16.4 C
Cairo
الإثنين, مايو 4, 2026
الرئيسيةتحقيقاتالدراما تصنع الواقع أم تعكسه؟.. جدل لا يهدأ حول قوة الشاشة وتأثيرها

الدراما تصنع الواقع أم تعكسه؟.. جدل لا يهدأ حول قوة الشاشة وتأثيرها

الدراما تصنع الواقع أم تعكسه؟.. جدل لا يهدأ حول قوة الشاشة وتأثيرها
أرقام صادمة: أكثر من ربع مليون حالة طلاق في عام واحد… والعنف الأسري والتحرش يتصاعدان

تحقيق: إيهاب قزمان

أعاد تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي حول دور الدراما في ارتفاع نسب الطلاق النقاش العام حول الأزمة الأسرية في مصر إلى الواجهة من جديد. وقد أكد الرئيس أن ما تقدمه الأعمال الدرامية من نماذج لمستويات معيشية مرتفعة داخل بيوت فاخرة لا يستطيع ثلثا المصريين الوصول إليها، رسَّخ لدى بعض السيدات حالة من المقارنة الدائمة، الأمر الذي ولَّد شعورًا بعدم الرضا، فازدادت الخلافات وارتفعت على إثرها نسب الطلاق.

وبحسب حديث الرئيس، ساهمت الدراما في رفع سقف التوقعات لدى الأجيال الجديدة، وأحدثت فجوة بين واقع الأسرة البسيطة والصورة المثالية المعروضة على الشاشة، معتبرًا أن هذا التأثير يمثل أحد العوامل التي أسهمت في ارتفاع معدلات الطلاق.

فالدراما بطبيعتها مرآة تعكس واقع المجتمع بما فيه من قيم وعادات وسلوكيات. وعلى مدى عقود، قدمت المسلسلات المصرية أعمالًا تحمل رسائل اجتماعية هادفة تعزز القيم الأسرية والتماسك الاجتماعي، حتى عند تناولها مظاهر سلبية. لكن ومع التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم، تغير وجه الدراما بشكل جذري، مما يطرح سؤالًا مهمًا: هل لا تزال الدراما انعكاسًا للمجتمع، أم أصبحت قوة مؤثرة في تشكيله وتغييره؟ أم أنها باتت تصنع واقعًا جديدًا؟

وتشهد مصر خلال السنوات الأخيرة جدلًا واسعًا حول ارتفاع نسب الطلاق وتغير طبيعة العلاقات الأسرية. ومع صدور أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يتضح أن الظاهرة ما تزال بارزة رغم تراجع طفيف في الأرقام الرسمية؛ إذ سجّلت محاكم الأسرة المصرية خلال عام 2024 آلاف القضايا المتعلقة بالطلاق والحضانة والتمكين من المسكن وغيرها. وقد أوضح تقرير الجهاز أن حالات الطلاق وصلت إلى 265,606 حالة عام 2023 مقابل 269,834 حالة عام 2022، في حين ربط المستشار عبد الله الباجا ارتفاع النسبة بزيادة عقود الزواج.

وتكشف البيانات تضاربًا لافتًا؛ إذ تشير وزيرة التضامن الاجتماعي إلى أن زواجًا من كل أربعة ينتهي بالطلاق، بزيادة تقارب 83% مقارنة بعام 1996، بينما يرى وزير العدل أن النسبة لا تتجاوز 3% فقط. ويضيف باحثون أسبابًا أخرى للارتفاع، منها تغيُّر توقعات النساء، وتراجع الوصم الاجتماعي المرتبط بالطلاق، وتحسن الاستقلال المالي، ما يمنح خيارات أوسع لاتخاذ قرارات شخصية دون الخضوع لضغوط اجتماعية. وبذلك، تبدو الدراما عاملًا من بين عدة عوامل وليست السبب الرئيس.

السيسي يحذّر: الدراما تروّج لرفاهية زائفة وتغذي التفكك الأسري

أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أن النماذج الاجتماعية التي قدمتها الدراما على مدار عقود لم تعكس واقع الأسرة المصرية أو قيم الكفاح والانضباط. وأوضح أن الأعمال ركزت على أنماط مرفهة وباهظة، ما أدى إلى رفع سقف التوقعات لدى الأجيال الجديدة وإحداث فجوة حادة بين الواقع والخيال، وهي فجوة يرى أنها أسهمت في ارتفاع معدلات الطلاق.

وقال الرئيس خلال حواره التفاعلي مع المتقدمين للالتحاق بأكاديمية الشرطة: “هي نسب الطلاق زادت ليه؟ الدراما ما جابتش إن الست بتكافح مع جوزها، ما جابتش إن الست ممكن يكون بيتها مش غالي قوي… جايبة لك قاعدين في فيلا وشقق غالية جدًا يمكن تلتين المصريين ميقدروش يعملوه. فحضرتك بتتفرجي على التليفزيون وعايزة يبقى بيتك زيهم… طب بيتك مش زيهم، فأنتِ مش راضية لا عن باباكي ولا عن جوزك”.

وأكد الرئيس أن بناء شخصية مصرية سوية، وفق أسس علمية ونفسية سليمة، لا يمكن تحقيقه من خلال عمل فني واحد، خاصة في ظل تراكمات تمتد لأكثر من ستين عامًا أثرت تدريجيًا على قيم المجتمع ووجدانه وأنماط تفكيره. وشدد على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتشخيص دقيق وصحيح للمشكلة، قائلاً: “لا يمكن الوصول إلى حلول ناجحة دون معرفة أسباب الخلل”.

وأضاف أن التحول نحو محتوى إعلامي ودرامي يعكس واقع الأسرة المصرية ويبرز قيم التحدي والعمل والكفاح هو جزء أساسي من الإصلاح المجتمعي، على أن يصاحبه وعي وطني يعيد تعريف مفاهيم النجاح والسعادة بعيدًا عن المظاهر المادية المبالغ فيها.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يتطرق فيها الرئيس السيسي إلى دور الدراما؛ ففي حفل الإفطار السنوي الذي أقامته القوات المسلحة في مارس الماضي، دعا إلى إتاحة مساحة أكبر في القنوات والدراما المصرية لـ”العمل الإيجابي الجاد”، مؤكدًا ضرورة تقديم محتوى أكثر التزامًا إلى جانب الكوميديا، ومحذرًا من “رعاية الغث والهزل والكلام الذي لا يبني أمة”. وأشاد حينها بتجربة الفنان سامح حسين في برنامج “قطايف” الذي يُقدَّم عبر منصات التواصل ويحظى بردود فعل إيجابية.

الدراما أصبحت أكثر جرأة في طرح أنماط غير مألوفة

مع تغيُّر الزمن، أصبحت الدراما أكثر جرأة في طرح المشكلات، لكنها في كثير من الأحيان بالغت في التركيز على الجوانب السلبية، لدرجة جعلتها تروج لأنماط حياة غير مألوفة للمجتمع المصري. ويمكن ملاحظة ذلك في عدة ظواهر درامية حديثة:

تفشي العنف والبلطجة: أصبحت الشخصيات الخارجة عن القانون أبطالًا رئيسيين، كما في بعض الأعمال التي صورت تجار المخدرات وأصحاب النفوذ غير المشروع كمثل أعلى للشباب.

الألفاظ والمصطلحات الغريبة: لم تعد الأعمال الدرامية تلتزم بالحد الأدنى من الاحترام في الحوار، بل انتشرت فيها الألفاظ النابية والمصطلحات السوقية.

تفكك الأسرة: بدلًا من تقديم نماذج أسرية إيجابية، أصبحت الدراما تركز على الخيانة، والعلاقات غير الشرعية، والصراعات العائلية، وكأن هذه الأمور هي القاعدة وليست الاستثناء.

غياب القدوة: لم تعد الدراما تقدم الشخصيات التي يمكن أن تكون مصدر إلهام للمشاهدين، بل أصبح معظم الأبطال شخصيات إما انتهازية أو عدوانية أو بلا قيم واضحة.

كيف تغيّر الدراما شكل الأسرة المصرية؟.. تأثيرات تمتد من الشاشة إلى البيوت

مسلسل “ونحب تاني ليه”

قدمت بطلته نموذجًا للمرأة التي تنتقل من علاقة فاشلة إلى قصة حب جديدة، في أجواء من الرفاهية: “شقق فخمة، مظهر راقٍ، مستوى معيشي مرتفع”.

مسلسل “جميلة”

من الأعمال التي ركزت على المستوى الاجتماعي العالي للبطلة، وتقديم حياتها بشكل مرفه يضع معيارًا غير قابل للتحقق لدى كثير من الفتيات.

مسلسل “الزوجة الرابعة”

اعتمد المسلسل على حياة بطل غني متعدد العلاقات، ومعه زوجات عشن في مستوى مبالغ في الرفاهية، ما يعزز فكرة أن الزواج يرتبط بالثراء والراحة بلا مجهود.

مسلسل “وتقابل حبيب”

يدور العمل في إطار مجتمعي راقٍ يعرض علاقة رومانسية داخل إطار مادي مُرفه بعيدًا عن الضغوط الواقعية للأسر المصرية، ولكن تشوبه علاقات عائلية.

دراما الثمانينيات والتسعينيات

في فترات سابقة، قدمت الدراما المصرية أعمالًا كانت تمثل نموذجًا للقيم والأخلاق، رغم تناولها مشكلات اجتماعية متنوعة. على سبيل المثال:

 “بابا عبده”: جسَّد صورة الأب المثالي الذي يربي أبناءه على المبادئ، وكان نموذجًا للعائلة المصرية المتماسكة.

 “عندما يجيء المساء” و”هند والدكتور نعمان”: ناقشا قضايا اجتماعية هادفة بروح درامية هادئة، دون مبالغة أو إثارة.

 “ليالي الحلمية”: رغم أنه كان يتناول الصراعات الطبقية والتغيرات السياسية، فإنه لم يغفل عن إبراز القيم الأسرية والترابط بين الشخصيات.

“مين اللي ميحبش فاطمة”: قدم قصة حب راقية دون ابتذال، وسلط الضوء على صراعات الإنسان بين العاطفة والمجتمع.

هذه الأعمال وغيرها لم تكن تخلو من رصد المشكلات الاجتماعية، لكنها كانت تقدمها بأسلوب راقٍ، مع طرح الحلول أو تقديم نماذج إيجابية يحتذي بها المشاهدون.

تشكيل لجنة رسمية لدراسة التأثيرات الاجتماعية للدراما والإعلام في مصر

وضعت لجنة دراسة التأثيرات الاجتماعية للدراما المصرية والإعلام توصياتها. تلك اللجنة التي شُكلت بقرار من الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بهدف بحث واقع الدراما المصرية وآثارها المجتمعية، واقتراح سُبل دعمها وتطويرها.

وأكد الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، أن حريةَ الإبداع والتعبير لا مساس بها، مشيرًا إلى أن الفن بأشكاله كافة يُعد من أبرز أدوات تشكيل الوعي والوجدان، وأن الدراما على وجه الخصوص تمثل مرآة تعكس مختلف أشكال الفنون وتعبِّر عن قضايا المجتمع بعمق وتأثير.

وأوضح أن الدولةَ تولي اهتمامًا كبيرًا برعاية المواهب الجادة في جميع مجالات صناعة الدراما، انطلاقًا من إيمانها بدور الفن الحيوي في بناء أجيال قادرة على التعبير عن ذاتها وهويتها، لافتًا إلى أهمية أن تركز التوصيات والمقترحات المقدمة على جودة المحتوى بالدرجة الأولى، إلى جانب تسليط الضوء على جوانب دعم الإنتاج والتوزيع الدرامي، داعيًا إلى أن تكون التوصيات قابلة للتطبيق من خلال آليات تنفيذية واضحة، وسيتم رفع التوصيات النهائية المنبثقة عن الاجتماعات الثلاثة إلى الدكتور مصطفى مدبولي فور الانتهاء من صياغتها، تمهيدًا لاتخاذ ما يلزم من خطوات تنفيذية تضمن تفعيلها على نحو عملي وفعال.

وكان من بين أهم التوصيات إنشاء مرصد وطني دائم لتحليل محتوى الدراما وقياس تأثيرها المجتمعي والثقافي، وأكد وزير الثقافة أن الهدف من هذه التوصيات هو تطوير الصناعة بما يخدم الإبداع ويحمي الهوية، ويعزز مكانة مصر كحاضنة للفن والثقافة.

الدراما بين الواقع والخيال: هل تعكس المجتمع أم تعيد تشكيله؟

هناك جدل مستمر حول ما إذا كانت الدراما تعكس واقع المجتمع أم إنها تساهم في تشكيله. في الماضي، كان المشاهد يرى القيم الإيجابية في المسلسلات، ويحاول أن يقتدي بها، بينما اليوم نجد أن بعض الأعمال تفرض نمطًا معينًا من السلوكيات والمفاهيم، مما قد يؤثر على وعي المشاهدين، خاصةً الشباب.

على سبيل المثال، عندما انتشرت شخصيات البلطجي في بعض المسلسلات، أصبح العديد من الشباب يقلدون أسلوبهم في اللبس والكلام. وعندما ركزت بعض الأعمال على مشاهد العنف الأسرى، أصبحت هذه الظواهر أكثر قبولًا لدى بعض الفئات. وهذا يعني أن الدراما لم تعد مجرد انعكاس للمجتمع، بل أصبحت عاملًا مؤثرًا في تشكيل وعي الأفراد وسلوكهم.

ليس ذلك فقط بل أيضًا أظهرت البطل “البلطجي” بصورة محبوبة إلى حد ما فأصبح الشباب يقتدون به ولا يلفظونه لأنهم يجدون فيه تلك البقعة البيضاء الجميلة، بينما أفلام ومسلسلات الزمن الفائت كانت لا تتعرض لكل جوانب الشخصية الشريرة بل فقط تتطرق إلى أنه “شرير”.

كيف يمكن تصحيح المسار؟

إذا كانت الدراما تملك القدرة على التأثير، فمن الضروري إعادة توجيهها بحيث تقدم محتوى يوازن بين الواقعية والقيم الأخلاقية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ما يلي:

• إنتاج أعمال تتناول القضايا المجتمعية بأسلوب هادف، دون ترويج للعنف أو الانحلال.

• إعادة تقديم الشخصيات الإيجابية التي تشكل قدوة للشباب، سواء في مجال العمل، أو التعليم، أو العلاقات الإنسانية.

• مراعاة اللغة المستخدمة في الحوارات الدرامية، والابتعاد عن الألفاظ السوقية التي تسيء إلى الذوق العام.

• إعادة إحياء روح الدراما الأسرية، التي تناقش قضايا العائلة والمجتمع بأسلوب بنَّاء، كما كان الحال في أعمال مثل “لن أعيش في جلباب أبي” و”يوميات ونيس”.

الإعلامي عمرو الليثي: الدراما هي القوة الناعمة التي تشكل وعي المجتمع… ولا بد أن تكون صادقة في تصوير الواقع

من جانبه، أكد الإعلامي عمرو الليثي أن الدراما تلعب دورًا محوريًا في تشكيل الوعي المجتمعي ونقل القيم الثقافية، مما يجعل الالتزام بالقيم الأخلاقية في إنتاجها ضرورة لا غنى عنها. وأشار إلى أن الأعمال الدرامية تعكس الواقع الاجتماعي وتتناول قضاياه المختلفة، وفي الوقت ذاته تمتلك تأثيرًا كبيرًا على الجمهور، خاصةً فئة الشباب، ما يستوجب تحلي صناعها بالمسئولية الأخلاقية لضمان تقديم محتوى يثري المجتمع ولا يفسده.

واستطرد الليثي انه من المهم أن تكون الدراما صادقة في تصوير الواقع، لكن دون السقوط في فخ الإثارة الرخيصة أو المشاهد المفتعلة التي لا تخدم القصة بقدر ما تثير الجدل. فالواقعية يجب أن تقدم بذكاء وبأسلوب يحترم عقل المشاهد – مع تجنب المشاهد الفجة أو الألفاظ غير اللائقة التي قد تؤثر سلبًا على الذوق العام، كما ينبغي على الأعمال الدرامية أن تراعي خصوصية المجتمعات التي تخاطبها، فلا تروج لما يتعارض مع القيم الأخلاقية والدينية للمجتمع. وهذا لا يعني أن الدراما يجب أن تكون وعظية، ولكن يجب أن يكون هناك وعي بحدود التأثير الذي تتركه على الجمهور، خاصةً فيما يتعلق بنمط الحياة والقيم الأسرية.

وأضاف أن هناك أعمالًا تستغل قضايا مثل الفقر، أو الإدمان، أو الاضطهاد بطرق سطحية بهدف إثارة التعاطف اللحظي وجذب المشاهدات دون تقديم معالجة حقيقية لهذه القضايا. ومن الضروري أن يكون هناك وعي بمسئولية الدراما في تقديم حلول واقعية وإثارة النقاش حول كيفية التعامل مع هذه المشكلات بدلًا من مجرد استغلالها دراميًا.

كثيرًا ما تقع الدراما في فخ تقديم المرأة في أدوار تقليدية نمطية تحصرها في صورة الضحية أو الضعيفة أو المستغلة، في حين أن المجتمع يحتاج إلى نماذج قوية وملهمة للمرأة. لذلك، يجب على صُنَّاع الدراما تقديم شخصيات نسائية أكثر تنوعًا وواقعية تعكس دور المرأة الحقيقي في المجتمع

ونظرًا لأن الدراما تصل إلى مختلف الفئات العمرية، فمن الضروري مراعاة تأثيرها على الأطفال والمراهقين، سواء من خلال اختيار المواضيع المناسبة أو تجنب المشاهد العنيفة وغير اللائقة. كما أن تقديم قدوات إيجابية في الدراما يمكن أن يسهم في بناء شخصيات أكثر وعيًا ونضجًا بين الشباب.

واختتم عمرو بأن الدراما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي قوة ناعمة تؤثر في تشكيل وعي الأفراد والمجتمع. لذا، فإن الالتزام بالقيم الأخلاقية في إنتاج الأعمال الدرامية ليس تقييدًا للإبداع، بل هو توجيه له نحو تقديم محتوى يثري العقول ويرتقي بالمجتمع، بدلًا من أن يكون مجرد وسيلة لتحقيق الربح أو الشهرة.

طارق الشناوي: الحديث حول أن الدراما السبب في الطلاق كلام فيه مبالغة

قال طارق الشناوي، الكاتب الصحفي والناقد السينمائي، بخصوص تناول الدراما والسينما للطلاق قديمًا وحديثًا، “مع ظهور قانون الخلع وتطبيقه أيام أنور السادات والدنيا اتغيرت، كان زمان الدراما تقتصر على بعض المشكلات مثل فيلم “أريد حلًا”، ولكن أصبح الحديث اليوم حول الخلع وكيف تخلع المرأة”، موضحًا أن معاناة المرأة في المحاكم سابقًا كانت تستغرق عشرات السنوات، بينما أصبح الأمر أسهل بكثير وغيَّر الخلع كثيرًا من الطلاق وأصبح أسهل إجرائيًا.

وأشار إلى أن الخوف من الحديث عن الطلاق هو “خضوع لرأي عام ينظر للمطلقة بنظرة دونية”، موضحًا أن الأفضل في أي علاقة عندما يكون هناك تصدع “وكل في طريق” هو الانفصال، وذلك أفضل من الخضوع لبعض الكلام مثل “استحملي مثل أمك”، قائلًا إن هذا الكلام ظاهريًا جيد للحفاظ على الأسرة ولكن عمقه سيئ وكويس إن هذه الأمور سقطت”، مضيفًا أن “الحديث عن أن الدراما هي السبب في الانفصال كلام فيه مبالغة”.

وأضاف أن الخلع أو الطلاق سوف يظلان رخصًا مشروعة لا يمكن إلغاؤها، لافتًا إلى أن هناك الكثير من السيدات المثاليات ورغم ذلك انفصلن بسبب الطرف الآخر.

وأثنى على قانون المرأة الجديد الذي أعطى للمرأة الحرية في الانفصال عند الضرر، قائلًا: “في تونس لا يمكن للرجل أن يتزوج وعلى ذمته زوجة أخرى وإلا الزوجة تأخذ منه مستحقاتها كاملة وتخليه على الحديدة” – على حد تعبيره، موضحًا أنه طالما الشرع أباح الخلع فلا بد أن نتشبث به والحمد الله أن الشريعة كانت مرنة في ذلك الأمر.

أستاذ علم الاجتماع: صُنّاع المسلسلات لا يستهدفون الجمهور المصري مما خلق توقعات غير واقعية لدى المصريين

أكد الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن الدراما المصرية على مدار عقود طويلة ساهمت في خلق «توقعات غير واقعية» لدى الشباب حول الحياة والزواج، والدراما أثَّرت سلبًا على استقرار الأسرة المصرية وزادت من معدلات الطلاق، وهو ما يتفق مع التصريحات الأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي.

وتحدث «صادق» عن الأسباب العميقة لتأثير الدراما على المجتمع، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في المحتوى، بل في دوافع الإنتاج التي تستهدف أسواقًا خارجية في المقام الأول.

وأوضح أستاذ علم الاجتماع السياسي أن الدراما المصرية، خاصةً على مدى الـ60 عامًا الماضية، قدمت صورًا مثالية وغير واقعية للحياة الأسرية، وقال: «الدراما خلقت توقعات غير حقيقية لدى الشباب، فالشاب يعتقد أنه سيتزوج فتاة تشبه “باربي”، ويسكنها في فيلا بحمام سباحة وسيارات وخدم، والفتاة تتوقع الأمر نفسه، وعندما يصطدم الطرفان بالواقع، تحدث المشاكل».

وأوضح «صادق» أن جوهر المشكلة يكمن في «الإنتاج»، حيث إن صُنَّاع المسلسلات لا يستهدفون الجمهور المصري بالأساس، بل يضعون نُصب أعينهم الجمهور في الأسواق الخارجية، خاصةً منطقة الخليج، وأضاف: «المسلسلات والأفلام المصرية هي المنتج الوحيد الذي يتم تصديره بنسبة 100%، والجمهور المستهدف في الخارج، وهو جمهور غني، يريد أن يشاهد حياة الفلل والسيارات الفارهة، ويبتعد عن المشاكل المحلية البحتة».

وشدد الدكتور صادق على أن الحل يبدأ من «التثقيف الإعلامي» في المناهج التعليمية، لتعليم الأجيال الجديدة كيفية التعامل النقدي مع ما يشاهدونه، وفهم أن ما يُعرض ليس بالضرورة هو الواقع.

استشاري الصحة النفسية: الدراما الحالية تقدم نماذج بعيدة عن الواقع… وهي أحد أسباب الخلافات الزوجية

قال الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، إن تصاعد معدلات الخلافات الزوجية والطلاق في السنوات الأخيرة يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالصور غير الواقعية التي تقدمها الدراما عن الحياة الاجتماعية. وأوضح أن المشاهدين يتأثرون نفسيًا بشكل كبير بسبب الإغراق البصري والعاطفي الذي تقدمه الأعمال الدرامية الحديثة.

وشدد هندي على أن الدراما الحالية تقدم نماذج بعيدة عن الواقع، سواء على صعيد المستوى المعيشي أو العلاقات الإنسانية، مما يدفع بعض المشاهدين لإجراء مقارنات مستمرة بين حياتهم الحقيقية وما يرونه من رفاهية مبالغ فيها في المسلسلات، مثل الفيلات الفخمة والسيارات الفارهة وأنماط الحياة الرفاهية.

وأضاف أن دراسة مصرية نُشرت في عام 2019 أظهرت أن الشباب يتعرضون بشكل كثيف وغير مسبوق للأعمال الدرامية، خاصةً مع التداخل بين التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يساهم في ترسيخ أفكار غير واقعية تخلق شعورًا متزايدًا بعدم الرضا على الصعيد الاجتماعي والأُسري.

وأخيرًا… الدراما ليست مجرد تسلية، بل هي وسيلة قوية للتأثير والتغيير. وبينما كانت المسلسلات قديمًا تقدم نماذج إيجابية تعزز القيم المجتمعية، أصبحت في كثير من الأحيان تروج لأنماط سلوكية غير مألوفة. لذا، فإن مسئولية صُنَّاع الدراما والجمهور معًا هي إعادة التوازن لهذا الفن، بحيث يصبح أداة للإصلاح الاجتماعي، وليس مجرد وسيلة لجذب المشاهدات على حساب القيم.

مقالات أخرى

اترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا