلى أمن فعلي أو إدارة عادلة، إذ ما تزال الأقليات الدينية تعاني من التهميش، وضعف الحماية، وتداخل النفوذ السياسي مع الشؤون الدينية.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى إلغاء المرسوم الرئاسي رقم 147 في يوليو 2025، وهو إجراء إداري كان معمولًا به منذ سنوات، ويمنح بطريرك الكنيسة الكلدانية سلطة مدنية على أملاك الكنيسة.

وقد أدّى هذا القرار إلى انتقال بطريرك الكلدان الكاثوليك، مار لويس روفائيل ساكو، من بغداد إلى أربيل، وأشعل معارك قضائية واحتجاجات، وصفها التقرير بأنها «قوّضت الثقة بشكل أعمق» بين الأقليات الدينية ومؤسسات الدولة.

ويلفت التقرير إلى أن هذه الحادثة لم تكن معزولة، بل تحوّلت إلى بؤرة قلق أوسع تتعلّق بمسألة السيطرة على ممتلكات الكنيسة، وبمدى نفوذ الفصائل المسلحة في الشأنين السياسي والديني.

ويرى التقرير أن غياب إطار قانوني واضح ومستقر لإدارة أملاك الكنائس والأوقاف الدينية يترك المجتمعات المسيحية في وضع هشّ، ويجعلها عرضة للصراعات السياسية والتجاذبات الطائفية، ما يهدّد استمراريتها التاريخية في البلاد.

تركيا: سياسات الدولة تقيّد الحرية الدينية للمجتمعات غير المسلمة

يتناول تقرير مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» الوضع المتعلّق بالحرية الدينية في تركيا، مع تضمين تحديثات تمتد إلى مطلع عام 2025، موضحًا كيف أسهمت البنية المؤسسية للدولة وسلسلة من السياسات والإجراءات المحلية في تقييد ممارسة الشعائر الدينية للمجتمعات غير السنية وغير المسلمة.

ويشير التقرير إلى أنه، ورغم أن المادة 24 من الدستور التركي تحظر التمييز على أساس الدين نظريًا، فإن التطبيق العملي يعكس واقعًا مغايرًا، حيث تمارس مؤسسات الدولة، ولا سيّما رئاسة الشؤون الدينية (ديانت)، سيطرة واسعة على الحياة الدينية.

بحسب التقرير، تحظى رئاسة الشؤون الدينية بتمويل ضخم ودور محوري في إدارة الشأن الديني، إذ طُلب لها في موازنة عام 2025 مبلغ 130.1 مليار ليرة تركية، وهو رقم يفوق ميزانيات عدد من الوزارات، ويعكس حجم تدخل الدولة في توجيه الممارسة الدينية.

ويرى التقرير أن هذا التمويل الكبير يُستخدم أساسًا لدعم الإسلام السني، ما يخلق اختلالًا بنيويًا في التعامل مع المجتمعات الدينية الأخرى، ويقوّض مبدأ الحياد الديني للدولة.

يشكّل نظام التعليم أحد أبرز محاور الخلاف في تركيا، إذ ينصّ دستور عام 1982 على إلزامية مادة التعليم الديني في المدارس الحكومية، وهي مادة مقتصرة على الإسلام السني.

ويشير التقرير إلى أن إجراءات الإعفاء من هذه المادة تبقى محدودة عمليًا، ومتاحة في الغالب للطلاب المسيحيين واليهود، في حين يُترك العلويون ومجموعات دينية أخرى بلا أي خيار فعلي، ما يثير انتقادات واسعة حول انتهاك مبدأ المساواة.

كما يلفت التقرير إلى أن التوسع المستمر في التعليم الديني، إلى جانب إدخال الأئمة و«المستشارين الروحيين» إلى المدارس، يُعدّ مؤشرًا على استمرار ما يصفه النقاد بـ«أسلمة التعليم العام»، الأمر الذي يضعف الضمانات العلمانية المنصوص عليها في الدستور.

يتطرّق التقرير إلى الوضع القانوني وحقوق الملكية للمجتمعات غير المسلمة، مشيرًا إلى أن التفسير التركي الضيّق لمعاهدة لوزان (1923) يتيح الاعتراف بالأقليات فقط للأرمن واليونانيين واليهود.

