في قراءة تحليلية لترشيحات ونتائج انتخابات مجلس الشيوخ والتي جرت مؤخرًا في أكتوبر 2025، ومن واقع الأسماء “إن أمكن” لم يفز عن المقاعد الفردية المخصص لها 100 مقعد سواء 3 من الأقباط “إيهاب زكريا من الإسكندرية وأمير هلال من القاهرة وميشيل مرعي من سوهاج”، كما يحق لرئيس الجمهورية تعيين 100 عضو وفقًا للدستور. وبحسب ما نُشر بالجريدة الرسمية، جاء قرار رئيس الجمهورية رقم 575 لسنة 2025 في العدد 41 تابع وفي 11 أكتوبر 2025 بتعيين 6 أعضاء فقط من الأقباط من ضمن 100 عضو معين “فارس سعد وشريف وديع وجورج سعد وعماد خليل وتامر تادرس وأميرة سمير”.
أما القوائم والتي تم تخصيص 100 مقعد آخر لها، فقد تم تقسيم الجمهورية إلى أربعة قطاعات: قطاع القاهرة وجنوب ووسط الدلتا ويضم محافظات هذا القطاع وخُصص لها 37 مقعدًا، وقطاع شمال ووسط وجنوب الصعيد ويضم محافظات هذا القطاع وخُصص لها 37 مقعدًا، وقطاع غرب الدلتا ويضم محافظات تلك القطاع وخُصص لها 13 مقعدًا، وقطاع شرق الدلتا ويضم محافظات تلك القطاع وخُصص لها 13 مقعدًا، ليصل إجمالي عدد مقاعد مجلس الشيوخ إلى 300 مقعد كما ينص الدستور. وأيضًا المجلس يمثل الطابع الاستشاري ويمنح أعضاءه حصانة برلمانية, وفي انتخابات القوائم، تم تشكيل قائمة تضم 12 حزبًا باسم “القائمة الوطنية من أجل مصر”، وكأنه لو ترشحت قوائم أخرى فهي ليست من أجل مصر، كما لم تقدم قوائم أخرى للمنافسة لأنهم عارفين اللي فيها والمعنى في باطن الشاعر، وبالتالي كل مَنْ ترشح على القائمة ضمن الفوز لأنه لا توجد قوائم منافسة في هذه الانتخابات. بالله عليكم كيف تُسمى انتخابات وهي تخلو من المنافسة؟ لله الأمر من قبل ومن بعد. لم يكن نصيب الأقباط من قائمة القاهرة سواء 2 من 37 عضوًا، أما قائمة الصعيد فكانت أوفر حظًا للأقباط فكان لهم 7 مقاعد من 37، أما في قائمة غرب الدلتا فكان لهم 2 من 13 مقعد، أما قائمة شرق الدلتا فقد خلت من الأقباط ولها 13 مقعد، وكان على قائمتها المرشح إيهاب وهبة لبيب (غير واضح تصنيفه).
أي أن جملة نصيب الأقباط 20 مقعدًا تقريبًا من 300 مقعد هي جملة مقاعد مجلس الشيوخ.
وأعيد وأكرر وأؤكد أننا لا نتحدث هنا من منطلق طائفي ولا نسبة وتناسب بل من منطلق وطني، من منطلق قاعدة المواطنة والمساواة التي نص عليها الدستور، فكيف لكتلة وطنية كبيرة وشريحة عريضة من شرائح المجتمع وهم المسيحيون الذين يقدَّر عدهم بما يزيد على الـ20 مليون (عشرين مليون) أن يكون لهم وللوطن هذا العدد الضئيل؟
أليست هناك شبهة تهميش للأقباط؟ ومن ناحية أخرى، لماذا يصر القائمون على العملية السياسية والانتخابية على إتباع تلك السياسة الشيطانية الجهنمية وهي ضرب عصفورين بحجر واحد بالدفع بأكبر عدد من السيدات القبطيات لإفساح المجال لأصحاب الحظوة منهم على حساب المسيحيين؟ فالدفع بالسيدات القبطيات وإن كان عدد منهن مجهولًا بالنسبة للعمل السياسي يُبتغى منه أن يمثلن المرأة من ناحية وأنهن مختارات من المسيحيين من جهة أخرى. سياسة ضرب عصفورين بحجر واحد تلك السياسة الجهنمية التي تفتق إليها الذهن الشيطاني الذي اقترحها ولم يجد مَنْ يراجعه، فهو يبحث عن مصالح ضيقة ومآرب بعيدة عن المصلحة الوطنية، وكما سبق وأن قلتُ أعود وأؤكد أننا لا ننتقص من حق المرأة بل نحن أكثر الداعمين لها لتتمتع بكامل حقوقها والمساواة التامة مع الرجل، لكن لا تضربوا المسيحيين في بعض وكأن ساحة الرجال في مصر قد خلت من الأقباط. إننا فقط ضد سياسة ضرب عصفورين بحجر واحد وليتولى الأكفأ والأقدر سواء كان سيدة أو رجلًا.
وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر تذكِّرني تلك السياسة المقيتة المرفوضة من جموع المسيحيين بل ومن إخوانهم في الوطن المثقفين والمفكرين والكتاب العالمين بدهاليز السياسة وألاعيبها ومخططتها الخبيثة المقيتة. فقد امتدت تلك السياسة المقيتة المرفوضة إلى كل المناصب السياسية والقيادية، فخذ عندك لدينا وزارة مشكَّلة من أكثر من 30 وزيرًا منهم وزارة واحدة ذهبت للأقباط، وتم اختيار هذه الحقيبة الوزارية الوحيدة لتتولها سيدة مسيحية تمثل المرأة من جانب والأقباط من جانب آخر (نفس سياسة ضرب عصفورين بحجر واحد). والغريب والعجيب أنه في عهد الرئيس المؤمن السادات صاحب المقولة الشهيرة: “أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة” كانت للأقباط 3 حقائب وزارية ومنهم مَنْ كان نائبًا لرئيس الوزراء. وفي هذا الصدد أعيد ما سبق أن قلته، إن على الأقباط أن يمتنعوا “ليس بمحض إرادتهم” عن التطلع إلى مناصب الوزارات السيادية كالدفاع والداخلية والخارجية والعدل وغيرها من المناصب كالمخابرات والأمن الوطني والرقابة الدارية وغيرها لأنه ليس لهم نصيب فيها بفعل فاعل وسياسة مفروضة على الأمر الواقع، وإن كان هذا يخالف الدستور وينتقص من حقوق المواطنة والمساواة التي نص عليها الدستور، لكن ما باليد حيلة، فالاختيار بدلًا من أن يقوم على أساس الكفاءة والمقدرة قام على أساس الهوية الدينية. ويستمر المسلسل البغيض وهو سياسة ضرب عصفورين بحجر إذ يمتد إلى المحافظين، فهناك 2 (محافظان) من الأقباط من بينهما سيدة من بين 27 محافظًا، لتمثل من جانب المرأة ومن جانب آخر الأقباط، أي لدينا إن صح التعبير أو جاز نصف وزير ومحافظ ونصف، والمعذرة إن اضطررتُ لاستخدام هذا التعبير، أي 2 من 57 (يمكن أن يتشدق أحد الحنجوريين ويلقنا درسًا ويقول إن الوزير أو المحافظ يمثل الحكومة كلها والنائب هو ممثل عن الشعب كله، وهذا نحن نعرفه جيدًا ولكن لا يكون بتهميش الشريحة الكبيرة من الأقباط أو سياسة ضرب عصفورين بحجر بل ليكون وطنًا صحيحًا معافىً في تركيبته يجب أن ينطلق من قاعدة المواطنة).
هذه السياسة التي تتبعها الدولة نحو الأقباط منذ انقلاب 23 يوليو 1952، وهذا التعبير ليس من عندي بل هو اعتراف اللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر والذي سجل ذلك في مذكراته والتي صدرت في كتاب “كنتُ رئيسًا لمصر”. وأترك لكم في السطور القليلة القادمة ما خطه قلم الرئيس محمد نجيب في مذكراته. يقول: “هؤلاء الضباط لم يكونوا أحرارًا بل أشرارًا”.. وجاء في المذكرات في صفحة 145 وما تلاها: “إن تحركنا ليلة 23 يوليو والاستيلاء على مبنى القيادة كان في عرفنا جميعًا انقلابًا.. ثم عندما أردنا أن نخاطب الشعب ونكسبه إلى صفوفنا استخدمنا لفظ الحركة ثم أضفنا لكلمة الحركة صفة المباركة.. ثم بدأنا أحيانًا في استخدام تعبير الثورة إلى جانب تعبيري الانقلاب والحركة.” انتهى الاقتباس.
أما في الفترة الليبرالية التي سبقت انقلاب 23 يوليو 1952، وخاصةً إبان ثورة 1919 بزعامة سعد باشا زغلول الزعيم الوطني الكبير والقدير، فحينما ألف سعد زغلول أول وزارة شعبية في مصر سنة 1924 في عهد الملك فؤاد الأول، بعد أن فاز الوفد بنسبة 90 % من مقاعد البرلمان، تألفت الوزارة من 13 وزيرًا، وأؤكد ثلاثة عشر وزيرًا، منهم اثنان من الأقباط هما واصف بطرس غالي أفندي وزيرًا للخارجية (لاحظ أنها من الوزارات السيادية) ومرقس حنا بك وزيرًا للأشغال العمومية. لم تكن الوزارات السيادية قاصرة على إخوتهم شركاء الوطن المسلمين، بل الأكثر من ذلك تولى رئاسة الوزارة في فترات مختلفة كل من نوبار باشا الأرميني وبطرس باشا غالي ويوسف باشا وهبة والثلاثة من المسيحيين.
سبق وكتبنا وما زلنا نكتب وسنظل نكتب بمشيئة الله ما دام في العمر بقية، فللحديث بقية. سنظل نناضل بالكلمة الحرة النزيهة ونكتب مطالبين بالمساواة التامة والكاملة بين جموع المواطنين المصريين كما ينص الدستور ومن منطلق وطني صرف انطلاقًا من قاعدة المواطنة بعدم إجحاف حق الأقباط في تولى المناصب العليا والقيادية أو تهميشهم، من أجل مجتمع ووطن صحيح معافى سليم نبتغي جميعًا رقيه وتقدمة بين سائر الأمم والشعوب.
يا سادة يا كرام عينوا ما شئتم من النساء في كل المناصب القيادية والعليا لكن لتتركوا السياسة الشيطانية المسمى ضرب عصفورين بحجر واحد. أخشى أن يصيب هذا الحجر رأس مَنْ تفتق ذهنه عن هذه السياسة، وكأن ساحة الأقباط خلت من الرجال. سنظل صوتًا صارخًا في البرية في بلادنا المصرية لأن الحقوق لا تُمنح وليست هبة بل الحقوق تُنتزع ووسيلتنا في ذلك الوسائل السلمية وفي مقدمتها القلم الحر الجريء.
وقفات في محطات: أوكازيون مين يزود؟ كرسي البرلمان في انتخابات مجلس النواب وصل إلى 70 مليون جنيه مين يزود ليكون له كرسي في البرلمان؟ على الأكفاء من السياسيين والمختصين أن يمتنعوا وعلى رجال الأعمال والتجار والمقاولين والأثرياء الجدد أن يتقدموا. وللحديث عن انتخابات مجلس النواب مقال آخر.