تصريحات هند الضاوي تفجر التساؤل حول دور الإعلام المصري من حيث الحيادية والشفافية والموضوعية
تصريحات هند الصاوي وباسم يوسف تؤجج الفتنة وتعزز خطاب الكراهية وازدراء للدين المسيحي
تحقيق: إيهاب أدونيا
الإعلام مسئولية كبرى، وأي تصريحات تطلق دون فهم أو وعي بالسياق الديني والسياسي قد تُسهم في إثارة التيارات المتطرفة، بما يضر بقيم السلام والتعايش ويغذي خطاب الكراهية. فالتناول غير الدقيق للقضايا الحساسة لا يخدم الحقيقة، بل يفتح المجال أمام التأويل والتحريض.
وهناك فارق جوهري بين ما يُطرح في بعض الإعلانات أو الخطابات داخل الولايات المتحدة، وبين المواقف الحقيقية للمسيحيين الإنجيليين، لا سيما في السياق المصري، حيث يتمتع الإنجيليون بدور وطني واضح وتاريخي في دعم الدولة والمجتمع والمشاركة في بناء النسيج الوطني.
إن الزج باسم الطوائف الدينية في صراعات أو اتهامات عامة يمثل خلطًا مرفوضًا، واستخدام خطاب الكراهية يمنح مبررًا للنيل من القيم الإنسانية، ويقوض أسس المواطنة، ويضر بالسلم المجتمعي الذي يتطلب إعلامًا واعيًا ومسئولًا.
حكاية التصريحات وما وراءها
على منصات التواصل الاجتماعي، جرى تقديم سردية مختزلة ومضللة مفادها أن الإعلامي باسم يوسف، وبرنامج «الدحيح» الذي يقدمه أحمد الغندور، والإعلامية هند الضاوي، يشكّلون – عن قصد أو عن غير قصد – أدوات لتحريض الرأي العام ضد الأقباط، وذلك من خلال الحديث عن «الصهيونية المسيحية».
قيل إن باسم يوسف، بتناوله تاريخ الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة، فتح الباب لربط المسيحية كدين بهذا التيار السياسي. وقيل إن «الدحيح» حين تناول الجذور اللاهوتية للصهيونية المسيحية، أسهم في تثبيت هذا الربط في وعي الجمهور. أما هند الضاوي، فاعتُبر عنوان حلقتها حول «تدريب مسيحيين ليكونوا سفراء لإسرائيل» دليلًا على تعميم خطير، تجاوز الإنجيليين الأمريكيين إلى المسيحيين عمومًا، ومنهم أقباط مصر.
بهذه الطريقة، تحوَّل النقاش من تحليل ظاهرة أمريكية محددة إلى اتهام اجتماعي واسع، لم يعد يسأل: مَنْ قال ماذا؟ وفي أي سياق؟ بل قفز مباشرةً إلى نتيجة جاهزة: هناك «صهينة» للمسيحيين، وهناك تواطؤ، وهناك خطر داخلي.
هند الضاوي تقدم اعتذارًا إلى جموع المسيحيين في مصر
الإعلامية هند الضاوي صرَّحت بأنها عرضت خبرًا عن استقطاب إسرائيل لألف قس إنجيلي أمريكي ومؤثّر للعمل كسفراء لدولة الاحتلال بهدف استعادة شعبيتها بين الشباب في المجتمع الأمريكي، خاصةً بعدما لوحظ ارتفاع مستوى التعاطف مع القضية الفلسطينية.
وفي سياق تصريحاتها، أوضحت هند أن الحلقة التي تم بثها بتاريخ 17 ديسمبر 2025 لم تكن تهدف بأي شكل من الأشكال للإساءة إلى المسيحيين المصريين أو المساس بهم، مؤكدة على كامل احترامها وتقديرها لهم. ووجهت اعتذارها لكل مَنْ شعر بالاستياء أو الغضب من مضمون الحلقة، موضحة أن الهدف كان نقل الخبر بحسن نية دون أن يكون هناك أي قصد لتوجيه إساءة أو إثارة أي نوع من الفتن الطائفية.
وأضافت الإعلامية هند الضاوي عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك أن البعض قد استغل هذا الخبر لمحاولة إثارة الفتن الطائفية، لكنها تؤكد موقفها الثابت في احترام وتقدير الكنيسة المصرية ودورها الوطني المشرف الذي يشهد به الجميع عبر العصور.
ودعت مَنْ يرغب في الاطلاع على تفاصيل الموضوع إلى مشاهدة الحلقة للتأكد مما ورد فيها، مشيرة إلى أن أي سوء فهم قد يكون ناتجًا عن بعض التعليقات وليس عن مضمون الحلقة نفسها.
الطائفة الإنجيلية في مصر: نرفض رفضًا قاطعًا أيِّ ربط بيننا وبينَ ما يُسمَّى بالمسيحية الصهيونية
أصدرت الطائفةُ الإنجيليةُ بمصر، بجميعِ مذاهبِها، بيانًا برئاسة الدكتورِ القسِّ أندريه زكي، وقالت في بيان، إن خدمتها في مصر هي خدمة وطنية خالصة، ممتدة لما يقرب من قرنين من الزمان، عبر كنائسها ومؤسساتها الوطنية، وموجهة في الأساس لخدمة الإنسان والمجتمع دون تمييز.
وأضافت في بيانها أنها بجميع مذاهبها تمارس دورًا وطنيًا أصيلًا داخل المجتمع المصري، من خلال العمل الكنسي والخدمي والتنموي، بما يعكس التزامها التاريخي تجاه الوطن والمواطن، ومشاركتها الفاعلة في بناء المجتمع ودعم الاستقرار.
وشددت في بيانها على رفضها القاطع لأي محاولات للربط بينها وبين ما يُسمى بـ(المسيحية الصهيونية)»، مؤكدة أن «هذا الربط مرفوض جملةً وتفصيلًا، ولا يمت بصلة إلى عقيدة الطائفة أو مواقفها اللاهوتية والإنسانية والوطنية».
كما جددت التزامها الثابت بالدفاع عن الحقوق المشروعة لجميع الشعوب، والدعوة إلى سلام عادل ودائم، يقوم على أسس العدل وصون كرامة الإنسان. وأن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا بإقرار الحقوق، واحترام القيم الإنسانية المشتركة» .
واختتم البيان بالدعوة إلى الصلاة من أجل أن يعم السلام في فلسطين والمنطقة والعالم أجمع، في ظل التحديات الإنسانية والسياسية الراهنة، بما يعكس البعد الروحي والإنساني لمواقف الطائفة الإنجيلية.
البياضي: طرح يفتقر إلى الدقة ويتجاهل واقع التنوع الواسع داخل الطيف الإنجيلي على مستوى العالم
قال النائب وعضو المجلس الإنجيلي العام، فريدي البياضي، إن الطرح الذي قُدم أوحى بأن ما جرى يعكس موقف الإنجيليين عالميًا تجاه إسرائيل والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، مؤكدًا أن هذا التصوير يفتقر إلى الدقة ويتجاهل واقع التنوع الواسع داخل الطيف الإنجيلي على مستوى العالم.
وشدد على أن ربط مؤتمر سياسي محدد بموقف جميع الإنجيليين حول العالم يمثل تعميمًا غير صحيح. فالإنجيليون يتجاوز عددهم مليار شخص، وينتمون إلى ثقافات وسياقات اجتماعية وسياسية مختلفة، ولا تجمعهم رؤية سياسية موحدة.
وأضاف: أن مشاركة عدد محدود من القساوسة في لقاء سياسي تنظمه جهة رسمية إسرائيلية لا يمكن اعتبارها معبِّرة عن موقف الكنائس الإنجيلية عالميًا، لا سيما أن هذه المشاركات ترتبط في الأساس بالواقع السياسي الأمريكي، أكثر من ارتباطها بالنسيج الإنجيلي المتنوع في مختلف دول العالم.
ولفت البياضي إلى أن تيار «المسيحية الصهيونية» الذي جرى الترويج له في الحلقة التلفزيونية هو في حقيقته اتجاه محدود داخل بعض الأوساط الإنجيلية الغربية، ولا يمثل الأغلبية الساحقة من الكنائس الإنجيلية، ولا يعكس مواقف الكنائس في الشرق الأوسط.
وأكد أن الكنائس الإنجيلية في المنطقة، ومنها الكنائس المصرية، تنطلق في مواقفها من ثوابت واضحة تقوم على العدل، ورفض الظلم، ودعم السلام العادل، وهو ما يتعارض جوهريًا مع أي خطاب يربط الإيمان المسيحي بتبرير الاحتلال أو انتهاك حقوق الشعوب.
وبيَّن أن هناك قيادات إنجيلية ذات ثقل وتأثير دولي أعلنت مرارًا رفضها لاستغلال العقيدة المسيحية لتبرير ممارسات الاحتلال، وأن بين هؤلاء القس جيم واليس، الذي ربط بين الإيمان المسيحي والعدالة الاجتماعية، وانتقد سياسات الاحتلال بشكل علني، وكذلك القس توني كامبولو، الذي اعتبر «المسيحية الصهيونية» انحرافًا لاهوتيًا، ودعا إلى الإصغاء لمعاناة الشعب الفلسطيني.
ودعا النائب وسائل الإعلام إلى التحلي بالمهنية والدقة عند تناول القضايا الحساسة، والتمييز بين مواقف مجموعات شاركت في فعاليات سياسية محددة وبين الواقع الحقيقي والمتنوع للكنائس الإنجيلية على المستوى العالمي، واختتم حديثه قائلًا: “الإيمان لا يُستخدم لتبرير الظلم، بل ينحاز دائمًا إلى الحق والعدالة والسلام”.
نادية هنري: والكنيسة مش جناح أيديولوجي … وتصريحات الصاوي تصنع الفتنة
من جانبها، رفضت نائبة مجلس النواب السابقة نادية هنري التعميم والخلط بين تيارات سياسية خارجية وطوائف دينية مصرية، وهو حق مشروع في إطار حرية الرأي والتعبير والنقاش العام المسئول.
وأكدت أن نقدها موجَّه لآليات التناول الإعلامي وليس للتشكيك في النوايا أو الإساءة لأي جهة. ودعت الإعلام المصري لمزيد من الدقة، والتوازن، وإتاحة حق الرد والتوضيح، احترامًا لمسئولية الكلمة وأثرها على السلم المجتمعي، مشيرة الى أن الخبر ليس مجرد معلومة، ولكن الخبر طريقة عرض، ونبرة، وإطار، وأخطر ما في الإعلام ليس الكذب الصريح، لكن التوجيه الشعوري المقنّع الذي يزرع إحساسًا قبل أن يقدم معلومة.
وأكملت “هنري” أن ما قيل على قناة القاهرة والناس عن تجنيد المسيحيين الإنجيليين لدعم الصهيونية خطاب مرفوض بالكامل، وأضافت: “لما يتحط هوك صوتي أو جملة مثيرة تحت مادة خبرية المشاهد ما بيفصلش بينهم، والعقل يستقبلهم كتفسير واحد. حتى لو النص مكتوب بلغة “محايدة”، فاالإحساس قد تمت زراعته، سواء “اتهام… تواطؤ… شيطنة، ولا يُعَدُّ هذا الخبر توثيقًا بل توجيهًا للمشاهدين للعنف والكراهية.
واستطردت أن أغلب الناس لا تسمع الفيديو كله ولكنها تسمع لأول دقيقة، وإن كان مكتوبًا فان الناس تقرأ العنوان وسطرًا واحدًا على الأكثر من الموضوع وهنا المشكلة الحقيقية.
”لما يبدأ الكلام بـ:”أمريكا” وبعدها فورًا: ”الطائفة الإنجيلية”، من غير تحديد، من غير سياق، من غير تفريق… فالاشتباه يقع على الكنيسة الإنجيلية نفسها، مش على تيار سياسي أمريكي محدد. والأخطر عندما يقال: “أغلب الإنجيليين يؤيدون الصهيونية”، أو ”الكنيسة الإنجيلية تسعى لتعميم هذا الفكر عالميًا”. وأضافت هذه ليس حقائق، ولكنها تعميمات خطيرة تصنع صورة ذهنية عدائية، وتفتح باب طائفية ليس لها أي مبرر.
عماد جاد يحذر: معارك وهمية وإعلام مضلل يهددان تماسك الدولة … واستمرار الوضع الراهن «نار ستطال الجميع»
حذّر الدكتور عماد جاد، البرلماني السابق ونائب رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، من خطورة الانقسام المجتمعي وما وصفه بـ«المعارك الوهمية» التي تستنزف طاقة الوطن وتضرب أسس الدولة، مؤكدًا أن ما يجري على الساحة العامة يمثل «كتالوجًا كاملًا لتدمير وطن وهدم أمة».