وبالمقابل، تفتقر مجتمعات أخرى — مثل السريان (الآراميين–الآشوريين–الكلدان)، والكاثوليك، والبروتستانت — إلى الاعتراف القانوني على المستوى الشخصي، وتواجه صعوبات كبيرة في امتلاك الممتلكات أو إدارة المؤسسات الدينية، إلا من خلال الجمعيات أو الكيانات العامة.

ويؤكد التقرير أن التغييرات التنظيمية الأخيرة التي طالت مؤسسات الأقليات، بما في ذلك إعادة تنظيم انتخابات المجالس ووضع معايير أهلية جديدة، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أدوات للرقابة الحكومية بدلًا من أن تكون حلولًا لمشكلات مزمنة.

تزايدت المخاوف الهيكلية نتيجة أعمال العنف والترهيب التي وثّقها التقرير، ومن بينها الهجوم المسلّح على كنيسة سانتا ماريا في إسطنبول في يناير 2024، والذي تبناه متطرّفون إسلاميون.

كما أشار التقرير إلى أعمال عنف وكراهية متكرّرة ضد اليهود عقب حرب غزة في أكتوبر 2023، وتخريب مقبرة سانت إليفثيريوس الأرثوذكسية اليونانية فيى أغسطس 2024، إضافة إلى الإغلاق المؤقت للكنيسة الفرنسية الوحيدة النشطة في بورصة بذريعة مخاطر الزلازل.

وفي عدد من الحالات، أدّت عوائق إدارية وقرارات قضائية إلى تعميق شعور المجتمعات الدينية بعدم الحماية والتهميش.

يركّز التقرير بشكل خاص على الوضع المستمر لـالكلية اللاهوتية في هالكي، المغلقة منذ عام 1971. وفي عام 2024، عبّر البطريرك الأرثوذكسي عن تفاؤل حذر بإمكانية إعادة فتحها، واصفًا ذلك بـ«تطور نادر وإيجابي»، رغم أن سنوات الإغلاق الطويلة حرمت الكنيسة الأرثوذكسية من تدريب رجال الدين داخل البلاد.

كما أشار التقرير إلى إعادة تحويل كنيسة المخلّص المقدس (كنيسة خورا) إلى مسجد في مايو 2024، مع فرض رسوم دخول وتقييد عرض الرموز المسيحية، معتبرًا أن قرارات تتعلّق بالتراث الثقافي يمكن أن يكون لها أثر بالغ على شعور الأقليات بالانتماء والأمان.

إيران: قوانين وممارسات قضائية تقيّد حرية الاعتقاد والتعبّد

يشير تقرير مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» إلى أن الإطار القانوني الناظم للحرية الدينية في إيران ما يزال محكومًا بأحكام الشريعة الإسلامية وبنصوص جنائية واسعة الصياغة، تمنح القضاة هامشًا كبيرًا من السلطة التقديرية عند التعامل مع القضايا المتعلّقة بالمعتقد والنشاط الديني.

ويبرز التقرير وجود نظام مزدوج يعترف دستوريًا ببعض الأقليات الدينية، لكنه في الوقت نفسه يطبّق قوانين وممارسات قضائية صارمة تقيّد ممارسة الدين خارج حدود ضيّقة ومحددة للغاية.

تعترف إيران رسميًا بثلاث مجموعات دينية أقلّية هي المسيحيون واليهود والزرادشتيون، وتخصّص لهم مقاعد في البرلمان. كما يُسمح لأتباع عدد من المذاهب السنية بتطبيق أحكام فقههم في قضايا الأحوال الشخصية.

غير أن التقرير يوضح أن جماعات أخرى – من بينها المتحوّلون إلى المسيحية، والبهائيون، والمجموعات الصوفية، واليارسان، وبعض الجماعات السنية – لا تحظى بالاعتراف نفسه، وغالبًا ما تفتقر إلى الحماية القانونية.

ويؤكد التقرير أن المتحوّلين من الإسلام إلى المسيحية لا يستطيعون تسجيل أنفسهم كمسيحيين رسميًا، ويُعاملون عمليًا كمسلمين أمام القانون، ما يعرّضهم لملاحقات قضائية عند ممارسة شعائرهم أو الانخراط في أنشطة دينية.

يبرز التقرير أن تهمة الردّة تشكّل عائقًا محوريًا أمام حرية الاعتقاد، فرغم عدم تجريمها صراحة في القوانين المكتوبة، يتيح المادة 167 من الدستور الإيراني للقضاة الاستناد إلى الأحكام الدينية في حال غياب نص قانوني واضح.

ويشير التقرير إلى أن ذلك قد يؤدي إلى عقوبات قاسية، تصل في بعض الحالات إلى حكم الإعدام. كما يجري الاستناد بشكل متكرر إلى مواد قانون العقوبات المتعلقة بالتجديف، وإلى تعديلات حديثة تتصل بما تصفه السلطات بـ«الطوائف المنحرفة»، في القضايا المرفوعة ضد المتحوّلين والجماعات غير المعترف بها.

وثّقت المؤسسة سلسلة من الحوادث التي تعرّض لها مسيحيون متحوّلون، خصوصًا خلال عامي 2024 وبداية 2025، حيث صدرت بحق عدد منهم أحكام سجن طويلة بتهم وصفتها السلطات بأنها «تبشير» أو «نشاط ضد الأمن القومي».

وفي فبراير 2024، على سبيل المثال، صدر حكم بالسجن 10 سنوات بحق مسيحي إنجيلي بتهمة «النشاط التبشيري المنحرف»، فيما وُجّهت تهم أخرى لعدد من الأشخاص بسبب مشاركتهم في اجتماعات كنائس منزلية أو بسبب علاقاتهم بمنظمات دينية في الخارج.

بحسب التقرير، بلغ عدد الاعتقالات:

166 حالة في عام 2023

139 حالة في عام 2024

كما تجاوز مجموع الأحكام الصادرة في عام 2024 وحده 250 عامًا من السجن. وأشارت المؤسسة إلى أن المسيحيين كانوا من بين الذين سُجنوا أو فُرضت عليهم غرامات بموجب مواد قانونية متّصلة بالأمن القومي ذات صياغات فضفاضة.

ورغم الإفراج عن بعض المعتقلين لاحقًا في إطار عفو عام، بقي آخرون قيد الاحتجاز حتى عام 2025.

تؤكد مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» أن العقوبات المرتبطة بالتبشير، والتجمّعات الدينية، والأنشطة المصنّفة «مخالفة للأمن القومي» ما تزال شديدة القسوة، في وقت تواصل فيه الجماعات الدينية غير المعترف بها مواجهة أشكال موثّقة من التمييز.

وبناءً على ذلك، صنّف التقرير إيران ضمن الدول التي تُسجَّل فيها انتهاكات «خطيرة جدًا» للحرية الدينية، معتبرًا أن آفاق التحسّن تبقى محدودة في ظل البنية القانونية والمؤسساتية القائمة.

مطالبات ومناشدات: الحرية الدينية مقياس لصحة التعدّدية

يحذّر تقرير مؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» من أن قضية الحرية الدينية لا تقتصر على الدفاع عن جماعات بعينها، بل تمسّ جوهر التعدّدية والدولة المدنية في العالم المعاصر.

ويرى التقرير أن معالجة التراجع في الحرية الدينية تتطلّب إجراءات هيكلية حقيقية، لا الاكتفاء بوعود سياسية عابرة، ومن أبرز هذه الإجراءات:

ضمان حرية بناء الكنائس وأماكن العبادة

تأمين حرية التدريب الديني وتكوين رجال الدين

إصلاح الأطر القانونية الناظمة للمؤسسات الدينية

احترام حقوق الإعفاء في التعليم

الحدّ من الخطاب التحريضي العلني ضد الجماعات الدينية

ويؤكد التقرير أن اعتماد هذه الخطوات يشكّل شرطًا أساسيًا لوقف التدهور الذي وثّقته تقاريره الميدانية في عدد متزايد من الدول.

نيجيريا: واشنطن تلوّح بالتدخّل لحماية المسيحيين

في تطوّر لافت، تدرس الولايات المتحدة اتخاذ إجراءات، من بينها فرض عقوبات ومشاركة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) في جهود مكافحة الإرهاب، ضمن خطة تهدف إلى إجبار الحكومة النيجيرية على تعزيز حماية المجتمعات المسيحية وضمان الحريات الدينية.

ويأتي ذلك في ظل وضع نيجيريا، البالغ عدد سكانها نحو 230 مليون نسمة، حيث تتقارب أعداد المسلمين (غالبيتهم في الشمال) والمسيحيين (غالبيتهم في الجنوب)، وسط تصاعد أعمال العنف ذات الخلفيات الدينية والإثنية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعاد، في أكتوبر الماضي، إدراج نيجيريا على قائمة «الدول المثيرة لقلق خاص» بسبب انتهاكات تتعلّق بالحرية الدينية، وسبق أن لوّح في أوائل نوفمبر باتخاذ إجراءات عسكرية.

وقال جوناثان برات، المسؤول الرفيع الذي يرأس المكتب المعني بالشؤون الأفريقية في وزارة الخارجية الأميركية، أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، إن «إدارة ترامب تعمل على تطوير خطة لتحفيز حكومة نيجيريا وإجبارها على إعطاء أولوية حقيقية لحماية المجتمعات المسيحية».

وأضاف أن الخطة قد تشمل مشاركة وزارتي الخارجية والخزانة في فرض عقوبات، فضلًا عن مشاركة محتملة للبنتاجون في جهود مكافحة الإرهاب.

من جهتها، تؤكد الحكومة النيجيرية أن الحديث عن اضطهاد المسيحيين يمثّل «تفسيرًا مبسّطًا» لوضع أمني معقّد، مشيرة إلى جهود تبذلها لحماية جميع المواطنين بغضّ النظر عن انتمائهم الديني.

 انطلاق «الأسبوع الأحمر».. تضامن عالمي مع المسيحيين المضطهدين

انطلقت الحملة الدولية التي ترعاها المؤسسة البابوية «عون الكنيسة المتألمة» تحت عنوان «الأسبوع الأحمر»، بهدف التوعية بمعاناة المسيحيين المضطهدين والدفاع عن حقّهم في الحرية الدينية.

وخلال الحملة، التي أُقيمت بين 15 و23 نوفمبر، أُضيئت كنائس ومبانٍ ومواقع رمزية حول العالم باللون الأحمر، من روما إلى بوجوتا، ومن سيدني إلى باريس، تذكيرًا بتضحية الذين يشهدون لإيمانهم حتى سفك الدم.

البرلمان الأوروبي يشارك للمرة الأولى

وللمرة الأولى، أذن البرلمان الأوروبي بإضاءة مقره في بروكسل باللون الأحمر، في 19 نوفمبر، وُصفت بأنها بادرة رسمية باسم الدول الأعضاء السبع والعشرين.

وشهدت نسخة هذا العام أكثر من 100 فعالية في دول عدة، من بينها: إيطاليا، وأستراليا، والنمسا، وألمانيا، والبرتغال، وهولندا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وإيرلندا، وسويسرا، والمجر، وكندا، والمكسيك، وكولومبيا.

ووفق معطيات الحملة، شارك أكثر من 10 آلاف شخص في أمسيات صلاة وفعاليات عامة ومسيرات ولقاءات توعوية، فيما تجاوز تأثير الحملة عبر وسائل الإعلام والمنصّات الرقمية 500 ألف شخص.

وبلغ عدد الكنائس والمواقع التي أُضيئت باللون الأحمر حول العالم أكثر من 635 كنيسة، في تعبير رمزي عن التضامن مع المسيحيين الذين يتعرّضون للاضطهاد بسبب إيمانهم.

في النمسا، أكدت أكثر من 100 رعية مشاركتها في المبادرة، وأُضيئت كنائس ومبانٍ عامة، من بينها البرلمان النمساوي، إلى جانب تنظيم عرض جماهيري مفاجئ في ساحة القديس ستيفن بفيينا، ولقاء مع رئيس البرلمان.

وفي سلوفاكيا، أُضيئت قلعتا نيترا وبراتيسلافا، إضافة إلى معالم وكنائس بارزة، مثل كاتدرائية القديسة إليزابيث في كوشيتسه، باللون الأحمر، إلى جانب تنظيم حفل موسيقي خيري لصالح المسيحيين المضطهدين.

وفي ألمانيا، أُضيئت نحو مئة كنيسة، من بينها كاتدرائيات باساو، وريغنسبورغ، وفرايبورغ، ودريسدن، وبادربورن.

في هولندا، واصلت الحملة حصد ترحيب واسع، حيث شاركت نحو 150 رعية كاثوليكية وإنجيلية في المبادرة، ونُظّمت قداسات وصلوات وتجمّعات مسكونية، وفتحت الكنائس أبوابها للمؤمنين لإضاءة الشموع والصلاة من أجل المسيحيين المتألمين.

في فرنسا، أُضيئت كاتدرائيات شارتر، وبايون، وريمس، وأنجيه، وكاين، وبورج، وفرساي باللون الأحمر، فيما شهدت باريس جلسات صلاة وتوعية ووقفات تضامنية في كاتدرائية مونمارتر وكنيسة سانت ترينيتي، خُصّص جزء منها للشباب.

أما في كندا، فقد أُقيمت فعاليات في مواقع عدّة، من بينها كنيسة القديس يوسف في مونتريال، أكبر مزار في العالم مكرّس لهذا القديس. كما أُقيم قداس في بوجوتا.

وشهدت الفعاليات الكندية شهادات مؤثرة، من بينها شهادات المطران أشكاريان من حلب (سوريا)، ورئيس أساقفة لاهور (باكستان)، وهما من بلدين يواجه فيهما المسيحيون صعوبات جدّية بسبب إيمانهم.

ركّزت المملكة المتحدة أنشطتها على «الأربعاء الأحمر» (Red Wednesday)، مع تركيز خاص على معاناة الشعوب في أفريقيا.

وتضمّنت الحملة عنصرين رئيسيين:

تلاوة 100 ألف سرّ من أسرار المسبحة الوردية من أجل أفريقيا

إطلاق تحدّي التبرعات المتطابقة بقيمة 100 ألف جنيه إسترليني، لدعم مشاريع تخصّ ضحايا انعدام الحرية الدينية

كما شهدت الحملة مشاركة شهادة زوجين نيجيريين نجيا من هجوم إرهابي وقع في عيد العنصرة عام 2022 في مدينة أوو، بإيبارشية أوندو، وأسفر عن مقتل 39 شخصًا وإصابة نحو 80 آخرين.

امتدّت فعاليات «الأسبوع الأحمر» إلى عدد من دول أميركا اللاتينية، من بينها المكسيك وكولومبيا، حيث أُضيء مزار لاس لاخاس الشهير باللون الأحمر.

وفي مدينتي كالي وبوغوتا، نُظّمت فعاليات شبابية متعدّدة، من بينها مبادرة «طريق النور»، التي استمع خلالها المشاركون إلى شهادات كاهن من أوغندا ومبشّرة من فنزويلا يعملان في منطقة المحيط الهادئ الكولومبية.

الجذور التاريخية للمبادرة

انطلقت فكرة إضاءة المباني باللون الأحمر في البرازيل عام 2015، عندما نظّم المكتب البرازيلي لمؤسسة «عون الكنيسة المتألمة» إضاءة تمثال المسيح الفادي في ريو دي جانيرو، تضامنًا مع المسيحيين المضطهدين في العراق.

وفي العام التالي، استلهم المكتب الإيطالي الفكرة وأضاء نافورة تريفي في روما باللون الأحمر، قبل أن يوسّع المكتب البريطاني نطاق المبادرة ويطلق «الأربعاء الأحمر» في شهر نوفمبر من كل عام.

ومنذ ذلك الحين، تبنّت دول عديدة هذه المبادرة، وشاركت فيها طوائف مسيحية مختلفة، في تعبير مسكوني واضح عن التضامن.

تُكرّم مبادرة «الأسبوع الأحمر» إيمان ملايين المسيحيين الذين يواجهون الاضطهاد، إذ يتعرّض أكثر من 380 مليون مؤمن للعنف أو التمييز أو النفي القسري بسبب إيمانهم فقط.

ويرمز اللون الأحمر إلى دماء الشهداء، فيما تدعو الحملة المؤمنين في مختلف أنحاء العالم إلى الوقوف معًا بالصلاة، والتضامن، والعمل من أجل الدفاع عن الحرية الدينية وكرامة الإنسان.

تقرير أوروبي: 2211 جريمة كراهية ضد المسيحيين في أوروبا خلال 2024

فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإسبانيا والنمسا في الصدارة

أطلق مرصد التعصّب والتمييز ضدّ المسيحيين في أوروبا (OIDAC Europe) ناقوس الخطر حيال تنامي العنف والكراهية ضد المسيحيين في القارة الأوروبية، محذّرًا من انتقال الظاهرة من مستوى الاعتداء على الكنائس والممتلكات إلى مستوى أخطر يتمثّل في الاعتداءات الجسدية المباشرة، وحالات القتل، والحرق المتعمّد لدور العبادة.

وبحسب التقرير السنوي لعام 2025، الذي عُرض رسميًا في البرلمان الأوروبي في بروكسل في 18 نوفمبر 2025، تم توثيق 2211 جريمة كراهية ضد المسيحيين في أوروبا خلال عام 2024.

ورغم أن العدد الإجمالي أقلّ بقليل من أرقام عام 2023، فإن معدّي التقرير يؤكدون أن طبيعة الجرائم أصبحت أكثر عنفًا وخطورة، ولم تعد تقتصر على تخريب الصلبان أو الكتابات المسيئة، بل باتت تشمل هجمات منظمة واعتداءات مباشرة على المؤمنين.

تصاعد الاعتداءات الجسدية والحرق المتعمّد

يسجّل التقرير ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الاعتداءات الجسدية على المسيحيين، حيث تم توثيق 274 حالة اعتداء شخصي في عام 2024، مقارنة بـ232 حالة في العام السابق.

كما يشير التقرير إلى زيادة حادة في حوادث الحرق المتعمّد التي استهدفت الكنائس والمواقع المسيحية، إذ تم توثيق 94 هجوم حرق خلال عام واحد، أي ما يقارب ضعف عدد الحوادث المسجّلة في 2023.

ويلفت التقرير إلى أن نحو ثلث هذه الحرائق وقع في ألمانيا وحدها، ما دفع مسؤولين كنسيين هناك إلى التحذير من أن «كل المحرّمات قد تمّ تجاوزها» في التعامل مع قدسية الكنائس وأماكن العبادة.

يشير التقرير إلى أن فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإسبانيا والنمسا تتصدّر قائمة الدول الأكثر تسجيلًا لجرائم الكراهية ضد المسيحيين.

ويؤكد معدّو التقرير أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى من الموثّق، نظرًا إلى إحجام بعض الضحايا عن الإبلاغ، أو إلى تصنيف بعض الحوادث تحت عناوين عامة، مثل «تخريب ممتلكات عامة»، دون الإشارة إلى الدافع الديني.

وفي فرنسا، يربط التقرير عددًا من الاعتداءات بخلفيات متطرّفة، من بينها حوادث استلهمت خطاب تنظيم «داعش»، وأعمال تدنيس للكنائس والمقابر رافقتها شعارات معادية للمسيحية.

أما في ألمانيا، فيشير التقرير إلى تزايد مستمر في جرائم الكراهية ضد المسيحيين، وهو ما تؤكده الإحصاءات الرسمية الصادرة عن السلطات الألمانية نفسها.

حوادث صادمة هزّت الرأي العام

لا يكتفي التقرير بعرض الأرقام، بل يستعرض حوادث بعينها هزّت الرأي العام الأوروبي، من بينها:

مقتل راهب كاثوليكي مسنّ في دير بإسبانيا خلال هجوم عنيف أُصيب فيه عدد من الرهبان

هجوم مسلّح على كنيسة في إسطنبول أثناء القداس، بحضور مؤمنين محليين وأجانب

حرائق مدمّرة طالت كنائس تاريخية في فرنسا ودول أوروبية أخرى، وأدّت إلى خسائر روحية وتراثية جسيمة

قيود قانونية واجتماعية على التعبير عن الإيمان

إلى جانب العنف الجسدي والمادي، يركّز التقرير على ما يسمّيه «القيود القانونية والاجتماعية» المتزايدة على حرية التعبير عن الإيمان المسيحي في الفضاء العام.

ويعرض التقرير حالات لأشخاص خضعوا للتحقيق أو الملاحقة القضائية بسبب:

صلوات صامتة قرب عيادات الإجهاض

نشر آيات كتابية أو مواقف مستمدّة من التعليم المسيحي

التعبير عن مواقف أخلاقية تتعلّق بالأسرة والجنس والزواج

ويتوقّف التقرير عند قضايا بارزة، من بينها محاكمة نائبة في البرلمان الفنلندي بتهمة «خطاب الكراهية» بسبب نشرها نصًا كتابيًا وانتقادها مشاركة الكنيسة الرسمية في فعالية لمثليي الجنس، رغم أن القضية، بحسب التقرير، تدور في إطار نقاش لاهوتي وأخلاقي داخلي.

ضغوط على المؤسسات المسيحية

يسلّط التقرير الضوء أيضًا على قرارات وأحكام قضائية في عدد من الدول الأوروبية تمسّ مباشرة حرية المؤسسات المسيحية في إدارة شؤونها الداخلية، مثل:

سحب التمويل من مدارس كاثوليكية بحجّة «التمييز»

التدخّل في قواعد العضوية داخل أخويات دينية

تقييد حقّ الأهل في تربية أبنائهم تربية مسيحية بسبب نزاعات عائلية

ويرى المرصد أن هذه الإجراءات تُتّخذ أحيانًا باسم «الحياد» أو «مكافحة التمييز»، لكنها عمليًا تفرض أعباء إضافية على حرية الكنيسة والمؤمنين.

اضطهاد أوروبا أقل دموية… لكنه مقلق

من زاوية مسيحية مشرقيّة، قد يبدو الحديث عن «اضطهاد» في أوروبا أقلّ مأساوية مقارنة بالمشهد الدموي الذي اختبرته الكنائس في العراق وسوريا ومصر ونيجيريا وغيرها، حيث تعرّض المؤمنون للقتل والتهجير وتدمير القرى والكنائس.

غير أن التقرير يلفت إلى أن الاضطهاد يتخذ أشكالًا مختلفة بحسب السياق:

ففي الشرق الأوسط وأفريقيا، غالبًا ما يكون تهديدًا وجوديًا مباشرًا

أما في أوروبا، فيتجلّى في اعتداءات على الكنائس، وهجمات فردية، وضغوط ثقافية وتشريعات تضيق مساحة الإيمان في المجال العام

ويرى التقرير أن الخطر يكمن في المسار التراكمي لهذه الضغوط، التي قد تؤدي تدريجيًا إلى تهميش الحضور المسيحي وإقصائه من الفضاء العام.

البابا لاون الرابع عشر: المسيحيون ما زالوا يعانون

في ختام المشهد، أعرب البابا لاون الرابع عشر عن قلقه إزاء الأوضاع الصعبة التي يعيشها المسيحيون في عدد من البلدان، مشيرًا إلى استمرار التمييز والاضطهاد الذي يتعرّضون له.

وقال البابا: «المسيحيون يعانون، حتى اليوم، في أجزاء مختلفة من العالم من التمييز والاضطهاد. أفكّر بشكل خاص في بنغلادش، ونيجيريا، وموزمبيق، والسودان، وبلدان أخرى ترد منها مرارًا أخبار عن هجمات على جماعات المؤمنين وأماكن العبادة».

وأضاف مؤكدًا أن: «الله أبٌ رحيم، ويريد السلام بين جميع أبنائه»، رافعًا الصلاة «حتى يتوقّف كلّ شكل من أشكال العنف، ويتعاون المؤمنون من أجل الخير العام».

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا