ترنح العقل بحثًا عما يستحقه أولئك الذين لم يعيروا لمشاعر النفس واحتياجاتها بعضًا من الاكتراث وشيئًا من الاهتمام! فما أكثرهم وما أدناهم منا – أناس قد وضعوا أنفسهم فوق الكل، وكأن الكون قد لاذَ عند أرجلهم من دون غيرهم، فهم لهم الكل وما دونهم ليس لهم جزء من الكل، بل ليس لهم حق من أي الحقوق التي تتطلع إليها طبيعتنا وما قد جُبِلت عليها خلقتنا! تسير أذهانهم إلى غير المستقيم كما تتكئ عقولهم على ما يريدون فهمه ليس إلا! فالطموح عندهم ليس سوى حفنة من المطامع، والتطلع إلى الأفضل هو التمرد ذاته على المشيئة الإلهية، كما أن رفض الواقع لما به من سوء الخُطى وخطأ التساير متساوٍ مع التمرد الشيطاني على أمر خالقه ومن ثَمَّ شيطنته وصيرورته على ما عليه من أَبلسة!
و لكن ماذا عنا؟ هل لنا أن نخنع لما يريدون توصيله لغيرهم لجلب مغنمهم من اعوجاج المفاهيم ولي الحقائق؟ أم نترك العنان لصرير أقلامنا لتبرز وتظهر وتنير وتكشف؟ هل علينا أن نغادر ما علق بألسنتهم وما يحرمونه ويحللونه وشأنهم؟ أم علينا فتح مغاليق الحق لجعله على مصراعيه لخلق أنفس سوية وكيانات سليمة صحيحة وتامة؟ …… ليس أمامنا سوى جلب الحقائق من رحم الأفول واستحضار الضياء من بين أُطر الظلام، كما استجلاء الشموس المتوارية وراء كل كذب وضلال وبغي وبهتان .
الطموح والطمع؛ ما أكثر مَنْ خلطوا بين المفهومين وجعلوهم في رِكاب واحد لا اثنين. وما أكثر مَنْ انخلعوا عن الفهم الأمثل لتلك المفاهيم وساروا في درب التمايل والتموُّج صائرين، كما صاروا بين رحى الصراع عما يبغونه وما يحتاجونه سائرين!!! فهل من فرق وتفريق بينهما أم أنهما في فريق واحد لا أكثر ينتمون ويكمنون؟
الطموح هو الشرعية في الاستمساك بالشيء والحصول عليه، إذ يسير جنبًا إلى جنب مع ما تحتاجه النفس البشرية بما تحويه من مشاعر وأحاسيس ووجدان قد خُلقت لها وجُلِبت هى عليها، أما الطمع فهو اللاشرعية واللاقانونية في السير خلال قنوات ما، للأخذ بالشيء إكراهًا وعنوة واغتصابًا، تفعل – النفس – ما يحلو لها وما لا يحلو لغيرها للوصول إلى ما تبغي الوصول إليه حيث الهدف والبغية والمأرب والمقصد.
الطموح مجلبة للغبطة والسعادة والعيش في فرحة الرجاء لما سوف نحصل عليه في الحياة والعمل على قدم وساق للحصول عليه دون تخاذل ووهن وتقاعس، أما الطمع فهو انعكاس لما يموج بداخل النفس البشرية من صراع بين ما فُطِرت عليه من خير وما تبتغيه من شر حيث لا سلام لا صفاء، لا هدوء ولا أناة!
الطموح مبعث للتقدم ومحفز للتطور، يهم فيه الإنسان إلى العمل على قدم وساق حالما يبزغ نوره – الطموح – بداخل القلوب والأفئدة؛ فيحفز ويؤازر ويسند، أما الطمع فهو شعلة النار التي تجيش بالأذهان، بها يُراد التهام الكل أو حرق الجميع عندما لا يتسنى للطامع التهامه، يتجرد فيه الشخص من المحبة ومترادفاتها (الأنا) وكل ما يتعلق بها ومنها ولها!
الطموح هو طاقة ايجابية، يشخص ويرى فيه الطامح ليس نفعه الشخصي فحسب، بل يمتد إلى مَن يرمقونه حبًا ويراقبونه إخلاصًًا وتفانيًا ووفاء، أما الطمع فهو طاقة آخذة، لا تعرف العطاء ولا تعترف به، فهي تستمد قوَّتها وقوتها من الموت والفناء لا الحياة والبقاء: موت طيب السمعة في موت سمعته، فناء قدر الطامعين من قلوب المقدرين لهم ومَن يكنون لهم مساحة من الثناء وبعضًا من الاحتساب وشيئًا من السمو وحظًا من الجلال .
الطموح يخضع للوقت وينحني للزمن في أخذ ماله من أعمارنا حيث الصبر والتأني والجلد والاحتمال، ينضج فيه الحالم مع عجلة أيامه متى دارت وطافت، فيلتقط ثمر تعبه ويقبض على كنز مشقته. أما الطمع فهو قرين للتكبر وجليس للتغطرس؛ لا يداهن الوقت ولا يصادق عليه، لا يصافح دورة السنين كما لا يألف دائرة الأيام، خليله التسرع ورفيقه هو التعجل والتبرم والسأم والاضطراب.
الطموح لا ينحدر من العشوائية ولا يتوالد من الصدفة، لا يتسلل من التعسفية كما لا يعرف للاعتباطية مسلكًا ودربًا وطريقًا، فهو يخطط مدققًا ويدقق مخططًا، فيسلك ويجتاز ويتجاوز لما قد اتخذه من خطط وأخذه من تدقيق. أما الطمع فهو يرتكن إلى التحكمية فيما يقرر ويسن، لا يرى طريقًا أمامه لكنه يبغي الانقضاض على فريسته وفرصته، يتخلل دائرة الانتظار والارتقاب فَيَهِم مجتاحًا متفرسًا مندفعًا ومداهمًا لكل شيء.
الطموح يأخذ بيد نفوسنا ليضعها تحيزًا بين رضاها القانع وقناعتها الراضية بما تسعى إليه وبما وصلت له، فسعي النفس وراء احتياجنا الطبيعي له من الطبيعة ما تسعى له وترضاه، أما الطمع فليس له إلا فراغ نفوسنا وتلوعها إلى المزيد فالكثير منه، فالشبع كان وما زال بالنسبة للطامع كسراب الصحراء الذي يؤول إلى الظمأ ومن ثَمَّ الإنهاك والإعياء والهزال فالانهيار!
الطموح يتمدد منتهيًا ومنهيًا مصيره ومساره بمنارة الضياء التي تهدى إلى وجود الذات الغائبة والروح القاتمة، التي تشير إلى تحقيق الوجود الضائع والنفس المتوارية خلف سحائب الاستتار وسحب الشغور والغروب والزوال، أما الطمع فهو الطريق إلى اللاطريق حيث التطلع إلى الخلف ومحاولة الاستمساك بما تبقى من إنسانيتنا؛ فلا يتبقى للطامع سوى ندمه على خسارته لما اكتسبه، وضياع ما بين يديه فيما فاز به!
الطموح قوة معطية والطمع ضعف آخذ، الطموح منحة باسطة والطمع سلب ناهب، الطموح محبة باذلة والطمع مكر سالب، الطموح جهد جهيد وجاهد بينما الطمع تراخٍ وتكاسل وتباطؤ، الأول يغلفه التفاني في الوصول إلى الهدف والأخير يقبع بدرك الانتفاخ والتغطرس للحصول على ما لا حق في الحصول عليه، لكليهما إرادة وابتغاء والتماس مع اختلاف بدايتهما وطريقهما ونهاية كل منهما ….. الطموح والطمع!
ليتنا نجانب استقامة صحيح الأمور في صوابها، ونتخذ من سبل الفهم السليم هدفًا للبحث والنبش والاستقصاء حتى الوصول جلوسًا بين ثناياه والمكوث راحة بين طياته، فالحكمة المُحكمة التي تستعدي الخطأ والنوايا غير الثاقبة لها منا كل التكريس والتكريم، فليس سواها درب وسبيل للراحة العظمى كما عظيم الإشادة من كياننا والآخرين سواء بسواء!