وأوضح جاد أن المشهد الراهن يتسم بإعلام يروِّج للخرافات ويُمارس التطبيل، ويحوِّل الشر إلى خير، مع استهداف مكونات أصيلة من نسيج المجتمع عبر ضرب عقائد ومعتقدات مستقرة والتشكيك في كتب مقدسة (مذيعة ماذا تستهدف عندما تقول إن سفر إشعياء التوراتي كُتب في القرن الخامس عشر الميلادي، بينما السفر كُتب في القرن الثامن قبل الميلاد وقرأ آيات منه السيد المسيح في الهيكل؟)، مشيرًا إلى خطورة الأخطاء الجسيمة التي تُرتكب على الشاشات وتأثيرها المباشر على عناصر التماسك المجتمعي.
وتابع: “أوقفوا كرة الثلج التي تدحرجت بالفعل وتهدد مصر فجر ضمير الإنسانية ودرة تاج الشرق. متى ترعرعت في وادينا الطيب هذه الضباع؟ وماذا تريد؟
هل تريد نموذج الشرع في سوريا أو طالبان في أفغانستان أو حركة الشباب في الصومال؟ فاستمرار الوضع الراهن خطر شديد علينا جميعًا وأحسب انه سيفرغ مصر خلال سنوات من كل مَنْ يؤمن بمصر دولة مدنية حديثة، ويغادر إلى بلاد تقدر قيمة الإنسان في ذاته؟
كريم كمال: المسيحية الصهيونية أكذوبة سياسية… والمسيحيون المصريون خط أحمر
أثار كريم كمال أنه لا وجود لعقيدة تُدعى “المسيحية الصهيونية” في أي من الطوائف المسيحية. فمن الناحية اللاهوتية، لا تعترف أي من الطوائف المسيحية الكبر،ى سواء الأرثوذكسية أو الكاثوليكية أو الإنجيلية، بما يُسمى بـ”المسيحية الصهيونية” كجزء من عقيدتها أو تعاليمها، فالمسيحية، في جوهرها، تقوم على مبادئ المحبة والسلام والتسامح، وترفض العنف والتمييز والاحتلال. أما “الصهيونية” فهي حركة سياسية علمانية نشأت في أوروبا في القرن التاسع عشر، ولا علاقة لها بالمسيحية. صحيح أن هناك بعض الجماعات الإنجيلية في الولايات المتحدة التي تتبنى تفسيرات دينية خاطئة تدعم الكيان الصهيوني لكنها لا تمثل الكنيسة الإنجيلية ككل ولا تحظى باعتراف رسمي من الهيئات الكنسية الكبرى، بل إن الفاتيكان، على سبيل المثال، لطالما أكد دعمه للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ورفضه للاحتلال، ودعوته لحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.
مثل هذه التصريحات وإن بدت في ظاهرها تحليلًا سياسيًا إلا أنها تنطوي على مخاطر كبيرة، إذ تفتح الباب أمام تأويلات مغرضة وتُسهم في تشويه صورة المسيحيين المصريين وتغذي خطاب الكراهية والانقسام.
إن إثارة مثل هذه القضايا في الإعلام، دون تدقيق أو مسئولية يُعَدُّ محاولة مكشوفة للتحريض على المسيحيين وتشويه صورتهم وزرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، وهي محاولات تصب في مصلحة أعداء الداخل والخارج، الذين يسعون إلى تفكيك المجتمعات من الداخل عبر اللعب على الأوتار الطائفية والدينية.
إن استخدام مصطلحات مثل “المسيحية الصهيونية” دون توضيح سياقها الغربي ودون التأكيد على أنها لا تمت بصلة إلى المسيحيين في مصر يُعَدُّ تضليلًا للرأي العام ويُسهم في نشر خطاب الكراهية، ويُهدد السلم المجتمعي. إن “المسيحية الصهيونية” ليست عقيدة دينية بل مصطلح سياسي دخيل استُخدم لأغراض أيديولوجية في سياقات غربية لا تمت إلى واقعنا العربي والمصري بصلة، والمسيحيون المصريون، بكل طوائفهم، براء من هذا المصطلح، ومن أي دعم للاحتلال أو الصهيونية. فليكن الإعلام منبرًا للتنوير لا للتحريض، ولتكن وحدتنا الوطنية خطًا أحمر لا يُسمح بتجاوزه.
الأنبا رافائيل: الإنجيليون المصريون مواطنون وطنيون
أشار الأنبا رافائيل، أسقف عام كنائس وسط القاهرة، إلى أن المسئولية الأولى لأي إعلامي، سواء كان مذيعًا أو مذيعة، هي الثقافة والاطلاع والدراسة الجادة قبل طرح أي معلومة على الرأي العام، مشددًا على أن إطلاق معلومات غير مدروسة لا يضر فقط بوعي الناس، بل ينعكس سلبًا على السلم المجتمعي، وقد يفتح أبواب فتنة لا داعي لها.
وأوضح الأنبا رافائيل بشكل قاطع أن سفر إشعياء كُتب في القرن الثامن قبل الميلاد، وأن النبي إشعياء نفسه عاش في هذا القرن، وهي حقيقة تاريخية ثابتة لا خلاف عليها بين الباحثين.
وأضاف أن هذا السفر لم يظل نصًا شفهيًا أو غامضًا، بل نُسخ عبر العصور في مخطوطات عديدة، أبرزها ما عُرف لاحقًا بمخطوطات قُمران، والتي جرى اكتشافها بين عامي 1947 و1956 في منطقة البحر الميت. ومن بين هذه المخطوطات نسخة كاملة من سفر إشعياء، وقد أثبت العلماء أن تاريخها يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، وهو ما يدحض تمامًا الادعاء القائل بأنه كُتب في القرن الخامس عشر الميلادي.
وتابع شارحًا أن العهد القديم تُرجم من العبرية إلى اليونانية في القرن الثالث قبل الميلاد بمدينة الإسكندرية، فيما عُرف بالترجمة السبعينية، وكان سفر إشعياء جزءًا أساسيًا من هذه الترجمة. وهنا طرح سؤالًا منطقيًا: كيف يمكن ترجمة سفر قبل أكثر من ألف عام من تاريخ زعمي لكتابته؟
وأضاف أن العهد الجديد، الذي كُتب في القرن الأول الميلادي، يقتبس مرارًا من سفر إشعياء، مستشهدًا بنبوءة “هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا”. فكيف يُعقل أن يستشهد كتَّاب القرن الأول الميلادي بنص لم يظهر – حسب الادعاء – إلا في القرن الخامس عشر؟
ولم يكتفِ الأنبا رافائيل بذلك، بل أشار إلى أن القرن الخامس عشر كان زمنًا تهيمن فيه الدولة الإسلامية على منطقة الشرق الأوسط، متسائلًا: لو كان المسيحيون قد ألّفوا كتابًا جديدًا آنذاك، لماذا لم يعترض أي من الحكام المسلمين في ذلك العصر؟ ولماذا صمت الجميع لستة قرون قبل أن يظهر هذا الادعاء فجأة في القرن الحادي والعشرين؟
وانتقل نيافته إلى تفنيد فكرة “التوافق” بين المسيحيين واليهود، مؤكدًا أن هذه المعلومة مغلوطة وخطيرة، وقد تؤدي إلى فتنة طائفية. وأوضح أن التاريخ يشهد على اضطهاد اليهود للمسيحيين منذ صلب السيد المسيح، وهو أمر موثّق في العهد الجديد، لا سيما في سفر أعمال الرسل ورسائل بولس الرسول. وطرح سؤالًا بديهيًا: كيف يمكن لليهود أن يسمحوا للمسيحيين بتأليف سفر يُستخدم لإثبات نبوات عن المسيح، بينما العلاقة التاريخية بين الطرفين قائمة على الصراع لا التواطؤ؟
كما شدد على أن سفر إشعياء ليس نصًا صغيرًا أو هامشيًا، بل هو كتاب ضخم ذو وزن لاهوتي وتاريخي كبير، يتناول فترة تمتد من ما قبل السبي البابلي إلى أثنائه، وهو مثبت تاريخيًا أنه كُتب في القرن الثامن قبل الميلاد.
وفي ختام حديثه، انتقد الأنبا رافائيل بشدة ما جرى تداوله حول “تدريب 100 ألف مسيحي لخدمة إســـرائيل”، مؤكدًا أنهم قساوسة إنجيليين في أمريكا لا علاقة له بالمسيحيين في مصر، ومشددًا على أن الإنجيليين المصريين مواطنون وطنيون، وقد شارك بعضهم في الحروب ضد إســـرائيل أعوام 1948 و1967 و1973، متسائلًا: لماذا يتم التشكيك في وطنية الناس دون دليل؟
الصحفية ريم مختار: العبث بالمقدس ليس رأيًا… بل جريمة مهنية وقانونية
من جانبها، أكدت الكاتبة الصحفية ريم مختار بالغ استنكارنا كمجتمع ينهض بالسلم الاجتماعي لما ورد في الحلقة التي قدمتها المذيعة هند الضاوي، وما تبعها من بيان حاول تبرير طرح تضمَّن إساءة صريحة للنص المقدس المسيحي، وتشويهًا غير مقبول لما نُسب إلى سفر إشعياء، في مساس مباشر بجوهر العقيدة المسيحية.
وعن الاعتذار الذي قدمته الضاوي قالت مختار إنه لم يكن اعتذارًا بقدر ما كان محاولة التفاف على الخطأ، وأكدت أن البيان تجاهل كليًا الإقرار بأي خطأ مهني أو معرفي، في استخفاف واضح بعقول المتلقين وبمشاعر شريحة أصيلة من المجتمع.
وأشارت إلى أن لجوء الضاوي إلى أسلوب قلب الحقائق، عبر اتهام المعترضين بإشعال الفتنة، بدل تحمُّل مسئولية الإساءة، وهو منطق مرفوض أخلاقيًا ومهنيًا.
وإعادة الترويج للحلقة ذاتها، تحت مسمى “توضيح”، يُعَدُّ إصرارًا على الخطأ وتكريسًا للإساءة، لا تصحيحًا لها. وما جرى لا يمكن تصنيفه كاجتهاد إعلامي أو رأي شخصي، بل يندرج صراحةً تحت مفهوم ازدراء العقيدة، المجرَّم قانونًا، والخطير اجتماعيًا فإن الاعتذار الحقيقي لا يكون بالإنكار أو التبرير، بل يقوم على اعتراف واضح بالخطأ، وتحمُّل تبعاته كاملة، والتزام صريح بعدم تكراره، وهو ما لم يتحقق لا مضمونًا ولا شكلًا.
وأكدت ريم أن العبث بالنصوص المقدسة ليس مساحة نقاش، بل خط أحمر، وتجاوزه يمثل تهديدًا مباشرًا للسلم المجتمعي ولأسس العيش المشترك، ولا يجوز التساهل معه تحت أي ذريعة.
وبمراجعة المحتوى والبيان المصاحب له وفق معايير المهنة وميثاق الشرف الإعلامي، سجلت مختار عدد من الملاحظات منها: يفرض ميثاق الشرف على الإعلامي التحقق من صحة المعلومات قبل بثها، لا سيما عند تناول قضايا دينية أو عقدية بالغة الحساسية، وهو ما لم يتوافر في الطرح محل الجدل.
ويُلزِم الميثاق الإعلامي باحترام المعتقدات الدينية وعدم المساس بالنصوص المقدّسة أو تقديمها بصورة مجتزأة أو غير دقيقة، حفاظًا على السلم المجتمعي، وهو مبدأ تم الإخلال به.
ويقتضي السلوك المهني تحمُّل المسئولية عن الخطأ حال وقوعه، وتقديم اعتذار واضح وصريح، لا الاكتفاء بالنفي أو التبرير أو تحميل المتلقي مسئولية سوء الفهم.
وتتعارض إعادة نشر المحتوى محل الاعتراض دون تصويب مهني أو تصحيح علمي موثّق مع قواعد التصحيح والتدارك المنصوص عليها في الأعراف الإعلامية.
يفرِّق الميثاق بوضوح بين حرية الرأي والتعبير وبين نشر معلومات غير دقيقة أو مسيئة لمعتقدات دينية، حيث لا تمتد الحماية المهنية إلى الخطأ أو الإساءة.
فالالتزام بميثاق الشرف الإعلامي يقتضي تصحيحًا مهنيًا واضحًا للمعلومة الخاطئة، واعتذارًا صريحًا يراعي احترام المتضرّرين، والتزامًا بعدم تكرار مثل هذا التناول غير المنضبط مستقبلًا.
وفي النهاية… فان الكلمة أمانة والإعلام مرآة المجتمع، وعلى الإعلامي أن يلتزم الموضوعية والحيادية في نقل الخبر ناهيك عن تحري الدقة فيما يكتب أو يقول عامة والحرص كل الحرص فيما يخص العقائد الدينية.