قيل إن الفلسفة وُلِدَتْ في القرن الثامن في اليونان في جزيرة أيونية المشهورة ببحارها وتجارتها، إذ هي تقع عند البحر الأسود وأهلها في حاجة إلى معرفة سريان الأفلاك من أجل الهداية في البحر والطمأنينة من طغيانه. وفي ملطية، إحدى مدن هذه الجزيرة، ظهر أول الفلاسفة طاليس. رحل إلى مصر وبابل وأخذ من حكماء مصر علم الهندسة، ثم عاد إلى مدينته ووضع تقويمًا للملاحين من أهل وطنه ضمته إرشادات فلكية وجوية. إلا أن حكمته لم تقف عند حد العلم التطبيقي بل تعدته إلى العلم النظري، فأسس علمًا للهندسة يقوم على الاستدلال العقلي دون حاجة إلى إجراء تجارب، فارتأى أن المثلث المرسوم مثلث قائم الزاوية. وتنبأ بكسوف الشمس الكلي الذي وقع في 28 مايو من عام 585 ق.م.، وارتأى بتأثير من الطبيعة المحيطة به أن الماء أصل الأشياء، وكان هذا هو السبب في قوله إن الأرض تطفو فوق الماء. وفي هذا السياق، قيل عن طاليس إنه من الحكماء السبعة في اليونان.
ومع ذلك فإن تلميذه أنكسمندريس راح يسأل نفسه: إذا كان الماء هو الأصل، فالإنسان لا يمكن أن يكون قد وُجِدَ كما هو عليه الآن. وأغلب الظن أنه سمكة. يقول: «نشأ البشر داخل الأسماك. وبعد أن تربوا فيها مثل كلب البحر (القرش) وأصبحوا قادرين على حماية أنفسهم، قُذف بهم إلى الشاطئ وضربوا في الأرض». ومن هنا دارت في ذهنه فكرة التطور ومعها لم يعد الماء هو الأصل لأنه متطور، إذ هو يتحول إلى بخار بفعل النار والبخار يتحول إلى تراب. ومن هنا أيضًا نشأت فكرة الأصول الأربعة أو الأسطقسات الأربعة على حد التعبير اليوناني وهي الماء والهواء والنار والتراب، وأن هذه الأسطقسات هي أشكال لمادة غير محدودة. وما هو غير محدود هو ما يسميه الأبيرون. ومن بعد أنكسمندريس، أتى أنكسمانس الذي راح يتأمل الحركة فارتأى أنها محصلة التخلخل والتكاثف. يتخلخل البخار فتكون النار ويتكاثف فيكوِّن الماء ثم التراب. ومعنى ذلك أن البخار أي الهواء هو أصل الأشياء والذي تنشأ عنه الآلهة. وكانت النتيجة النهائية مسألتين: المسألة الأولى أن الأشياء في تغير، والمسألة الثانية أن الأشياء رغم تغيرها ترتد إلى أصل واحد. والتناقض بين المسألتين كامن في أن الواحد لا يتغير لأنه بسيط والذي يتغير يلزم أن يكون مُرَكبًا. وكان هرقليطس هو الذي أعلن عن هذا التناقض، وله شذرة مأثورة تنص على ما يلي: «لستُ أرى إلا التحول والتغير. لا تخدعوا أنفسكم ولا تلوموا حقيقة الأشياء بل لوموا قصر نظركم إن ظننتم أنكم تبصرون أرضًا ثابتة في بحر الكون والفساد. أنتم تخلعون أسماء على الأشياء وكأنما ستبقى إلى الأبد. ولكن النهر الذي تنزلون فيه للمرة الثانية ليس هو النهر ذاته الذي نزلتم فيه أول مرة». ومن هنا، لم يكن أمام هرقليطس سوى المحافظة عليه. وفي هذا السياق، اختار هرقليطس النار كمبدأ أول، لماذا؟ لأنها أكثر الأشياء تغيرًا، إلا أنه لم يكن يقصد النار التي ندركها بالحواس إنما كان يقصد نارًا إلهية: لطيفة جدًا، نسمة حارة حية عاقلة أزلية أبدية يعتريها وهن فتصير نارًا محسوسة، ويتكاثف بعض النار فيصير أرضًا، وترتفع من الأرض والبحر أبخرة رطبة تتراكم سحبًا فتلتهب منها البروق وتعود نارًا. وهذه هي نظرية «العود الأبدي» عند هرقليطس. وهذه النار هي «الله نهار وليل، شتاء وصيف، حرب وسلم، وفرة وقلة». هذه المعاني قد تبدو غامضة، وهي بالفعل كذلك. ولهذا سُمي هرقليطس بـ« الفيلسوف المعتم». وهو في هذا المعنى يقول عن نفسه إنه لا يفصح عن الفكر ولا يخفيه ولكنه يشير إليه. وما يشير إليه هو الصراع أبو الأشياء الذي يجعل البعض آلهة وأبطالًا، ويجعل البعض الآخر بشرًا، ويحيل البعض عبيدًا، كما يجعل بعضهم أحرارًا. إلا أن هذا الصراع بين الأشياء يحكمه قانون يسميه هرقليطس «اللوغوس» أي العقل.
والسؤال إذن: ماذا يقول هذا اللوغوس؟ يقول إن الواحد هو الكل، وكلاهما متفق ومختلف في آن واحد. ولن نتبين العلاقة بينهما حتى نفهمها فهمًا «ديالكتيكيًا». والسؤال هو: ما معنى الديالكتيك؟ يعني أولًا رفض الجمود ويعني ثانيًا التحرك من حالة إلى نقيضتها، وهو في الحالتين محكوم بقانون. وإذا كان القانون من سمات العقل، فمعنى ذلك انفتاح الطريق أمام العقل والقانون.
وكان أناكساجوراس أول مَنْ سار في هذا الطريق. يقرر في البداية أن الأشياء متباينة في الظاهر ومتشابهة في الباطن. والسبب في التشابه مردود إلى أن الأجسام بعد تحليلها تنتهي إلى أجزاء متشابهة يسميها «الطبائع الأولى» أما التباين فمردود إلى زيادة عدد الطبائع ونقصائها. والطبائع لا تتحرك من تلقاء ذاتها، ومن ثم فهي في حاجة إلى محرك يحركها. وهي لن تكون الصدفة لأن ما يحدث يلزم أن تكون له علة، أي يحدث طبقًا لقانون. كما أنه لن يكون القدر لأن القدر لفظ أجوف اخترعه الشعراء. إذن يكون العقل هو محرك الطبائع الأولى ويحكم نفسه بنفسه ولا يمتزج بشيء. وفي اليونان قول مأثور: إن الشبيه لا يدرك إلا الشبيه، ومن ثَمَّ فإنه يكون من اللازم أن تكون الطبائع الأولى عاقلة حتى يمكن أن يحركها العقل. وإذا كانت هي كذلك فإنها لن تكون في حاجة إلى عقل خارجها أو علة مفارقة لها. ومن هنا أطلق عليها ديموقريطس اسم «الذرات» عددها لا متناهٍ ومتحركة من ذاتها، وبالتالي ليس لها ما يحركها غير ذاتها. واللافت للانتباه أنه في هذا السياق نشأت طبقة التجار والصُنَّاع ومعها نشأ تمجيد المنافسة، فنشأت الحاجة إلى تعلُّم الخطابة وأساليب الجدل.